في الصومال وجيبوتي: شعب يغرق

في الصومال وجيبوتي: شعب يغرق

جانب من فيضان نهر شبيللي في الصومال (تويتر)

حكومتا جيلي وفرماجو والمعارضة الصومالية يتميزون بالمزايدة السياسية عند التعاطي مع كارثة الفيضان، إذ يحرصون على تفقد منطقة الكارثة رغم عدم قيامهم مسبقًا بإجراءات لتجاوزها، وباستمرار يؤكدون عدم قدرتهم على مجابهة ذلك التحدي، فالصومال تعاني من إشكالية فيضان نهر شبيللي بشكل دوري على مدى العقد الأخير، وجيبوتي تغرق بفعل ارتفاع منسوب المياه مع هطول الأمطار، وفي المقابل تتعامل الحكومة مع القضية باستهتار رغم أن إمكانياتها أفضل مقارنة مع الصومال.

تعاني الصومال من فيضان نهر شبيللي بشكل دوري على مدى العقد الأخير، وجيبوتي تغرق بفعل ارتفاع منسوب المياه مع هطول الأمطار

وعلى هذا المنحى فإن هناك تقصيرًا من قبل الطرفين لمواجهة تلك الكوارث، حكومات جيلي العتيقة غير قادرة على مواجهة تصريفها مياه الأمطار، والتي تغرق كل عام شوارع العاصمة جيبوتي، رغم الاستثمارات العديدة التي تحصلت عليها جيبوتي بالإضافة إلى ذلك المساعدات الدائمة، إلا أن الحكومة لم تضع في اعتبارها تصورًا لتصريف المياه والمجاري.

اقرأ/ي أيضًا: المستثمرون في جيبوتي لا يحتملون معارضة مسلحة

وفي الصومال تغرق شوارع مدن هرجيسا وبرعو وجاروي مع قدوم الأمطار، وفي ظل حصول كانتونات هرجيسا وجاروي على المساعدات الخارجية الدائمة وتحصيل الضرائب من العامة، إلا أن تلك الأموال لا تصب في تطوير الخدمات العامة، في حين تتعرض محافظة هيران سنويًا لفيضان نهر شبيللي القادم من إثيوبيا، وهو ما يتسبب في كارثة إنسانية.

حيث تقوم إثيوبيا بحجز مياه النهر، وبعد أن تقوم بتخزين مياهه، تعمل على فتحه مجددًا وخلال تلك الفترة تعاني محافظة هيران من الجفاف، وحين يفيض النهر تغمر مياهه المحافظة وتتسبب في كارثة، ورغم وجود وزارة للكوارث إلا أن الحكومات التي تعاقبت لم تقم بوضع كيفية لتعامل مع تلك المعضلة السنوية.

جيلي غير قادر على إنشاء شبكة تصريف المجاري والمياه، لمعالجة واقع تحسين تلك الخدمة الاجتماعية التي ترتبط بها حياة المواطنين اليومية، وتجنيبهم مزيد من الضرر الاجتماعي والمادي الذي يلحق بحياتهم وممتلكاتهم من جراء ذلك باستمرار، وبعد أربعة عقود من الاستقلال لا زالت البلاد في أمس الخدمات والحاجات الأساسية.

وفرماجو غير قادر على تفعيل وزارة الكوارث ومكاشفة إثيوبيا بعدم احتكارها الموارد المائية الصومالية والعبث بها، لقد تسبب المياه التي غمرت هيران في نزوح 150 ألف مواطن من مدينتهم وبلداتهم والريف، كما أكدت التقديرات بشأن ذلك، وهو ما يتطلب أن يكون ملف المياه من أساسيات التفاوض مع إثيوبيا، لضمان حقوق الصومال في الأمن البيئي والغذائي والمياه وسلامة المواطنين. إلا أن بدعة تشكيل مسمى الوزارة لم تغنِّ المواطنين شيئًا يعتد به، في حين كان يتطلب الاستحقاق، أن تمنح الفكرة ما تستحقه من الاهتمام والاستعداد لتكريس ما تتطلبه من إجراءات جادة، تنطلق بعيدًا عن إعلان وزارة ذات طبيعة استراتيجية لمجرد الرغبة للإكثار من الحقائب الوزارية الغير حاضرة على مستوى الواقع الملموس.

في جيبوتي، تهطل الأمطار على بيئة ساحلية جافة تتسم بملوحة التربة والتي تحول دون امتصاص مياه الأمطار مباشرة، فتتدفق المياه على مستوى سطح الأرض وتنتهي بالركود لعدة أيام، يتخللها ما تتركه من أمراض والرواسب. وعلى صعيد الأمن الاجتماعي تسفر تلك المياه المتسربة إلى بيوت المدينة القديمة عن آثارها المدمرة تجاه الملكية، حيث تفقد الأسر أدواتها بفعل الضرر المادي الذي تسببه المياه، وهو ما يسبب تشرد الكثير من العائلات لفترة، ناهيك عن أن المسألة تصل بدورها إلى توتر العلاقات بين ربات الأسر، والتي تتنازع على كيفية تصريف المياه بحكم الجوار وهو ما يؤذي إلى صدام فيما بينهم.

رغم الاستثمارات العديدة التي حصلت عليها جيبوتي لم تضع الحكومة في اعتبارها تصور لتصريف المياه والمجاري

إن غرق تلك المنازل القديمة للأسر الفقيرة والتي لا يزيد دخلها اليومي عن 2 دولار، ينتهي بهم إلى مزيد من الأعباء المالية التي تقع على عاتقهم، وتتشتت جهودهم ومقدراتهم ما بين ترميم منازلهم وشراء احتياجات الفرش والجلوس مجددًا، ويشمل الضرر بدوره المحلات التجارية، خاصة في ظل تأثر مركز المدينة وتعرضه للخسائر، والأمر ذاته يشمل سكان بلدوين في الصومال.

اقرأ/ي أيضًا: الصومال.. حين استعادت "العمامة" مكانتها

ومع تعدد تلك المشاهد المأساوية، تقتصر ردود أفعال حكام الصومال وجيبوتي ما بين القيام بجولات تفقدية، تتوزع بين أن يغمس الفريق الأول أقدامهم في المياه كتعبير لتضامن مع المتضررين، بينما يتجول الطرف الثاني راكبًا طائرة هليكوبتر للاطلاع جوًّا على الخسائر، إلا أن تلك الطلعات البرية والجوية لا تقف للحيلولة دون حدوث الكوارث مجددًا، كما أن الكم الكبير من آثار تلك المعاناة لا تدفعهم لوضع رؤى لمعالجة جذور المشاكل والتي تتعدد ما بين الطبيعة والسياسي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

العيسى بين مكونات القرن الأفريقي

"مصافحة" إريتريا وأثيوبيا.. آخر أوراق ابن زايد في البحر الأحمر