في الأردن.. وصفات غير ديمقراطية للإصلاح السياسي

في الأردن.. وصفات غير ديمقراطية للإصلاح السياسي

ممارسات السلطة على الأرض لا تعكس نية جادة بالإصلاح (Getty)

ثمة دروس أساسية في صيرورة الربيع العربي الوعرة خلال العقد الماضي ينبغي على المهتمين بالإصلاح الديمقراطي في الأردن إدراكها والبناء عليها، من أجل المساهمة في تشكيل مناخ ديمقراطي عام في البلاد، بحسّ وطنيّ مسؤول يقدّم المصالح العامّة طويلة المدى على المكاسب الضيقة، التي تمرّ عبر مناورات مكشوفة متكررة مع السلطة الحاكمة. ولعل الدرس الأبرز الذي كثيرًا ما طُرح وجرى الحديث عنه هو أن اللعبة الديمقراطية لا يمكن أن تنحصر بصندوق الاقتراع، ولا ينبغي لها ذلك، وأن التحوّل إلى أنظمة ديمقراطية ليس قرارًا لحظيًا من داخل النظام الحاكم أو من خارجه، ينقل البلاد والعباد بأمرٍ "كن-فيكونيّ" من استبداد مطلق إلى ديمقراطية زاهرة.

ثمة إشكالات أساسية تعاني منها القوى السياسية المعارضة العربية التي تطالب بالديمقراطية وترفع شعاراتها، ليس أقلّها أنها لم تكن عمليًا ولا نظريًا قادرة على استيعاب نتائج أي عملية ديمقراطية

كما أن التجارب العربيّة الأكثر ألمًا في السنوات الأخيرة كشفت وبشكل لا يقبل الجدل أن ثمّة- إلى جانب عطب الأنظمة الحاكمة واستحكام قبضة استبدادها وإصرارها على إدارة الصراع بالقوّة بأفظع أشكالها- إشكالات أساسية تعاني منها القوى السياسية المعارضة نفسها التي تطالب بالديمقراطية وترفع شعاراتها، ليس أقلّها أنها لم تكن عمليًا ولا نظريًا قادرة على استيعاب نتائج أي عملية ديمقراطية، وأنّها عمومًا قوى معارضة "تخشى الديمقراطية" وعواقبها، وكأنها تدرك ضمنًا عدم قدرتها على تحقيق مصالحها والحفاظ على تماسك شعاراتها وادعاءاتها الخطابيّة العامّة بشأن شكل الدولة الذي تبشّر به وتسعى إليه. والمعنى أن هذه القوى المعارضة ينتهي بها الأمر وحالها كذلك إلى أدائها دورًا مكمّلًا للنظام الاستبدادي القائم نفسه، إذ لا تدل خطاباتها ولا أدبياتها ولا ممارساتها على أنها تتطلّع إلى واقع مختلف جذريًا، بثقافة ديمقراطية ذات مرجعيّة أخلاقية جوهرها الحريّة والعقلانية والتسليم بالدولة الوطنية الحديثة، ولكن ترضى بالاستكانة للوضع القائم والاستفادة الضيقة منه بما فيه من عطوب واختلالات.

ولعل هذا القلق لدى القوى المعارضة التقليدية، وفي مقدمتهم الإسلاميون بطبيعة الحال، هو ما يدفعهم في بعض الأقطار، ومن بينها الأردن، إلى القبول بالمناورات التي تبتكرها النظم الحاكمة، حتى لو كان ذلك على حساب القيم الديمقراطية ذاتها، الضرورية لحماية المواطن وحقوقه من الاستبداد بمختلف أشكاله وصوره، وحماية البلاد من انسداد الأفق السياسي وضمان حل الصراعات والخلافات بالتسويات السياسية السلمية والأدوات الديمقراطية التوافقية.  

فما جرى في الأسابيع الماضية في الأردن، منذ الإعلان عن تشكيل اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، أعاد إلى الأذهان تلك الفكرة التي رسّختها بعض الأطياف المعارضة عن نفسها في الأردن، بأنها تقبل على نفسها أن تكون "محللًا" وظيفيًا كما يريد لها النظام القائم، لشراء المزيد من الوقت، والالتفاف على المطالبات الإصلاحية التي تدعو إليها قوى ديمقراطية مدنيّة وطنيّة، تم استثناؤها من اللجنة ومن الحوارات بشأن الإصلاح، وهو ما يدلّ دلالة واضحة على عدم الجدّية فيه. هنا، تقبل جماعة مثل "الإخوان المسلمين" بثقلها التقليدي، بما يبدو للمواطن العاديّ أنّه حلّ مؤقّت مع السلطة الحاكمة وأجهزتها، من دون أن تقدم هذه السلطة أي ضمانات من شأنها الدلالة على استعداد عمليّ على التنازل والتغيير المنشود، وإمكانية المساومة على مصادر قوّتها ونفوذها وتبديل أساليبها المعهودة في إدارة المشهد، كما هو دأبها في جميع مبادراتها الذاتية الماضية، منذ التسعينات وحتى اللجنة الأخيرة.  

الاعتراض المنطقي على اللجنة والمشاركة فيها، والتي عبّر عنها بوضوح عدد من السياسيين المعارضين، وفي مقدمتهم الأستاذ سالم الفلاحات، نائب أمين عام حزب الشراكة والإنقاذ، وشخصيات سياسية بارزة أخرى، يتلخّص في أن المبادرة التي تجسّدت على شكل لجنة من 92 رجلًا وامرأة، لم تقم على أرضية تؤهلها لأن تكون مبادرة لعملية تحوّل ديمقراطي حقيقية، لأنها لا تبدو ضمن الظروف القائمة نابعة من إرادة سياسيّة جادّة في التغيير، وأنها لا تعدو عن كونها صفقة بين قوى غير ديمقراطية الخطاب ولا الممارسة، وغير معنية في تنظيم ذاتها للتحاور وفق القيم الديمقراطية الأساسية الضامنة لخلق حالة من الثقة والأمل بأي تحوّل ممكن في المستقبل. فهذه اللجنة وفق هذه الآراء ليست سوى مبادرة عابرة أخرى تنضاف إلى قائمة طويلة من المبادرات التجميلية التي تصوغها السلطة نفسها، فتشرك بها من تشاء، وتقصي من تشاء، وبشروطها وما يضمن تجييرها على نحو يتيح لها إعادة إنتاج نفسها والتقاط أنفاسها أمام الأزمات التي تعصف بها، بلا أي تغييرات جوهرية.

في هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى أن عدم الثقة في مثل هذه اللجان ليس معطىً استباقيًا مطلقًا لا يمكن أن يتغيّر، بل هي عدم ثقة نابعة بكل بساطة من استقراء لنتائج المبادرات السابقة منذ أكثر من عقدين، والتي لم تفرز أي تطوّر إيجابي يذكر. عدا عن ذلك، فإن ثمة وقائع أخرى على الأرض تجعل التعاطي بثقة مع مثل هذه المبادرات محض سذاجة، وليس أقلها استمرار الحملة الأمنية والاعتقالات الإدارية وتقييد حريّة التعبير والتجمّع السلميّ، والتي دفعت بعض أعضاء اللجنة نفسها (يعدّون على أصابع اليد الواحدة)، إلى التعبير عن الامتعاض من تلك الإجراءات واعتبار أنّها تشكّك بالنيّة الرسميّة للإصلاح.

ثمة قضيّة أخرى لا تقلّ أهميّة عن سابقتها، وهي السؤال عن الثقافة الديمقراطية القائمة لدى هذه النخب المعارضة، وأخص منها الإسلامية (باعتبار تأثيرها ومدى حضورها)، ومدى إدراكها للمركّبات الأولية الضرورية في البرنامج السياسي الذي تتبناه والقيم التي تقوم عليه، ومدى جديته في المساهمة في حالة النضال الشعبية العامة من أجل التغيير والحياة الكريمة.

 عدم الثقة في مثل هذه اللجان ليس معطىً استباقيًا مطلقًا لا يمكن أن يتغيّر، بل هي ثقة نابعة بكل بساطة من استقراء لنتائج المبادرات السابقة منذ أكثر من عقدين

هذا السؤال الأخير، بشأن الثقافة الديمقراطية لدى النخب السياسية المعارضة والمزاج السائد بشأنها عند الجمهور، رغم أنه قد يدخل في باب الترف النظري أمام حجم الاستبداد القمعيّ القائم عربيًا اليوم وحالة الإحباط السائدة إزاء تغييره القريب بعد الانتكاسات المريرة في مصر وسوريا واليمن وغيرها، إلا أنه في الحالة الأردنية، يفترض أن يعني الكثير لأي منخرط في الشأن العام. إذ تساعد الإجابة على هذا السؤال وطريقة التعاطي معه على تحديد مدى الصلاحية الديمقراطية للقوى المعارضة الأساسية المؤثرة في المشهد السياسي اليوم، وما يتبع ذلك من إعادة التأكيد على خطورة غياب تيارات ديمقراطية حقيقية موازية ووازنة لتقويمها والحوار معها والضغط عليها، بغية الاتفاق على قواعد الديمقراطية المدنية وقيمها الإطارية التي يلزم التعبئة لها وتبنيها بلا أي تحفّظ في اللغة السياسية اليومية بين هذه النخب، وبما يساعد على تجذير هذه القيم لدى العامّة، وذلك بدل الاستمرار في الاتكاء على تديين الخطاب العامّ إلى حد التنافس مع الخطابات المتطرفة  والتماهي معها، أو اللعب على وتر الهويّات الفرعيّة وتضخيمها والاستقواء بها، بما يعمّق الخوف من المستقبل وأي تغيير يحمله، ويرسّخ قدرة السلطة على المناورة وضبط إيقاع التحرّك الشعبي بالشكل الذي يضمن مصالحها ومصالح النخب التقليدية المتحالفة معها.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

عمّان: الحقّ الضائع في مدينة ليست لأهلها

تقدير موقف: أزمة الأمير حمزة ومأزق الحكم في الأردن