في التجاور والتجاوز

في التجاور والتجاوز

بشار الحروب/ فلسطين

المتابع للمشهد الثقافي العربي تذهله تلك "الثقة" التي تمتطيها بعض التجارب الأدبية "الجديدة"، ثقة مفرطة، ونافية لكلّ جهد نقديّ باتجاهها، وتدّعي تكسير كلّ الأنماط والحدود والثوابت، في الوقت الذي تؤسس فيه لبطريركيّة جديدة وتعتبرها نهائية، ومطلقة، وعالية، وعصيّةً على الاختراق، وكل ذلك دون برهان من النصّ (الناتج عنها)، وبرغم ادّعائها للهدوء، والنبرة المنخفضة، والاهتمام بالهامشيّ، واليوميّ، والمسكوت عنه، إلا أنها تملأ الدنيا ضجيجًا، وتحتفي بالبذاءة، والقبح، وتنتهج منه فعل تغييرٍ وخروجٍ على الآباء والمألوف، وتسمّي كل ذلك تجاوزًا للحدود والمؤسسات، والبطريركيات، والتابوهات (على الأغلب الأعمّ لا تقترب هذه التجارب من التابو السياسي! بل ربما جاملته وسبحت معه بمهارة سباحةً تحت الماء لا تظهر على السطح).

لا سطوة لأحدٍ -أيًّا كان- على أحدٍ متميّزٍ، ومن يتحدّثون عن سطوة الأقوياء المكرّسين، هم الضعفاء

هذا لا يؤسّس لشجرة إبداعٍ راسخة، عميقة الجذور، وارفة الظلّ، كثيرة الثّمر، بل يضيف خرابًا جديدا إلى المشهد.

اقرأ/ي أيضًا: إشكالية التمثيل والوصاية.. هل يستطيع التابع أن يتكلّم؟

التّجاوز - في الأدب تحديدًا- ليس قتلًا، بل هضمٌ لما أنجز، واستفادةٌ من كل سعراته، وطاقته في بناء الجسد -الجسد الجديد- جسد الشجرة الملتفّ، والكثيف، والقويّ بعضلات أغصانٍ تتّجه واضحةً، وواثقةً نحو الشمس.

ادّعاء الجدّة لا يكفي للبرهان عليها، فلم ينظّرْ أيّ مبدعٍ مجدّدٍ لما جاء به، بل انشغل بمشروعه بجدٍّ وحنان وتواضع، فترك لنا منجزاتٍ، قلنا نحن عنها إنها جديدة، ومغايرة، ومتجاوزة، وجميلة، وعالية..

والكثرة لا تعطي شرعيّةً في الأدب، بل ربّما القلّة... الأدب تحكم فيه الأقليّة الجميلة، لا الأكثريّة/ الغثاء.

قلّةٌ فقط، تلك التي تنفرد لتبني الجميل، فينهدم القبيح، ويتهاوى من تلقاء هشاشته، وسوء غذائه، وضعفه تحت الضوء، ضوء الجميل.

لا سطوة لأحدٍ -أيًّا كان- على أحدٍ متميّزٍ، ومن يتحدّثون عن سطوة الأقوياء المكرّسين، هم الضعفاء، يريدون قوّة بالضجيج، ويريدون قوّة بالتكاثر الأميبي، ويريدون قوّة بالتنكّر، ويريدون قوّة بالبذاءة، فيؤسّسون لطفيليّات، تتغذى على فضلاتها، تتورّم وتنتفخ، فلا هي تشْبع، ولا هي تغني من جوع.

لنتجاور إذًا مع من سبقونا، فتلك الوسيلة للتّجاوز: أن نعدو، فنلحق، فنتجاور، فنتجاوز.

ولنبرهن على تجاوزنا بنصوصنا، لا بألسنتنا الحداد، التي تشي بضعف آلتنا عن المباضعة، وبضعفنا عن إنتاج حمْلٍ، يأتي بمواليد أسوياء.

المولود السّويّ يأتي من آباء أقوياءٍ، فيه ملامحهم، لكنّه غيرهم يحمل شرف انتمائه إليهم، ويقول ها أنذا.

من يقتل أباه يسجن نفسه في البشاعة، بشاعة الهشاشة، والضعف، والتّنكّر، والتّنطّع، وبشاعة عدم القدرة على الهضم والتمثّل والنموّ والتجاور.

من يتجاور ويتخطّى، يضيف لأبيه، وينير لابنه، ويتجاوز غيره.

التجاور ندّيّة، والقتل هروبٌ من السباق تحت غبار ضجيجٍ وادّعاءٍ، سرعان ما ينجلي عن بشاعة منطقه البذيء، وقبح عورته العجفاء.

في الأدب، التجاور ندّيّة والقتل هروبٌ من السباق تحت غبار ضجيجٍ وادّعاء

لنتوقف -إذًا- عن الادّعاء، ولنميّز الصفير النشاز، الملفوف بحرير شهوة الشهرة، الذي يشفّ عن جدريٍّ تفشّى في جسد النصّ، حتى أوشك أن يقتله، ولنأخذ نفسًا عميقًا، ونتهيّأ بتمرينٍ قاسٍ، لسباق المسافات القصيرة – الحياة، ولنترك من يلهثون عجزًا واستجداءً لشهرةٍ لن تجيء، إلا كشهرة من بال في النّبع، ولْنشرْ بشجاعةٍ إلى من يقتلون الجياد القويّة الرابحة، فجريمةٌ أن يصمت عنهم، وأكبر منها أن يقال لهم مرحى، إنّ كثرتهم السرطانيّة ليست مدعاةً للسكوت، بل هي مدعاةٌ للجهر بالقول والخروج عليهم بالحقيقة، ولا يغرّنّك تقلّبهم في البلاد.

اقرأ/ي أيضًا: "مقهى ثقافي" في الجزائر.. المراهنة على حوار الجماليات

لنبْن بيتنا المحبّ، في طابقٍ علْويّ، فوق بيوت آبائنا، أو لنبْن بيتنا، قرب بيوت آبائنا، في أرضٍ بكرٍ – قد تكون وعرةً لكنها واعدة - ولنكن بارّين بمن سبقونا، برّ أبناءٍ ومحبّين، لا برّ عبيدٍ وموالٍ، برّ ثقةٍ لا برّ خوفٍ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"الديوان الإسبرطي".. أسئلة واحدة أزمنة مختلفة

وجدي الأهدل في "أرض المؤامرات السعيدة".. سيرة الأسى اليمنيّ