في إشكاليات إنتاج المعرفة.. عن مقال

في إشكاليات إنتاج المعرفة.. عن مقال "الداخلي" لجون بيار دي ساردون

عقيل أحمد/ سوريا

يُعدّ موضوع "أهلنة المعرفة" الهادف لتجاوز الإتنومركزية المعرفية عبر الاهتمام بوجهة نظر الأهالي وطريقة تفكير الفاعلين المحليين فيما يتعلق بواقعهم وتاريخهم أحد أهم المواضيع المطروحة باستمرار في حقليّ الفلسفة والتاريخ باعتبارها من أبرز إشكاليات إنتاج المعرفة في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية.

يشبّه العالم اللغوي الأمريكي كينيث بايك التحليل اللساني للثنائية المتعارضة "الصواتم"/"الصوتيات" بثنائية "الداخلي"/"الخارجي"

يعيد جون بيار أوليفي دي ساردون -عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي النيجيري- في مقاله الفلسفي الممتع (1) الذي نعاود قراءته مجددًا عبر هذا النص -الذي ترجمه الحبيب درويش وقامت بنشره مجلة عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية الصادرة عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"- طرح ثنائية "الداخليّ" (المعبّرة عن الخطاب والتمثلات المحلية أو الشعبية) و"الخارجيّ" (الصادر عن تأويلات الباحثين أو المشاهدات الخارجية) بشكل مختلف ومن وجهة نظر ابستمولولجية تطبيقية ذكيّة، تقوم على أساس استخدام هذه الثنائية بحرص وتجرّد، وعلى أساس استراتيجية بحث تقوم على الفصل لا الخلط بين المعطيات النابعة من خطاب الفاعلين/الأهالي وبين تلك الآتية من الخطاب العالِم أو الملاحظة والمشاهدة الخارجية وذلك من أجل معرفة إذا كان من الممكن أن تفوق مزايا تلك الثنائية سلبياتها. فالكاتب يعتقد بأن الوقت قد حان لإيجاد صيغة معينّة تركّز على تكامل وتداخل هذه الثنائية لا تعارضها، فالركون إلى أحد عناصر تلك الثنائية أو كليهما سيؤدي من وجهة نظره إلى نتائج سلبية وغير مجدية.

اقرأ/ي أيضًا: الازدواجية اللغوية والعلاقة بين الشفوية والكتابة التاريخية عند العرب

كما يركّز المقال بشكل عام على "وجهة نظر السكان المحليين" ومستوياتها المختلفة، ويبحث في إمكانية توضيحها عبر منهج تجريبي (إمبريقي)، ويؤكد كذلك على أهمية التفريق بين "التأويل في الداخلي" و"التأويل حول الداخلي".

ثنائية الداخلي/الخارجي بين كينيث بايك ومارفن هاريس

يشبّه العالم اللغوي الأمريكي كينيث بايك (1912-2000) التحليل اللساني للثنائية المتعارضة "الصواتم"/"الصوتيات" بثنائية "الداخلي"/"الخارجي"، وينطلق من تلك الثنائية (مع التركيز بالدرجة الأولى على الداخلي) لفهم الظواهر الاجتماعية والثقافية، ويَعتبر جون بيار بأن ابتكار بايك لثنائية الداخلي والخارجي هي أهم الإنجازات التي قدّمها الأخير للعلوم الإنسانية، وأن ما سواه هو محض إثارة للسجالات حول التعارض بين تلك الثنائية لا أكثر. ومن جانب آخر، يرى الكاتب بأن الأنثروبولوجي الأمريكي مارفن هاريس (1927-2001) هو من كان خلف نشر ثنائية الداخلي/الخارجي على مدى واسع من خلال مدحه المبالغ لها، وتركيزه بعكس بايك على "الخارجي"، بحكم اعتقاده بأنه المعرفة الوحيدة الموثوقة. إلا أن هاريس بعد سنوات غيّر قليلًا من موقفه وأعطى "الداخلي" شيئا من المساواة المعرفية مع "الخارجي" مع تفضيله الأخير. وبعدها بسنوات اعترف مجددا بالتناظر التام بين طرفي الثنائية!

تيار "أنصار الداخلي" وتصنيفات الأنثروبولوجيين

ظهر بعد ذلك في الولايات المتحدة خلال الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين تيار بأكمله ضد هاريس، أسماه جون بيار "أنصار الداخلي"، كان من بينهم دريدا وفوكو، وعلى رأسهم بواس، الذي يعتقد بأن تحليل تجربة الأهالي يجب أن تستند الى مفاهيم الأهالي أنفسهم (السكان الأصليين) وليس مفاهيم الآخرين (المخبرين) بما أن الهدف الرئيسي هو فهم أفكار الناس (السكان الأصليين) لا الآخرين، وشدد بواس على ضرورة نقل "النص الحرفي الدقيق والكامل" لخطاب المخبرين. وطوّر بعد ذلك تيار "أنصار الداخلي" العديد من المصطلحات مثل (العلم المحلي ومعارف السكان الأصليين والإثنو-دلالية). وباعتقادنا أن طرح هذا التيار أقرب الى المنطق من طرح التيار الآخر، لا سيما أن السكان الأصليين أدرى بمفاهيمهم المحليّة من غيرهم.

أفضت تلك السجالات في نهاية الأمر إلى تصنيف الأثنروبولوجيين إلى "مثاليين ثقافيين" أو إلى "وضعانيين متحجرين" موصومين بالإثنو-مركزية، كهاريس. أو إلى أنثروبولوجيين معتدلين وأقل أدلجة استعاضوا عن استعمال ثنائية "داخلي"/"خارجي" بتصنيفات أخرى أقل تعقيدًا مثل (الخطاب المحلي/الخطاب العالِم، التمثلات/السلوكيات، الخ). أو الى استخدام لتلك الثنائية لكن بعقلية أكثر انفتاحًا ولأغراض تهدف الى معرفة "من يتحدث وعمن يتحدث" لا لخلق تراتبية أو إظهار تعارض بين "الداخلي" و"الخارجي".

مستويات "الداخلي" والاستخدام الإيجابي للثنائية

يقدّم جون بيار بعض المقترحات الخاصة حول كيفية استعمال ثنائية "الداخلي"/"الخارجي" بشكل إيجابي، ويقدّم إلى جانب ذلك بعض الفرضيات حول علاقة طرفي الثنائية "بالتجريبي والتأوليلي في الأنثروبولوجيا". ويركّز الكاتب على "الداخلي" ويبدأ به ويقسّمه الى أربعة مستويات تتدرج من المعطيات المحسوسة إلى ما هو ضمني وافتراضي. حيث تجيء "الخطابات وكلام الذوات والمخبرين" في المستوى الأول، يليها في المستوى الثاني "التمثلات التي تحملها الذوات" أو تلك المتجليّة في الأفكار والمفاهيم والتصورات الجماعية الأصيلة أو المحلية. ويقع المستوى الأول والثاني ضمن "سجّل المعبّر عنه". وفي المستوى الثالث يأتي ما يسميّه الكاتب "الشفرات الخفية" أو ما هو مضمر في الخطاب والسلوك والمعبّر عنه بشكل غير مباشر. ويأتي في المستوى الأخير "البنى العرفانية" أو الباعث الأساس الذي ترتكز عليه أنماط التفكير والفعل، وهو ما لا يمكن التعبير عنه والمسلّم به.

كيف يمكن أن يكمّل "الخارجي" القابلُ للتحريف "الداخلي" غير الموثوق إن لم يكن هناك تدخل "خارجي" يساعد في حسم الموقف لحساب "الخارجي"؟ 

ويعتبر الكاتب أن هذا المستوى هو المستوى الأكثر إشكالًا يليه المستوى الثالث، إذ إنهما يمثّلان "حقائق مخفيّة" و"شفرات خفيّة" قد تتعارض مع الخطابات والتمثّلات في المستويين الأول والثاني. لذلك يعتبر الكاتب بأن المستويين الأول والثاني والمعبر عنهما بـ"تأويلات الفاعلين" هما الأكثر صحة ومعقولية والأكثر تمثيلًا لعبارة "داخلي" لا لبس فيها، بينما يعتبر المستويين الثالث وبالأخص الرابع هما الأبعد عن الصحة والمعقولية ولا يمكن الاعتماد عليهما، ومن المنطقي أن يحسم الاتجاه حولها نحو "تأويلات الباحثين" لا "تأويلات الفاعلين". لكننا نعتقد بأن الإشكال الرئيس لثنائية "الداخلي"/"الخارجي" يكمن هنا، في هذين المستويين (الثالث والرابع)، أو بالأحرى عند محاولة الاعتماد إما على الفاعلين أو على الباحثين في تأويل ما هو ضمني وافتراضي في "الداخلي"، حيث لا يمكن الوثوق لا بتأويلات الفاعلين ولا بتأويلات الباحثين هنا، فهي غالبا ما تكون غير حيادية ويصعب البناء عليها بشكل فعّال.

اقرأ/ي أيضًا: "جماهير التوتاليتارية" بين غوستاف لوبون وحنة آرندت

التأويلات الأنثروبولوجية وحتمية تأثّر الداخلي

يعتبر جون بيار أن الخوض في مناقشة العلاقة بين ثنائية "الداخلي"/"الخارجي" وقضية التأويل ليس من أجل المفاضلة بينهما وإظهار تفوّق أحدهما على الآخر كما كان يفعل هاريس، إنما النقاش فقط هو من زاوية "المكانة المعرفية لتأويلات الداخلي" و"حضور التأويلات الأنثروبولوجية في تأويلات الخارجي". إذ أن التعويل على التأويلات المحلية وتفضيلها على العالِمة هو اعتماد لرؤيةٍ "شعبوية"، واعتبار التأويلات العالِمة في مرتبة أعلى من التأويلات المحلية يعني اعتماد رؤيةِ "المركزية العرقية". ويساوي الكاتب أيضًا بين خطاب المخبر وخطاب الباحث من حيث القيمة لكنه في الوقت نفسه يرفض بشكل قاطع -من وجهة نظر إبستمولوجية- أيّ تراتبية بينهما، حيث يعتبر أنه لا توجد "معايير أخلاقية مشتركة" بين هذين الخطابين. لكنه لا ينفي أبدا "حتمية" تأثّر "الداخلي" بتأويلات الباحث لا سيّما أن الأخيرة حاضرة دومًا وبشكل أكيد في "عمق تمثلات الداخلي". أي أن الأفكار المسبقة للباحث -إن لم نقل موقفه المسبق- تكون مدمجة ومجبولة مع فرضياته واستراتيجيته البحثية برمتها، وبالتالي فهي تؤثر بشكل أو بآخر على التمثلات الداخلية أو الخطابات، فالتجرد هنا أمر مستحيل.

ويتعمّق الكاتب أكثر ليميّز كذلك بين التأويلات المرتبطة بتشكيل المعطيات التجريبية وتلك المتعلقة بمعالجة البيانات، وبالتالي فهو يقسّم التأويلات الأنثروبولوجية إلى قسمين، تأويلات "في الداخلي" وتأويلات "حول الداخلي". فالتأويلات في "الداخلي" هي تلك المتعلقة بالبحث أو العمل الميداني، والقابلة بلا شك وبأقل تقدير للمعالجة الذهنية، فهي تتصف بـ"إنتاجيتها" المستمرة للمفاهيم والمعطيات وبـ"مرونتها" واستجابتها السريعة للتغيير والتعديل وإعادة الصوغ. أما التأويلات حول "الداخلي" أو بشأنه فهي التأويلات العامة والكلاسيكية المرتبطة بالعلوم الانسانية والاجتماعية، الأقل مرونة وإنتاجًا من الأولى والمتعلقة كذلك "بسيرورة الترجمة". إلا أن تلك البيانات المجمّعة من "الداخلي" والملفوظة بالأساس قبل تدوينها بلغتها الأصلية، هي بالإضافة إلى كل ما جرى عليها من معالجات وتغييرات وتعديلات وإعادة تركيب وترجمة في مراحل سابقة من قبل الباحثين ستخضع إلى عملية ترجمة جديدة من قبل الأنثروبولوجي وعالم الاجتماع والمؤرخ، أي سيصبح هناك تأويل جديد لتأويلات "حول الداخلي" استنادا إلى المعطيات الاستطرادية التي تم جمعها مسبقًا. وهذه بحد ذاتها إشكالية كبيرة، تتطلب بأن يكون تأويل التأويل وفيًا وغنيًا ومكثّفًا ومحايدًا ومستقلًا. لكي تكون الترجمة كما يعبّر عنها الكاتب في نصّه "ترجمة في الداخلي وحول الداخلي".

لكن وعلى الرغم من اعتراف الكاتب بتلك الإشكالية إلا أنه يصرّ على موقفه المسبق الذي انطلق منه فيما يتعلق بتكامل ثنائية الداخلي والخارجي، لكن يبقى السؤال: كيف يمكن أن يكمّل "الخارجي" القابلُ للتحريف "الداخلي" غير الموثوق إن لم يكن هناك تدخل "خارجي" يساعد في حسم الموقف -في معظم الأحيان- لحساب "الخارجي"؟ فالتكامل بين شيئين يعني الانسجام والتماسك والقدرة على الإندماج رغم تعارض بعض "السمات"، لا الاختلاف التام والتناقض في المعطيات. إشكالية قد تتفاقم أكثر وأكثر لو كان عالم الأنثروبولوجيا أيضًا من نفس زمرة الباحثين والمخبرين السابقين، المشكوك في حياديتهم أصلًا، وموقفهم المسبق تجاه السكان الأصليين أو الجهات المحليّة أو الحالة قيد الدراسة بشكل عام!

بين المثالية المفرطة والتناقض

حاول جون بيار في بداية مقاله طرح تصوّر مثاليّ إلى حد كبير، ومتناقد إلى حد ما بنفس الوقت، يدعو من خلاله بإيجابية وبساطة إلى التعامل مع معطيات "الداخلي" و"الخارجي" كل على حدة، والنظر إليهما على أنهما عنصران مكملان لبعضهما البعض أكثر من كونهما متعارضان. باعتبار أن الركون إلى الثنائية بعنصريها معا أو إلى أحد العناصر منفردًا سيؤدي كما جرت العادة الى نتائج محيّرة وغير مجدية. ولأجل أن يكون الكاتب أكثر إنصافًا من تيارَي "أنصار الداخلي" و"أنصار الخارجي" قسّم وجهة نظر السكان المحليين الى مستويات أربعة، وهذا بحد ذاته مساهمة مهمة للكاتب، لكنها ذات حدّين، فهي تساعد من جهة، وبإنصاف، على تحديد ما يمكن الاعتماد عليه والوثوق به من تأويلات الفاعلين خصوصًا إن ارتبط التأويل بالمستويين الأول والثاني اللذين يمثلان الخطابات والتمثلات المحلية، لكنها من جهة أخرى، غير منصفة إلى حد كبير، حين تعتقد في المقابل أنه من الأضمن والأكثر ثقة اعتماد تأويلات الباحثين فقط لا الفاعلين إن ارتبط التأويل بالمستويين الثالث والرابع اللذين يمثلان "الشفرات الخفية" و"البنى العرفانية"، لا سيما أن تأويلات الباحثين قد لا تخلو هي أيضًا من عيوب وشوائب مثل الأفكار غير الحيادية والافتراضات والمواقف المسبقة  والتي لا يمكن التحكم بها أيضًا، والتي لا تختلف كثيرًا بطبيعتها عن تلك المتعلقة بالفاعلين.

لا تخلو تأويلات الباحثين من عيوب وشوائب مثل الأفكار غير الحيادية والافتراضات والمواقف المسبقة  والتي لا يمكن التحكم بها أيضًا، والتي لا تختلف كثيرًا بطبيعتها عن تلك المتعلقة بالفاعلين

اقرأ/ي أيضًا: الجولاني والبغدادي.. من ربح الحرب الأهلية الجهادية؟

لكن في نهاية المقال، يناقد جون بيار طرحه الأول بأن "عنصري الثنائية هما مكملان لبعضهما" حين يطرح إشكاليات التأويل في "الداخلي" والتأويل حول "الداخلي" وما يرافقهما من عمليات المعالجة المتكررة والتغييرات والتعديلات وإعادة التركيب والترجمة والتأويل مرة من قبل الباحثين ومرة أخرى من قبل الأنثروبولوجيين، ما يطرح إشكالية تحريف "الداخلي" في العديد من المراحل التي يمر بها باعتبار أن "الخارجي" هو من يضع اللمسات الأخيرة، التي تميل بطبيعتها نحو كفّة "الخارجي". ولهذه الأسباب اعتبرنا طرح الكاتب طرحا متناقضًا إلى حد ما لأن "الداخلي" غالبًا ما يخرج من المعادلة مغبونًا من قبل "الخارجي" المكمّل، والمترجم، والمُعدّ، والمنتج، والمخرج النهائي في نهاية الأمر!

 

هامش:

1- جون بيار دي ساردون، "الداخلي"، ترجمة الحبيب درويش، في عمران للعلوم الإجتماعية والإنسانية، العدد 19، المجلد الخامس، شتاء 2017، ص 165-181، العنوان الأصلي للمقال ومكان النشر:

Jean-Pierre Olivier de Sardan, «Émique,» L’Homme,vol. 38, no. 147 (1998), pp. 151-166

 

اقرأ/ي أيضًا:

كتاب "السلف المُتخيّل".. أحمد بن حنبل التاريخي والمُتخيّل

كتاب "صُنع العدو".. حفريات بيار كونيسا في مفهوم العداء