في إسطنبول.. معرض للكتاب العربي

في إسطنبول.. معرض للكتاب العربي

من أجواء المعرض (وكالات)

في أحيانٍ ليست قليلةً يكون فرط التناول الإعلاميّ لأمرٍ أو حدثٍ ما علامة على مبالغة بشأنه أو تضخيم لأهمّيته، ولوهلة راودني هذا الشعور وأنا أتابع الزخم الكبير لأخبار معرض الكتاب العربي الأوّل من نوعه في إسطنبول والذي نظّمته وأشرفت عليه الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ولكنّ زيارةً أولى للمعرض المقام في موقع مميزّ للمدينة القديمة في طرفها الأوروبي قرب القرن الذهبيّ وفي زقاق صغير مقابل جامع السلطان أحمد، كشفتْ أنّ وراء هذه الحملة الإعلاميّة والدعوات العريضة لمتابعة المعرض إنجازًا حقيقيًّا لا بدّ من الوقوف عنده، وخطوة أولى قد تضع إسطنبول في بؤرة المشهد الثقافيّ العربيّ المعاصر. 

يخرج "معرض الكتاب العربي الأوّل في إسطنبول" عن الصورة التقليدية للمعارض ليحاكي المكتبات

بداية لا بدّ أن أذكر أنّ المعرض يخرج عن الصورة التقليديّة لمعارض الكتاب، فالموقع وإن كان في القلب من إسطنبول إلا أنّه قاعة متوسّطة تنفتح على حجرتين صغيرتين عرضت فيهما الكتب عرضًا طوليًّا فتشعر كأنّك داخل مكتبة لا معرض، فليس ثمة طاولات عرض إلا القليل، وبقيّة الكتب معروضة على رفوفٍ تحيط بجدران القاعة الرئيسية أو على الأرض. كما أنّ الشبكة العربيّة هي التي حصلت على الكتب من دور النشر الأخرى، وبعض موظفي الشبكة هم الذين يعملون على عرضها وبيعها، وهم ثلاثةٌ أو أربعة فقط ولا تكاد تلحظهم. وقد أتيحت لي الفرصة للحديث حول هذا الأمر مع محمد سعيد، مدير المعرض ومدير الفروع في الشبكة العربية، فأخبرني بدايةً أنّه كان يفترض أن يعقد المعرض في آب/أغسطس الماضي، ولكنّ الظروف السياسيّة والأمنيّة في تركيا والتحضير للانتخابات المبكّرة حالت دون الحصول على قاعة كبيرة مناسبة لمعرض بهذا الحجم من بلديّة إسطنبول فانتهى الأمر إلى هذه القاعة الصغيرة، والتي ضاقت على الرغم من جمالها وقدم بنائها بعدد الزوّار الكبير، وذلك لتجنّب مزيد من التكاليف. 

وعند سؤاله عن سبب هذا الإقبال الكبير أجاب محمّد بأنّ هناك داعيًا عاطفيًّا يدعو أولئك العرب المقيمين في إسطنبول والذين تركوا بلادهم لأسباب أمنيّة وسياسيّة إلى البحث عن الكتاب العربيّ. فالمعرض يقدّم خمسة آلاف عنوان من خمسين دار نشر عربية وهو موجّه للعدد الكبير والمتزايد من الشباب المثقفين والفاعلين في الحراك الإعلامي والسياسيّ من سورية ومصر واليمن وليبيا والعراق وفلسطين والسودان وغيرها من الدول العربية الذين اتخذوا إسطنبول مقامًا لهم، كرهًا أو طوعًا، وذلك لما يتوفّر في هذه الدولة من هامشٍ أوسع للعمل والحراك، خاصّة أنّ هذه الفئة من الشباب تتوق لشراء ما يروي عطشهم للكتاب العربيّ وهم في هذه المدينة. 

وقد يتنبّه الزائر للمعرض إلى غياب كتب العلوم الشرعيّة من تفسير وحديث وفقه وسير وغير ذلك، وهذا ما انتقدته شريحة واسعة من الزوّار الأتراك الذين يهتمّون بهذا النّوع من الكتب، خاصة من طلاب كليّات الإلهيّات التي تزيد عن مائة كليّة في تركيا ومعظمها تقدّم دروسًا باللغة العربيّة. ففي حديث لـ"ألترا صوت" مع عبد الصمد ألتِن، وهو طالب تركيّ يدرس الإلهيات في إسطنبول، قال إنّه لم يجد ضالّته من الكتب التي يهتمّ بها، وقد سمعت هذه الملاحظة من عدد غير قليلٍ من الطلاب والطالبات الأتراك أثناء تواجدي هناك وحديثي إليهم. 

في "معرض الكتاب العربي الأوّل في إسطنبول"، غابت كتب الفقه والعلوم الشرعية وكتب الأطفال

كما غابت عن المعرض كتب الأطفال، وكان ذلك نقصًا أساسيًّا فيه خيّب الكثير من الزوّار، العرب والأتراك، الذين أتوا مع أطفالهم بحثًا عن كتب تعليمية وقصص للناشئة والأطفال لتشجيعهم على القراءة باللغة العربيّة وسدّ الفراغ الحاصل لديهم بسبب ابتعادهم عن بيئات التعلّم العربيّة في المدارس التركية ولكنّهم أيضًا لم يجدوا ما جاؤوا من أجله. 

والتقيت في المعرض بالدكتور برهان كوروغلو، وهو أستاذ للفلسفة الإسلامية في جامعة باهتشه شهير في إسطنبول، فأثنى على المبادرة وأكّد على أهمّيتها. وتحدّث الدكتور برهان لـ"ألترا صوت" عن الازدياد الكبير في عدد المهتمّين بالدراسات العربيّة في تركيا، وأهمّية معرض كهذا للاطلاع على آخر المؤلفات العربيّة، بالإضافة إلى ضرورة مثل هذه الفعاليات كوسائل للقاء والتفاعل بين العرب والأتراك على الصعيد الثقافيّ، بدلا من انحصارها في الجانب السياسي والإنسانيّ. كما ذكر الدكتور برهان أنّ في مثل هذه الفعاليات دلالة على أنّ إسطنبول تعود إلى سابق مجدها كحاضنة للثقافات المختلفة من الغرب والشرق، وأنّ هذا الانفتاح على الثقافة العربيّة من شأنه كذلك أن يشجّع حركة الترجمة والتي اشتكى من ضعفها بين اللغتين التركية والعربيّة، خاصّة فيما ينقل إلى العربيّة من أعمال فكرية وفلسفيّة باللغة التركيّة. 

يصاحب المعرضَ برنامج ثقافيّ من عدد من المحاضرات تقدّمها بعض الأسماء المهمّة في الساحة الفكرية والإعلامية العربيّة، وكانت البداية مع محاضرة لـ "هبة رؤوف عزّت" من مصر، وثمّة محاضرات أخرى لـ "محمّد مختار الشنقيطي" عن كتابه الأخير حول أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية، و "جمال خاشقجي" و"أيمن نور" عن الأوضاع الراهنة في مصر، بالإضافة إلى أسماء أخرى منها "سيف الدين عبد الفتاح" و"برهان غليون" و"أبو يعرب المرزوقي" و"ياسين الحاج صالح "وغيرهم. 

ما يزال من المبكّر الحديث عن مدى نجاح هذا المعرض في أيامه الأولى من انطلاقه، ولكنّه بلا شكّ نقطة تحسب للشبكة العربيّة التي رعت هذه الفعالية ودورِ النشر العربيّة التي تعاونت معها، كما أنّ نجاحه لو تحقق سيحسب للجالية العربيّة في إسطنبول، التي ورغم كل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، من لجوء وشتات وغياب للاستقرار، لا تزال تجد في الكتابِ فسحة من أملٍ وطريقًا للتغيير.

اقرأ/ي أيضًا:

عن مكتبات تركيا

الجبناء والتاريخ.. نظرات حول الحروب ودوافعها