"في المشمش".. مسير كارول صنصور المتمهّل باتّجاه المعنى

كارول صنصور

مسار، أو مسير، هو الوصف الأدقّ للشكل الشعريّ التي اشتغلت عليه كارول صنصور في كتابها "في المشمش" (الكتب خان، 2019)؛ شكل فريدٌ وممتعٌ لا يتحقّق داخل إيقاع أو هارمونيا موسيقيّة ما (وإن لم يخلُ من هذه الأخيرة)، لكنّه يجد نفسه متحرّكًا في استنطاق العاديّ واليوميّ والمألوف، ويتجوّل براحةٍ في المكان والزّمان، ملتقطًا أثناء ذلك صورًا ومواضيع وذكريات وتخوّفات وآلامًا، معيدًا تركيبها على الصفحة لتفتح مساراتٍ جديدة، يقود واحدها إلى أخرى، ليتشكّل النصّ الشعريّ في شبكة من العلاقات مع نصوص الكتاب أخرى، تقف وحدها ومعها معًا في آن.

الشّعر والأدب ليسا وسيلةً لاستقراء المستقبل، بل هما أداتان لاستجواب واستجلاب واستجلاء المعاني، وفتح زوايا الرؤية، والنّظر من فوق ركام الحياة اليوميّة

في جزءٍ من النّصوص تخال أن ثمّة عدسة سينمائيّة تتحرّك في مقطعٍ من المدينة، صاخبٍ وصامت، طبيعةٌ صامتةٌ ينبثق صخبها عن صيرورات مضمرةٍ فيها، يخلّقها القارئ بعد أن يتجاوز صدمته الأولى وخجله الابتدائيّ إذ يصدفها عاريةً من "ال" تعريفها، وملقاةً هكذا على صفحة بلا هيبةٍ ولا ما يحزنون، ومن البداية، ومن مدخل الكتاب الذي سنُسحب منه إلى الطريق والحارة والمنزل وباقي النصوص بعده:

"مدخل

إشارة مرور

ملصقات

جدار فصل

قصر جاسر

ملحمة أمل

مخيم عزة

خبز

زبالة أمم متحدة لتشغيل لاجئين

شارع جديد

حجارة بناء

حصمة، رمل، جرّافة

جرافيتي

سيارات سيارات سيارات

مطاعم مطاعم مطاعم

رهبان دير

حراس مهد

بوليس سياحي

عنف

أمن

قصر رئاسة

بنك

شمس

ليمون

بيت"

هذا هو النصّ الشعريّ الأوّل في الكتاب، مفتتحه المفكّك، سيجبرنا على التمهّل من البداية حتى نهاية الكتابة، والوقوف أمام كلّ كلمة، والشّعور بها وحدها وفي السّياق معًا، وإعادة القراءة، فنصل بالتأمّل إلى المعاني المتعدّدة التي تتخلّق في عبارة واحدة مثل: " زبالة أمم متحدة لتشغيل لاجئين"، أو في تتالي المشاهد وصولًا إلى الكلمة الهدف: ".../ أمن/ قصر رئاسة/ بنك/ شمس/ ليمون/ بيت".

اقرأ/ي أيضًا: سعاد ماسي.. شعر عربي وارتباك

كم هو مقدار الرّاحة المتولّدة عند الوصول إلى هذه الكلمة الوحيدة، الأخيرة، إثر هذا التشرّد، بعد أن هُتَك سترها وتبدّدت حميميّتها بتحويلها إلى نكرة مبهمة؟ وكم حياةً تأخذ كلّ كلمة إذ تستفرد وحدها بسطرٍ كاملٍ وتمدّ قدميها عليه، دون أن تفقد الرّابط السياقيّ الذي يعطيها وجودها ومعناها؟ فالمعنى هنا (والشّعر كذلك) هو في هذا المسير بالذات، مسيرٌ ينقل الغرض/الشيء ليصير موضوعًا مُدركًا، ويحوّل بعدها الموضوع المُدرك إلى صيرورة حسيّة، وعبثيّة، فالمعنى (كما اللغة) مخاتلٌ دومًا، أحجية مألوفة، لكن لا سبيل إلى حلّها. تلتقط كارول هذه النتيجة وتعبّر عنها شعريًّا: "جميع الأحرف طلاسم/ والكلمات ألغاز/ بين الألف والياء/ استعارات وكنايات وتورية/ البداية والنهاية/ المكان والزمان/ العاشق والمعشوق والوطن/ أحجيات أحجيات أحجيات".

هذه القوّة المضمرة في المفردة الفرد، المنتقاةِ من مروحةٍ من الكلمات، والموجودة داخل مروحةٍ من الكلمات، تتضاعف من خلال السّلاسة التي تنتقل فيها الصّورة، والكلمة نفسها أحيانًا، بيُسر، من العاديّ إلى شديد الوقع، من اليوميّ إلى الفجائعيّ، من العابر إلى العميق. نقرأ –مثلًا- في النص الشعري رقم 3، الذي يتناول حضور راوٍ لقدّاس دفن المسيح: "يضاف كرسيّ بلاستيكيّ بجانبي. يلتصق بي مُصلًّ جديد. يعطس في يده مرارًا. أصلّي ألا يطلب الكاهن منّا مصافحة بعضنا البعض. أركع هربًا من الاحتمال. أفكّر في ’الإيبولا‘. كيف يمكن أن تقضي على جميع المؤمنين."

بلاغة الانتقال من العاديّ إلى الكارثيّ تكشف أيضًا، وببساطةٍ، عن نصّ نبوئيّ، كتب ونشر قبل الكورونا المستجدّة ورذاذها وتباعدها وتداعياتها؛ لكن مهلًا، الشّعر والأدب ليسا وسيلةً لاستقراء المستقبل، بل هما أداتان لاستجواب واستجلاب واستجلاء المعاني، وفتح زوايا الرؤية، والنّظر من فوق ركام الحياة اليوميّة -التي تحجب النّظر وتصادره- إلى ما يليها. هكذا يصل الشّعر –بتلقائيّة، ودون كثير ادّعاء- إلى الوباء، قبل أن يصل الوباء نفسه [ثمّ، كم نحن مقرفون حقًّا: لم تكن الإيبولا تعنينا، فهي تقتل الأفارقة هناك في قارّتهم المنسيّة، وهذه لفتة متميّزة أخرى يستدعيها النصّ الشّعريّ]؛ ويسير المشهد فينا عبر طريق آلام يندغم فيه الشخصيّ والعامّ، واصلًا إلى خلاصته النّافذة: "ألحق بصديقتي قبل أن تغادر بدبّابتها الأمميّة. تسألني عن شعوري. أعترف إنني سعيدة بدفن المسيح."

تعمل كارول صنصور على مساحات تمتدّ من داخلها إلى خارج كيانيّة "القضيّة" وحدودها الالتزاميّة، متحرّرة من المباشرة، والابتذال، والفقر الفنيّ

هذا العبور السّلس في العاديّ، واكتشاف طاقته الشعريّة، وتفجيرها، هو أمرٌ صعب، يحتاج ألمحيّة خاصّة، والتقاطًا تظهر ألمعيّته في بساطته، كمثل ما نقرأ هنا: "كانت تلال البزر ووتيرة تقشيرها على طاولة المطبخ مقياسًا لحجم مواضيعنا:/ الوظيفة: أوقيّة/ العائلة: أوقيّتان/ الحُبّ: كيلو + ألواح شكولاته". ذات الأمر ينطبق على العبور السلس في التركيب اللغويّ الذي هو في حدّ ذاته "المشهد"، أو لنقل، تحرير المشهد من إطاره الضامّ، كما نجد هنا: "كنتُ بحثتُ عن صديقٍ ليغفر لي ذنوبي ويساعدني على استقبال ما تمّ شحنه ممّا تبقّى منّي." أو، في مكان آخر من الكتاب: "أكتب لك وأنا أفهم لماذا عليها أن تكون رسالة/ مساحة إضافيّة للتخبّط/ وفضح الذات/ أو موت/ لكنّها اليوم حياة/ لا علم لي/ أما بعد،/..." فتلغي الشّاعرة الحدّ بين الصّديق والأغراض المشحونة والمتحدّث، أو بين الرّسالة ومحيطها وكاتبتها ومن وجّهت إليه، إلغاءٌ مبتكر ونبيهٌ وصعبٌ يقع في صلب الشّعر إن عرفنا أن الشّعر هو إعادة نظر شاملة في الأشياء والمحيط والسّياقات والعلاقات، إعادة اختراع لها (مشهديًّا، وصوريًّا، ولغويًّا، وحسيًّا) خارج الحدود الفاصلة للشيء عن الآخر، هو ذلك التّبادل للموجات الكهروميغناطيسيّة بين اصبع وسطح لن يتلامسا فعليًّا، أبدًا، مهما حاولا، بحسب الفيزياء، لينتج الإحساس عن هذا التّبادل الخالي من التّلامس.

اقرأ/ي أيضًا: أندريس نيومان.. شعر يملأ فراغ الحاضر

لذا، لم تضع كارول أسماءً لنصوصها الشعريّة، ولم تضع أرقامًا لصفحات كتابها، ويا ليتها لم تضع أرقامًا لنصوصها، فهي كلٌّ متداخل وغير متتابع، وإن انتهى بقفلةٍ تليق بقصّةٍ قصيرة معاصرةٍ ومغامرة؛ فمثل كلّ الشعر المعاصر، الجديد، المتميّز، والقصّة المعاصرة، الجديدة، المتميّزة، يتحرّك "النّوعان" باتّجاه بعضهما، يجدّدان دمهما بعيدًا عن الإيقاعيّة والحبكة، والخطابيّة والبُنية، والغرض وخطّ السّير المُحدّدين سلفًا. تستفيد الشّاعرة من الخطوط السرديّة الحاضرة في الضّفيرة التي تجمع خصل الكتاب، والفاعلة في كثير من نصوصها الشعريّة (مثل تلك التي تحمل الأرقام 3 و 7 و8 و10 و13)، خطوطٌ تطلّ برأسها وتُلعّب حواجبها حتّى في أكثرها تخفّفًا من التّراكيب النثريّة (مثل النصّ الشعريّ رقم 1، المثبّت في أول هذه المقالة)، وتعطي كتابتها إمكانيّات مغايرة.

وأخيرًا: تنجح الشّاعرة في الخروج على (وليس من، وبينهما فرقٌ كبير) فلسطينيّتها، تجاه مواقع إنسانيّة، من منطلق أنّها "إنسانة وامرأة صادف أن تكون فلسطينيّة،" كما كتب يوسف رخا في تقديمه لـِ "في المشمش". ليس في ذلك ما يثير الاستغراب، بل العكس، إذ حُشر شِعر الفلسطينيّين، طوعًا حينًا، وقسرًا أحيانًا، في مربّع "القضيّة" و"مسؤوليّاتها"، بينما حوّل كثرة من الشعراء والكتّاب الفلسطينيّين أنفسهم إلى متسوّلين على ركام قضيّتهم العادلة، وأهانوها بتحويلهم إيّاها إلى مادّة للتسلّق والتّعبير الفنيّ الرديء واستدرار التعاطف والاعتراف، خدمةً لمشروعهم الذاتيّ الصغير. وإذ تعمل كارول صنصور على مساحات تمتدّ من داخلها إلى خارج كيانيّة "القضيّة" وحدودها الالتزاميّة، متحرّرة من المباشرة، والابتذال، والفقر الفنيّ، فهي تنجح بأن ترسم لنا فلسطين "الحب والزّهر" التي أراد محمود درويش أن يهاجر إليها بعيدًا عن "شعر المقاومة"، وأن تكتب لنا فلسطينيّةً متسائلةً، متأملةً، ساخرةً، وسياسيّة أيضًا، دون أن نشعر قسرًا، وغصبًا، وحصرًا، أننا أمام شعر فلسطينيّ، أو شعرٍ عن فلسطين...

...إلا في موقع واحد. ففي سعيها لقراءةٍ راديكاليّة (أتفق معها فيها إلى حدّ كبير، بل وأفرد لها صفحاتٍ نظريّة تفوق الخمسمئة في كتابي القادم: "الكيانات الوظيفيّة")، ذهبت كارول مباشرةً إلى المُباشرة، إلى نصّ "ملتزم" بمقولته ومحدّدٍ بأطر تأويلها المحدودة. تقول في النصّ الشعريّ رقم 12: "قد تكون فكرة القوميّة العربيّة هي تمامًا فكرة قيام دولة إسرائيل/ صنعة ومشروع/ وقد تكون الانهيارات التي نشهد مناسبةً نعيد فيها رسم من نكون وعن ماذا ندافع/ لكن أن نستغل الانهيارات لتصفية مشاعر ثأريّة وقبليّة وقوميّة/ قد يكون هذا تبريرًا لكل ما يحصل وسيحصل لنا في عالمنا العربي".

هل يكون هذا النصّ اليتيم خدعةً محسوبةً لإظهار التّباين بين ما تريد الكتابة تجاوزه وبين ما تسعى للوصول إليه؟ يستدعي هذا قدرًا كبيرًا من الثقة في الشّاعرة، أراه متحقّقًا عبر عشرين نصًّا آخر تثبت نجاح مسعاها، وتجعل من "في المشمش" نصًّا شعريًّا لافتًا وراهنًا وممتعًا يجبر قارئه على العودة إليه مرّة بعد مرّة بعد مرّة، ليقرأه وكأنّه يشمّه للمرّة الأولى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

شعر أمازيغ الجزائر.. ذاكرة الألم

محمد الماغوط.. شاعر الشفوية المضادة