في البحث عن مقهى..

في البحث عن مقهى..

يجد كثيرون أنفسهم بحاجة لمقهى يتسع لتصوراتهم حول حياة جديدة مجهولة (جيديون ميندال/Getty)

بطاقات اشتراك، "بروشورات" لأفلام وكتيبات صغيرة ملونة، تمتلأ جيوبي بالكثير منها، أعود بها إلى البيت أتفحص لغة لم أتقنها بعد، أشاهد الصور وأضع الدوائر حول أسماء الأفلام والمخرجين، لأبحث لاحقًا عنها. هكذا مضت أول شهور إقامتي في فرنسا بين دار السينما القريب من البيت مرورًا بساحة المدينة التي تكاد تكون خالية من الناس، إلاّ في بعض المقاهي الصغيرة على جانبي الطريق، والتي كنت أمتنع أحيانًا كثيرة عن الجلوس فيها لأني لم أجد أيّ متعة هناك سارحة أنظر إلى الجدران من حولي. ولكن لاحقًا ومع الانتقال إلى مدينة أكبر بات الأمر ملحًا.

يصبح معيار معرفتك للمدينة مرتبطًا بمقاهيها وباراتها في أحيان كثيرة

يسألك أحدهم ألاّ تعرف المكان الفلاني، أو هل ذهبت للمقهى الفلاني. ليصبح معيار معرفتك للمدينة مرتبطًا بمقاهيها وباراتها في أحيان كثيرة.

اقرأ/ي أيضًا: مقاهي "النضال" في تركيا.. حلاويلا يا حلاويلا!

تراودك رغبة التعلق بمكان ما، في مكان أكبر منه، لا تعرف عنه شيءًا، فترى أنه من الجيد التردد على مقهى مناسب تختار لنفسك ركنًا فيه، فتمشي بحثًا عنه أو عن زاوية تعجبك أو حتى كرسي في حديقة يكون لك مرتعًا ترتاح فيه أو مقعد في مكتبة صامتة، وهكذا تبدأ رحلة البحث غير المعلنة بمحاولة مدّ الروابط بين القادم الجديد ومدينته المجهولة.

وهذا ما عمد إليه الكثير من اللاجئين السوريين اللذين انتشروا في بقاع كثيرة من بلادٍ باردة، بعضهم يُفضل الجلوس في البيت وقتًا طويلًا لأسباب مختلفة، البيت أكثر أمانًا، حيث لا ضرورة للاختلاط والتعبير بلغة مبهمة، وآخرون ينطلقون مسرعين بين المقاهي ودور السينما والمسارح، يبحثون عن المكتبات والحدائق، وأمكنة عامة يمكن أن تسد حاجة التواصل بطريقة ما.

المقهى بالنسبة للبعض مكان بديل عن البيت، للعمل أحيانًا ولقاء الناس والأصدقاء بدلًا من ضرب المواعيد وإعطاء العناوين، وزاد الأمر قبولًا وحاجةً بعد أن قطعت الحواجز الطرق وبات الوصول بين منطقة وأخرى في دمشق على وجه الخصوص أمرًا صعبًا ويأخذ الكثير من الوقت.

إذًا نلتقي في المقهى ذاته في مركز المدينة، الجلوس لساعات وتوفر شبكة الانترنت زاد ميزات المكان، حتى صرت تلتقي بأشخاص آخرين يواعدون أصدقاءهم في المقهى، وهذا ما يفسح مجالًا أكبرًا للتواصل وتناقل الأخبار. تتعرف على جزء من المدينة والناس من خلال الجلوس والتردد على المقهى عينه. يحفظك العاملون فيه ليأخذ المكان طابعًا وديًّا سهلًا.

ما يرغب به البعض هو خلق نفس العادة في مدنهم الأوروبية الجديدة، التي يحفل تاريخ بعضها بعادة المقاهي الثقافية والتي خرج منها نهجٌ ثقافي وثورات إبداعية وأدبية. ولكن بعيدًا عن الثقافة بعض الشيء نحو خلق عادة اجتماعية ربما لا يكون عمادها التواصل مع الأخرين، بل الهدف اكتشاف المدينة، تأملها ورصد تفاصيلها.

المقهى بالنسبة للبعض مكان بديل عن البيت، للعمل أحيانًا ولقاء الناس والأصدقاء بدلًا من ضرب المواعيد وإعطاء العناوين

يرى البعض خصوصًا ممن كانوا يعيشون على المساعدة الاجتماعية في بداية حياتهم الجديدة، أن ذلك الأمر يزيد التكاليف عبئًا فبعد الإيجار والفواتير، والمصاريف المتعلقة لا يمكنك أن تزيدها وزرًا بالتعود على شرب القهوة في الخارج، خصوصًا ممن لم يملك بعد لغةً تُعينه.

وكثر لا يجدون الوقت لذلك إلاّ في العطل والأيام المشمسة لانشغالهم وضراوة الطقس. أغلبهم لا يخرجون من البيت لأيام عدة نتيجة إحباط أو خوف ما، أو لنفس الأسباب السابقة وهي المصاريف والانشغال.

اقرأ/ي أيضًا: المرأة السورية.. عبء التقاليد وأعباء الثورة

على العكس، من يدفعون أجر بطاقات اشتراك دور سينما ومسارح لعروضٍ بلغات لا يعرفونها أغلى بأضعاف من فنجان قهوة في مقاهي الرصيف المفروشة على طول الشارع وعرضه، ولكن ذلك لا يف بغرضٍ يبحث عنه الجميع، هي خيوط المدينة التي ترتبط بكراسي المقاهي الكثيرة فيها، رغبة بحفظها، رسمها وتأملها ومراقبة الحركة فيها، غالبًا ما يكون الهم هو التواصل من غير كلام، يجد كثيرون أنفسهم بحاجة لمقهى يتسع لتصوراتهم حول حياة جديدة مجهولة.

في مدن أخرى كبرلين على سبيل المثال استطاع شباب كثر خلق أجوائهم في مقاهي اعتمدوها للتجمع والتسامر والاحتفال، ثرثرات حلقات تعارف والكثير من النشاطات الاجتماعية، حتى صار بعضهم يعتبرون افتتاح مقهى خاص أمرًا لحوحًا اجتماعيًا وماديًا. بينما يختلف ذلك عن باريس التي تعج بالأمكنة العامة، فلا يعد الوصول لمقاهي الرصيف فيها التي تأخذ طابعًا مختلفًا ومميزًا، بالأمر الصعب ولكن دون أن تلمس فيها أيّ حميمية مع المكان، ليختلف ذلك عن حال المقاهي في مدنٍ أصغر.

وهكذا في خطةٍ للاطمئنان بأن المكان يقبلك بكل تفاصيله التي تبدأ بأمكنته العامة وخصوصًا المقاهي، بالرغم من أنك حاصل على بطاقات رسمية بإقامة طويلة حيث لاخوف من الوقت، إلاّ أنك تخشى حياةً باردة خارج البيت تصطف على كراسي المقاهي.  

اقرأ/ي أيضًا:

حي العرب البرليني... وجهة الباحثين عن سوريا

برلين.. عاصمة للسوريين في أوروبا