في الأردن.. القانون في خندق المغتصب

في الأردن.. القانون في خندق المغتصب

المادة 308 أشبه بتقنين الاغتصاب في الأردن (Getty)

 يكافئ قانون العقوبات الأردني المجرم الذي يرتكب جرم الاغتصاب بتزويجه الضحية، ففي الوقت الذي تتعرض له الفتاة لأبشع أشكال العنف ضد المرأة وتغتصب كرامتها وتصبح ضحية مجتمع لأنها لم تعد "بنت بنوت" ينتصر الجاني ويتلذذ بطعم جريمته باسم القانون.

تنص المادة 308 من قانون العقوبات الأردني على أنه "يعفى مغتصب الأنثى من العقوبة في حال زواجه من ضحيته"

وتنص المادة 308 من قانون العقوبات الأردني على أنه "يعفى مغتصب الأنثى من العقوبة في حال زواجه من ضحيته"، هذه المادة التي أصبحت متداولة بكثرة في الوسط الحقوقي الأردني للمطالبة بإلغائها أو تعديلها كأضعف الإيمان.

منى، وهو اسم مستعار، ضحية جريمة اغتصاب تم تزويجها من الجاني وفق المادة 308. تقول "لكن للأسف وبواقع الحال انتقلت من مرحلة سيئة لمرحلة أكثر سوءًا، فقد أصبحت تحت يده وبعقد شرعي يرتب له حقوقًا قانونية واجتماعية وأسرية وجنسية و...الخ، وهو كان يدرك أكثر مني متطلبات هذه المرحلة لذلك عمد إلى إذلالي وإهانتي بل وإحضار النساء إلى المنزل، بالإضافة إلى ضربي وإيذائي لدفعي لطلب الطلاق والتنازل عن كافة حقوقي الزوجية". 

وتكمل منى وهي قصة رصدتها جمعية تضامن النساء الأردني: "وفي تطور لافت لتداعيات قصتي ولقلة خبرتي ومحدودية معلوماتي وعلاقاتي ولإدراكه بحالة الضعف التي أعيشها ورغبتي الجامحة بتثبيت نسب طفلي، وبلحظة ضعف وغباء.. غياب المنطق والعقل "سمه ما شئت" فاوضني وأقنعني بالذهاب معه للمحكمة الشرعية، وطلب الطلاق الودي، على وعد بأنه لاحقًا بعد موافقتي على الطلاق الرضائي سيقوم بمتابعة إجراءات تثبيت نسب الطفل، وبالفعل تم الطلاق بناء على الاتفاق وصرحت أمام القضاء بأنني أتنازل عن كافة الحقوق الشرعية مقابل الطلاق، وكل تلك الإجراءات تمت بمعزل عن معرفة أهلي، فقد استفرد بي، وكانت الصدمة أنه تنصل لاحقًا من وعوده بإثبات نسب الصغير له، وخسرت كل حقوقي الزوجية وفوق ذلك تدمرت علاقتي بعائلتي لأنني خضعت له وتنازلت عن كل شيء وطنشت عيلتي بدون أي اعتبار لهم".

وتضيف منى: "ولا زلت حتى تاريخ هذه المقابلة في تضامن، أركض من منظمة لمنظمة ومن جمعية حقوق إنسان لجمعية حقوق مرأة، وبدون فائدة عدت مؤخرًا لرفع قضية إثبات نسب عليه بالاستناد لفترة الزواج القصيرة التي لم تتعد الشهرين، ولكنني فوجئت بأنني ربما سأخسر القضية بسبب الطلاق الرضائي، وهذا يعتبر سبب مشروع بالاستناد لقانون الأحوال الشخصية، والأمل المتبقي الآن لطفلي لإثبات نسبه لوالده/مغتصبي، هو لدى وزارة الداخلية حيث قدمت استدعاء لإحضاره للضغط عليه للاعتراف بنسب الطفل، بالاستناد لأقواله المثبتة بأوراق وتحقيقات رسمية، وإقراره بأنه والد الطفل، وسيقوم لاحقًا بتصويب وضعه القانوني خلال المرحلة الأولى من وقوع حادثة الاغتصاب قبل الزواج".

وكانت جمعية معهد تضامن النساء الأردني قد بادرت بتسليط الضوء على ما تنطوي عليه المادة 308 من إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون ومبادئ العدالة الجنائية ومسؤولية الدولة عن حماية ضحايا الجريمة إضافة إلى الإخلال بمبادىء حقوق الإنسان، وذلك منذ سنوات طويلة تعود إلى سنة تأسيس الجمعية عام 1998.

وأعلنت الجمعية إلى أنها تنفذ حاليًا مشروعًا باسم "نجاة" من أجل حماية الناجيات من الجرائم الجنسية ومنع الجناة من الإفلات من العقاب، وفي إطار هذا المشروع نفذت الجمعية دراسة معمقة حول هذه المادة ومواد أخرى ذات صلة في قانون العقوبات النافذ وأجرت مقابلات مع عدد كبير من المختصين والخبراء ومع عدد من النساء والفتيات اللواتي كن ضحية هذا النوع من الزواج. 

كما أعلنت "تضامن" أن المطالبة بإلغاء المادة لم تأت من فراغ أو لمجرد الرغبة في التغيير بل جاءت نتيجة التعامل مع عدد كبير من النساء والفتيات الناجيات من الجرائم الجنسية، ومع أسرهن والتعرف على معاناتهن وعلى ما تعرضن له من ضغوط معنوية ونفسية عائلية ومجتمعية، بما فيه ضغوط ذوي الجاني،علاوة على تعرضهن للتهديد بالقتل والحبس بموجب قانون منع الجرائم لحمايتهن وبعضهن أنجبن أطفالًا، اعتبروا غير شرعيين وتم تسليمهم إلى مؤسسات الرعاية، ليشكلوا جيلًا من أطفال يعانون مشكلات غير إنسانية لا لسبب إلا للجريمة التي ارتكبها آباء ينكرونهم ويتخلون عنهم باسم القانون وبحكم القانون، حيث رضخت غالبية المعتدى عليهن للضغوط والخيارات التي يوفرها ويتيحها قانون العقوبات النافذ، ويباركها بل ويسعى إليها المجتمع التقليدي، وهي فرص وتسهيلات مكنت الجناة بالنتيجة من الإفلات من العقاب ووضعت الضحايا في زاوية الرضوخ إلى إرادة الآخرين.

استمرار فعالية المادة 308 في القانون الأردني، سوف يدفع نحو المزيد من الجرائم التي ترتكب وتقع ضحيتها المرأة

وأشارت ورقة الموقف التي قدمتها "تضامن" بناء على نتائج الدراسة والتي تبناها التحالف المدني الأردني لإلغاء المادة 308 إلى ضرورة إجراء تعديل على نص المادة 157 من قانون الأحوال الشخصية الأردني المؤقت رقم 36 لعام 2010 والتي تنص على أنه :" أ- يثبت نسب المولود لأمه بالولادة. ب- لا يثبت نسب المولود لأبيه إلا: 1- بفراش الزوجية أو، 2- بالإقرار أو، 3- بالبينة أو، 4- بالوسائل العلمية القاطعة مع اقترانها بفراش الزوجية".

إن النص الحالي لا يمكّن ضحية جريمة الاغتصاب من إثبات نسب الطفل إلى أبيه الجاني، حتى لو ثبت نسبه إليه علميًا وذلك لعدم اقتران الوسائل العلمية ومنها فحص DNA بفراش الزوجية، وإن هذا النص بشكله الحالي يجبر المجني عليها ويكرهها في بعض الحالات على قبول تزويجها من الجاني، بهدف إثبات نسب الطفل إلى أبيه الجاني. وتقترح ورقة الموقف تعديلًا تشريعيًا على نص المادة 157 من قانون الأحوال الشخصية، بحيث تصبح كالتالي : "أ- يثبت نسب المولود لأمه بالولادة. ب- لا يثبت نسب المولود لأبيه إلا: 1- بفراش الزوجية أو، 2- بالإقرار أو، 3- بالبينة ومنها الوسائل العلمية القاطعة أو، 4- بموجب حكم قطعي صادر عن المحكمة المختصة بإدانة الأب بجريمة جنسية نشأ عنها حمل الأم المعتدى عليها".

فيما بين الناشط الحقوقي محمد شما أنه باستمرار المادة 308 سوف نرصد المزيد من الجرائم التي ترتكب وتقع ضحيتها المرأة، وقال أنه على الدولة بكافة أطرافها الوقوف أمام أفراد يجدون من الثغرة القانونية فرصة لاغتصاب فتيات.

وأضاف شما لا يمكن للعقل البشري قبول هذه الجرائم التي ترتكب، الجميع مسؤول عن هذه الجرائم، الدولة، المجتمع المدني والمواطنون والإعلام. وأعرب عن أمله من الحملات المدنية التي بدأت بكثافة في هذه الفترة في الأردن أن تستمر، وتبقى مستمرة لكون أقصى ما نحتاجه هو تغيير العقلية التي ما تزال ترى في الجريمة بأن المرأة هي السبب، دونما التفات إلى الظروف ودون احترام لحقوقها، وإصباغها بصفات تجردها من إنسانيتها نحتاج إلى كل المنظمات والمواطنين على سواء من أجل تغيير هذه العقلية ومن ثم إلى إلغاء كل القوانين المجحفة بحق المرأة.

وتتساءل عضو اتحاد المراة الأردنية هالة ديب عن الغاية التي توخاها المشرع الذي يطالب بتعديل المادة والمصلحة التي يريد حمايتها في المادة 308، وهل دور قانون العقوبات الاستجابة لمفاهيم السترة وشرف العائلة! فلماذا لا يقضي القانون بتشغيل المتهم بالسرقة مثلا!

وأضافت أن لقانون العقوبات غايات تتعلق بالردع العام والخاص وحماية الضحية وتحقيق العدالة والإنصاف لها وتجريم الجناة لغاية إصلاحهم. وفي رأيها، أن المادة وإن سلمنا جدلًا بحسن أهدافها إلا أن هذه الأهداف لا تتحقق، فلا هذا الزواج يضمن نسب الطفل ثمرة الاعتداء ولا يحفظ للضحية سترة أو حياة كريمة، لأنها ستدخل دوامة جديدة من التعنيف والقهر والاستغلال. كما أثار تطبيق هذه المادة استغلالًا من قبل أهل الضحية لابتزاز البعض ومساومتهم، خاصة في حال تعدد الجناة كما تتعارض المادة مع المساواة ومبادئ حماية الضحايا.

واعتبرت مشروع القانون المعدل لقانون العقوبات قد أبقى حكم المادة في جرائم الزنا وفض غشاء البكارة بوعد الزواج. وكان تحالف نجاة الذي تقوده جمعية تضامن النساء أوصى بإلغاء المادة 308، ولكنه أبقى حكمها في عدة حالات الزنا، خرق حرمة الأماكن الخاصة بالنساء، إفساد الرابطة الزوجية، وفض غشاء بكارة أو الحمل بوعد الزواج.

اقرأ/ي أيضًا: 

التجنيد الإجباري يفرغ دمشق من شبابها

أوباما..السير على خط رفيع بين دمشق وموسكو