في أوقات الأزمات.. هل تصبح قراءة الشعر وكتابته ضرورة أم رفاهية؟
8 نوفمبر 2025
المقالة التالية ترجمة لمقالة "Why reading and writing poems shouldn’t be considered a luxury in troubling times" المنشورة على منصة The Conversation.
__________________________
طرحت الشاعرة الأمريكية أدريان ريتش ذات مرة سؤالًا مهمًا: "ما معنى أن نقول إن الشاعر مسؤول ومُتجاوب مع ما يحدث حوله؟" ذلك التساؤل المُتعلق بدور الشاعر كشاهد على عصره وضمير لمجتمعه، ظل يشغل تفكيري لسنوات طويلة.
خاصة أن وعيي السياسي قد تشكل ببطء شديد. فكوني شاعرة ناشئة من الطبقة المتوسطة، نشأتُ في بلدة كارّيك أون شانون بمقاطعة ليتريم في أيرلندا خلال ثمانينات القرن الماضي، كنتُ أتابع الأخبار كل ليلة مذهولة من دوي انفجار جديد على مقربة من الحدود مع أيرلندا الشمالية.
كانت قصائد ويليام ووردزورث، وييتس، وإيميلي ديكنسون - المرأة الوحيدة في منهجنا الدراسي - غذائي الروحي آنذاك. وفي سنوات مراهقتي، تأثرت بشدة بمأساة آن لوفيت، التي توفيت عام 1984 أثناء الولادة أمام تمثال العذراء مريم في بلدة غرنارد بمقاطعة لونغفورد. أشعلت تلك القصة بدايات وعيي النسوي وغضبي من الطريقة التي كانت تُعامَل بها الأمهات غير المتزوجات من قِبل الكنيسة والمجتمع.
وفي سنتي الأخيرة في المدرسة الثانوية، بينما كنت أستعد للحصول على شهادة التخرج، ظهر أمل جديد في الأفق مع تولي ماري روبنسون رئاسة جمهورية أيرلندا عام 1990، واستشهادها في حفل تنصيبها بشعر إيفان بولاند.
حينها بدأت أكتشف أصواتًا جديدة مثل بولاند وإيثني سترونغ ولاحقًا باولا ميهان، وكنّ جميعًا يتحدين الوضع القائم، ويعبّرن بصدق عن التجربة الأنثوية.
وعندما نشرت ديواني الأول بعنوان "No Vague Utopia" عام 2003، كانت القصائد لا تزال مدفوعة بالعناصر الموسيقية واللغوية أكثر من ضميري الاجتماعي. فكان من الصعب التخلص من عادات المرأة الأيرلندية المبتسمة دومًا، والملتزمة بتوقعات المجتمع، خصوصًا في ظل هيمنة الأدب الإيرلندي الذكوري.
ومع مرور الوقت واكتساب خبرات الحياة، اكتسبت منظورًا أعمق وجرأة شعرية أكبر. فمجموعتي الشعرية الأخيرة "Conditional Perfect" التي نُشرت عام (2019) تُظهر نطاقًا أوسع من المشاعر يشمل الغضب من القمع بأشكاله المتعددة.
لعب الشعر دورًا محوريًا في الحركات الاجتماعية الكبرى من حركة السلام، والحقوق المدنية، وحركة النساء، وحملات التحرر، وصولًا إلى النضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا
ورغم أنني لم أرَ نفسي شاعرة سياسية، فإنني اليوم أكثر إدراكًا لمسؤوليتي تجاه القضايا المُلِحة لعصرنا. لقد أدركتُ أن الشعر يمكن أن يكون حقًا "شريان الحياة للتمرد والثورة وإيقاظ الوعي" كما قالت الكاتبة أليس ووكر.
الشعر كأداة للتغيير الاجتماعي
لقد لعب الشعر دورًا محوريًا في الحركات الاجتماعية الكبرى من حركة السلام، والحقوق المدنية، وحركة النساء، وحملات التحرر، وصولًا إلى النضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
في عالم مليء بالظلم، أصبحت قراءة وكتابة شعر يتفاعل مع الواقع الاجتماعي والظلم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالشعر كما قالت أودري لورد: "ضرورة حيوية لوجودنا، فهو يشكل الضوء الذي يُمكِّننا من بناء آمالنا وأحلامنا نحو الصمود والتغيير".
وفي عصر تحكمه وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لا أهمية للدقة والعمق، حان الوقت للتفكير في قدرة الشعر على احتضان البُعد السياسي، دون أن يقع في فخ البلاغة الجوفاء.
خلال ثورات الربيع العربي عام 2010، عبّرت قصيدة أبو القاسم الشابي "إرادة الحياة" عن مشاعر المتظاهرين في تونس خلال نضالهم من أجل الديمقراطية والتغيير.
وفي أفغانستان، تستخدم النساء قوة الـ "landay"، وهو شكل شعري مكون من بيتين، كوسيلة مقاومة ضد طالبان، التي ترى في مجرد تأليف أو مشاركة هذه الأبيات تهديدًا.
تُظهر الأبيات التالية القدرة الفريدة لهذه القصائد على التأثير والإيجاز:
"حين تجتمع الأخوات، يثنين دائمًا على إخوتهن
وحين يجتمع الإخوة، يبيعون أخواتهم للآخرين".
وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي، دعتنا القصيدة التنبؤية الحزينة التي كتبها الأكاديمي الفلسطيني رفعت العرعير – الذي استُهدف لاحقًا وقُتل بقصف إسرائيلي – كمواطنين عالميين، إلى أن نشهد ونتحدث عن الفظائع التي تحدث في غزة:
"إذا كان لا بد أن أموت
فلا بد أن تعيش أنت
لتروي حكايتي".
كتابة الشعر السياسي
إذا أردنا أن نُضفي على قصائدنا قوة أكبر، وأن نتخذ مواقف أكثر وضوحًا وصلابة، فكيف يمكننا اكتساب الثقة للتعامل مع هذه القضايا بمسؤولية؟ وما المهارات التي يحتاجها الكتّاب لكي يستطيعوا التعبير عن آرائهم دون الوقوع في فخ الوعظ المباشر أو التبسيط المُخِل؟
الحقيقة هي أن القصائد الناجحة تُثير التعاطف في القارئ وتفتح أمامه آفاقًا غير محدودة. والأهم أنها تجعلنا نشعر، بدلًا من أن تُلقننا دروسًا، وتذكّرنا بإنسانيتنا المشتركة وباتصالنا العميق بالعالم. فكما تقول الشاعرة الأمريكية جوي هارجو:
"تَذَكّر النباتات، والأشجار، والحيوانات، فلكل منها قبائلها، وعائلاتها، وتاريخها أيضًا. التفت إليهم، واستمع إليهم، فَهُم قصائد حيّة".







