في الحنين إلى

في الحنين إلى "شبرا" أجمل

متجر خاص بإحدى الكنائس في حي شبرا

يمكن أن يتسبب الحنين في اقتيادنا لمغادرة الواقع المغلق على شروطه، بحثًا عن شبح انفراجة قريبة أو تخفيفًا مما هو كائن بالفعل، ويمكن أن يقودنا السعي لاستحضار الماضي إلى ترجمة ذلك الحنين إلى أشكال أدبية وفنية عديدة، أحيانًا لا تتوخى الدقة بقدر ميلها لابتعاث يوتوبيا متخيلة لا تغادر رؤوس أصحابها.

شُبرا، ذلك الحي القاهري العتيق، كان له نصيبه من العشاق والمحبين الذين يستحضرون تاريخه وماضيه في كتب وروايات

شُبرا، ذلك الحي القاهري العتيق، كان له نصيبه من العشاق والمحبين الذين يستحضرون تاريخه وماضيه في كتب وروايات مثل الأديبين فتحي غانم ونعيم صبري، أو في أغنيات كما يغني محرم فؤاد كلمات صلاح فايز "بحبك يا شبرا.. بحبك صحيح، يا موال وأوبرا، يا جامعة محمد والمسيح على بسطة واحدة.. بحبك صحيح"، أو في عمل أشمل ظاهره التأريخ وباطنه الحنين مثل كتاب "شبرا.. إسكندرية صغيرة في القاهرة" (الهيئة العامة للكتاب، 2016) للمؤرخ محمد عفيفي رئيس قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة القاهرة، الذي يرصد من خلاله أبرز الشخصيات "الشبراوية" التي كان لها دور بارز في المجتمع المصري، بمختلف المجالات، بداية من القرن العشرين.

اقرأ/ي أيضًا: "اللي بنى مصر".. حكاية نشأة القاهرة في ألفيتها

وكما يقول الكتاب على لسان محمد رمزي صاحب القاموس الجغرافي الشهير، يرجع مسمى شبرا إلى اللغة المصرية القديمة وانتقلت منها إلى اللغة القبطية وأصلها "جوبرو"، ومعناها التل أو الكوم، ثم حُرِّفت إلى "شبرو"، ووردت بهذه التسمية في كتاب "أحسن التقاسيم" للمقدسي، ووردت في "نزهة المشتاق" للإدريسي باسم "شبره". وبعد نبذة سريعة عن الاسم ووروده في كتب التراث، يقدّم الكتاب لشبرا في الدولة الحديثة مع مصر محمد علي باستفاضة، منذ أن بنى قصره الشهير في قرية شبرا الخيمة وشقّ طريق شارع شبرا ليربط بين قصره والقاهرة، حتى أصبح هذا الشارع أحد أطول شوارع القاهرة.

في "شبرا"، لا يؤرّخ عفيفي للحي القاهري بالوثائق والصور التاريخية، بل يقدّم إعادة قراءة للتاريخ من خلال المكان وتحولاته، عبر الاستعانة بمثال صغير تجري مفاعيله في أحد أحياء العاصمة يُسقِط عبره التغيرات والتحولات الطارئة على بلد بكامله. وكما يتضح في العنوان الفرعي للكتاب، يبدأ عفيفي من افتراض شخصي يشبّه فيه حي شبرا بمدينة الإسكندرية، وبالتحديد تلك الإسكندرية الكوزموبوليتانية التي يتخيّلها مثقفون مصريون على أنها مجتمع متسامح يجمع بين الأجناس واللغات والأديان المختلفة المتعايشة إلى جوار بعضها البعض في وئام وسلام ومحبة. ومن أجل التدليل على تلك اليوتوبيا الضائعة، لا بد من تسليم دفة القيادة للنوستالجيا السيّالة في جنبات "الزمن الجميل".

إلى ذلك، يعمد الكاتب المزج بين الشخصي والعام في حكايته لسيرة شبرا، فنرى خلطًا بين طفولته هو شخصيًا وبين حي شبرا كمكان مؤثر وفاعل في حيوات من يقيمون به، سواء كانوا من المهاجرين الجدد أو من الجاليات الأجنبية، خصوصًا الإيطالية: "وفي رأينا أن هذا ينطبق بشدة على حالة شبرا، فكما ذكرت من قبل هذه الفترة ستشهد هجرة جدّي من المنوفية إلى شبرا وزواجه من جدتي، وهي قريبته تعود أصولها إلى قريته في المنوفية، هاجر أبوها إلى القاهرة ليقيم في الحي القديم "الدرب الأحمر" ولكن بعد زواج ابنته في شبرا ستنتقل العائلة بأكملها إلى شبرا وينتقل أخوات جدتي إلى شبرا ليصبح أحدهم جدّي لأمي حيث سيتزوج أبي من بنت خالته".

يرجع مسمى شبرا إلى اللغة المصرية القديمة وانتقلت منها إلى اللغة القبطية وأصلها "جوبرو"

ذلك الخلط السابق يمكن اعتباره بمثابة نصّ داخل نصّ أو هو العتبة التي ينتقل منها النصّ من الحسّ التأريخي للحس الأدبي أو الاستدعائي الذي يقرّب الكتاب بصفة عامة لصفة السرد من جهة، ويجعله أشبه بمونولوج حكي طويل يقوم به أحد العواجيز في برنامج تلفزيوني مسائي من جهة أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: مصر التي بناها الصنايعية

يلتفت الكتاب في جانبه المهم إلى المعمار الشبراوي والتخطيط العمراني والنمو السكاني وكذلك إلى اختفاء وظهور مناطق بالحي، ما يجعله أشبه ببيلوغرافيا مكانية، فنرى ظهور واختفاء جزيرة الفيل (البذرة الأولى لحي شبرا) واختفاء ميناء روض الفرج، وكذلك ظهور الترام وتأثيره في تزايد عدد السكان والنمو العمراني والإدراري لشبرا. كانت شبرا بالفعل تلك الرئة الجديدة للقاهرة، كما يؤكد الكتاب، ومنا هنا أدرك سكان الحي أهمية الموقع الجغرافي لشبرا وكيف أنها أصبحت متنفسًا كبيرًا للتوسع والعمران، لا سيما مع الحرب العالمية الثانية. أيضًا يلتفت الكتاب إلى الحياة الاقتصادية لشبرا، لكنه ينتقل فجأة إلى مرحلة ما يسميه "تزييف شبرا" وضياع الحلم الذي كان بداخل أهلها، وكأن المدينة شاخت وأصابها ما أصاب مصر بأكملها.

حي شبرا

يبكي عفيفي تلك الليبرالية التي وُجدت يومًا، وتلك المساحات من الحرية والتجاور بين مختلف الأجناس والأديان والأعراق، وكأنها مدينة كوزموبوليتانية فعلًا، وليست مدينة محتلة يُعامل فيها أهل البلد بدونية وقلة احترام. ثم يكمل عفيفي بكائيته بالوصول إلى المحطة المرتقبة في مثل هذه السرديات الحزينة، وهي فترة السبعينيات وعصر "الرئيس المؤمن" أنور السادات الذي صاحبه هجمة التيار السلفي وتشدده وتأثيره الذي أجبر الكثيرين ممن هم قادرين على الهجرة إلى أحد الأحياء البرجوازية الجديدة، مثل مصر الجديدة أو المهندسين أو الدقي. وفي إطار "تزييف شبرا" ايضًا، يشير عفيفي إلى ظهور مظاهر جديدة غير مألوفة على الحي، فبعد رحيل الأجانب من شبرا كما رحلوا من وسط البلد أيضًا وربما من الإسكندرية في الوقت نفسه أو بعد ذلك بقليل، ستبدأ هجرة أغنياء شبرا من الأقباط إلى مصر الجديدة، إذ لم يعد الحي مثالًا للتعايش المشترك، كما سيهاجر أغنياء شبرا من المسلمين إلى المهندسين والدقي وستبقى في شبرا الشريحة الصغرى من الطبقة الوسطى التي لا تملك من الأموال شراء منزل في هذه الأحياء. الغريب أن الكاتب لا يشير أثناء ذلك الحديث عن التزييف واختفاء معالم شبرا الجميلة إلى تغيرات الوضع السياسي المصاحب لتلك الفترة، وما شهدته من تأجيج حماسي لأفكار القومية والانغلاق الوطني تحت تأثير خطابات الزعيم الملهم جمال عبد الناصر وسياسات التأميم التي انتهجها وأدّت في النهاية لتطفيش الأجانب من مصر.

يقدّم الكتاب لشبرا كنافذة للقاهرة، كما كانت الإسكندرية نافذة للبحر المتوسط. والحقيقة أن هناك بعض أوجه الشبه بين الحي القاهري والمدينة الساحلية، بعيدًا عن اليوتوبيات المتخيّلة، في التحولات أو التأثيرات التي لحقت بهما، كالأجانب ونشأة السينما ونشأة الصحافة والمسارح: "كنا في شبرا نعرف البيت بأسماء أصحابها ولم نكن نهتم كثيرًا بمسألة ترقيم المنازل، فذهه المسألة بالنسبة لأهالي شبرا بدعة حكومية تم اختراعها لأسباب إدارية وكنت سمعوأنا صغير في ستينيات القرن الماضي جدّي وجدّتي يرددون عبارة: البيت اللي بعد بيت الخواجات". وباستمرار ربط شبرا بالأجانب نرى الحي في الأدب والفن بوصفه "عالميًا"، ويستشهد المؤلف برواية فتحي غانم "بنت من شبرا" التي تغطي فترة الأربعينيات وبطلتها تلك البنت الإيطالية ماريا ساندرو، وكذلك رواية نعيم صبري "شبرا" التي تغطي فترة الخمسينيات.

في السبعينيات من القرن الماضي، بدأت هجرة أغنياء شبرا من الأقباط إلى مصر الجديدة، إذ لم يعد الحي مثالًا للتعايش المشترك

 واستكمالًا لمصطلح "العالمية"، يتطرق الكتاب إلى المغنية داليدا أو يولاندا كريستينا جيجليوتي المولودة لأبوين إيطاليين في 17 كانون الثاني/يناير 1933، في شبرا، حين كان ملجأ مهاجري شرق المتوسط والوافدين من أقاليم مصر إلى العاصمة. يخصص عفيفي فصلًا كاملًا للحديث عن داليدا ونشأتها وحكايتها، مشيرًا إلى أن بيت عائلتها كان يفصل بينه وبين عائلته أقل من 200 مترًا، ويعرج خلاله على مدارس شبرا والوجود الإيطالي واليوناني في الحي، وكيف كانت مدارس هذه الجاليات منبرًا للحرية والتطلع والحلم: "تعتبر مدارس شبرا ظاهرة تستحق الدراسة والاهتمام، إذ خرج من أبناء شبرا صفوة أهل الفكر والفن في مصر آنذاك". من بين هؤلاء يذكر الكتاب أسماء صلاح جاهين، وماري منيب، وسميحة أيوب، وسيمون، وهنري بركات، وخيري بشارة، وبليغ حمدي، ومدحت صالح، ومحمد كامل القليوبي، وداليدا.

اقرأ/ي أيضًا: "المكشوف والمحجوب".. التاريخ كصراع بين العري والاحتشام

 ومن المدارس ينتقل إلى التجارب الصحفية الرائدة والمثيرة التي نشأت على أرض شبرا، حيث مجلة "ألف صنف وصنف" لمؤسسها بديع خيري الذي اختار مقرها في بداية شارع شبرا، ومجلة "شبرا" الناطقة باسم الحركة الإسلامية في الحي، ومجلة "التربية البدنية" التي ظهرت في الثلاثينيات وكانت تتزيّن بصور حسناوات يرتدين المايوهات، ليتساءل عفيفي في النهاية: "أتخيل لو تكررت التجربة حاليًا في هذه الأعوام، هل سيوافق علماء الأزهر والكنيسة على الكتابة في مجلات كهذه؟".

اقرأ/ي أيضًا:

اغتيال الإسكندرية

أعطني بناية أعطِك فكرةً عن سكانها