في أننا مخيّرون بين هاويتين

في أننا مخيّرون بين هاويتين

كاريكاتير لـ بيت كرينر/ أستراليا

يبذل ناشطو اليسار واليمين الاجتماعيين في الولايات المتحدة الأمريكية، جهودًا مضنية في محاولاتهم إعادة السلطة على المعيش اليومي، إلى أجهزة أقل تجريدًا وبيروقراطية من تلك التي تتحكم بيوميات الناس في البلاد. لا سبب يدعوني لتفضيل اليساري على اليميني في هذا المقام والعكس صحيح. إنما، مع ذلك، يجدر بي فحص هذين الاتجاهين لتقدير أي غدٍ ينتظرون.

لم تؤد تجربة فتح البلاد أمام الاستثمار الأجنبي في لبنان، إلى استقبال رساميل فعلية وبناء مؤسسات معولمة تمكنه من تجاوز أزماته

على أي حال، فإن وجود المشكلة التي يحاولون معالجتها معًا، كلٌّ من جهته، تعني أن احتمالات تحقيقها بعضَ النجاح قائمة. لكن المبالغة في دور الشعوب والجماعات في تقرير مصائرها، والتي يزخر بها عالمنا العربي على نحوٍ فظيع، يجب أن يحاكم بقسوة على نحوٍ ما، لأن أقل ما يقال فيه إنه مضلل وموهم، وسرعان ما يصيب الشعوب المطالبة بتقرير مصيرها بالإحباط الشامل، فضلًا عن أن تصويب السهام إلى جهة خاطئة، غالبًا ما يترك أثرًا سلبيًا على مستوى معيشة الناس وقدرتها على الصمود، في عالمٍ تتزايد متطلباته وشروطه التي يفرضها للسماح لنا بالعيش فيه يومًا بعد يوم.

اقرأ/ي أيضًا: الحياة القديمة مفتاح الحياة الجديدة

اليساريون الاجتماعيون يريدون تحسين أوضاع الفئات الأفقر في المدن الكبرى. في وعيهم، أو ربما في لاوعيهم، يعتقدون، والأرجح أنهم محقون في اعتقادهم، أن هذه المدن الكبرى هي التي تمسك بأعنة المجتمع والدولة، وأن انهيارها أو الانصراف عنها، وطنيًا وعالميًا، قد يؤدي إلى انهيارٍ شاملٍ في الدولة التي تحتضنها، حتى لو كانت هذه الدولة هي الولايات المتحدة نفسها.

في المقابل، يرى اليمينيون الاجتماعيون أنه من الأفضل أن نقنن عمليات الهجرة إلى المدن الكبرى من الأرياف والحواضر الصغيرة والمتوسطة، وأن نعين الناس في تلك المناطق على الصمود من خلال اعتماد اقتصاد تكافلي تضامني، يمكّن هؤلاء من البقاء في تلك المناطق وتجنب الهجرات الكثيفة إلى المدن.

ويصطدم منظور هؤلاء بواقع أن الشركات الكبرى والرائدة، والتي تجر قاطرة الاقتصاد العام خلف عربتها القائدة، لا تستطيع أن تتموضع في قرى وحواضر صغيرة. بل وحتى لو تموضعت في تلك المناطق، فإن من شأن تموضعها أن يحوّل هذه الحواضر إلى مدن كبرى ومكتظة بالغرباء، الذين سيشكلون نسيجها الاجتماعي المتغيّر تغيرًا شاملًا عن النسيج السابق الذي كانت تقوم عليه هذه الحواضر.

من جهتهم، يعتقد اليساريون الاجتماعيون أن مساعدة ساكني المدن الأكثر فقرًا على تشكيل مجالس لتنظيم الاجتماع، سواء منه المرتجل والمصنوع على عجل في هذه المناطق، أو الاجتماع الأهلي الراسخ القدم، قد يسمح لقاطني هذه المناطق بتحسين ظروف عيشهم، ويمكنّهم من دخول العالم المعاصر الذي يزداد بعدًا عن متناولهم يومًا بعد يوم.

والأرجح أن كلا الجانبين يعملان في وقت الشركات الكبرى الضائع. بمعنى ما، فإن تحسين شروط الإقامة في قرية صغيرة قد يؤدي، عاجلًا أو آجلًا، إلى لجوء شركات كبرى إليها، ما يعني أن السكان الأصليين في هذه الحالة سيجدون أنفسهم بلا سلطة أو موارد تكفي للتعامل مع المستجدات.

وعلى النحو نفسه، فإن توفير فرص ارتقاء لأبناء المناطق الفقيرة في المدن الكبرى، سيؤدي حكمًا إلى هجرة هؤلاء الذين ارتقوا بأوضاعهم من المناطق الأشد فقرًا، إلى المناطق التي تقع برمتها تحت حد القانون. والمحصلة، مثلما هو واضح في تجارب عديدة على مر العقود السابقة: تفاقم الفقر والعوز في المناطق الأفقر، كنتيجة مباشرة لهجرة القادرين اقتصاديًا وثقافيًا منها إلى الوسط المديني المضاء.

هذا التلخيص السريع للمعضلات التي يواجهها الناشطون الاجتماعيون في الولايات المتحدة، تلخص بلا أدنى تعديل أوضاع بلادنا وأزماتها المزمنة. ثمة الذين يتمكنون من حيازة الشروط اللازمة للدخول إلى العالم المعاصر، لغويًا وثقافيًا وماليًا، ويسعون كل جهدهم للجوء أو الهجرة إلى بلاد أكثر تقدمًا على السلم المفضي إلى شمس المعاصرة وضوئها.

وثمة آخرون يطمحون لتكوين بيئة مناسبة لاستثمار الشركات الكبرى، تتيح لسكان المناطق والبلاد التي يعتنون بهمومها، العمل في مصانع ومؤسسات هذه الشركات الباحثة عن أيدٍ عاملة رخيصة تنتج لها سلعًا عالية الجودة والتقانة، لتسويقها في أماكن أخرى في معظم الأحيان.

وبين الحالين، ثمة اختلافٌ كبير بين هاتين الفئتين في التناول السياسي للمعضلات وطرق حلولها. فالراغبون في الهجرة قد يملكون فرصًا أكبر لتحقيق رغبتهم إذا كانت البلاد التي يعيشون فيها تخضع لأنظمة دكتاتورية، أو أنظمة وطنية قومية معادية للاستعمار، والاستعمار بالمناسبة أصبح موضة قديمة لم يعد النقاش فيها مجديًا لأحد، وتاليًا فإن فرصة هؤلاء تكون أكبر كلما كانت البلاد التي يتحدرون منها تقترب من الحضيض، أو باتت في الحضيض فعلًا.

الفئة الثانية تقترح أن تُفتح البلاد أمام الاستثمار الأجنبي، واستغلال المهارات الرخيصة في هذه البلاد لتأمين نوع من الاستقرار في مصادر الدخل العام، يمكّن البلاد من تحقيق نمو مستدام، كما هي حال الصين مثلًا، ويجعل الأمل بالمستقبل ممكنًا ومنظورًا إليه.

أقل ما يقال في المبالغة في دور الشعوب والجماعات في تقرير مصائرها، أنه مضلل وموهم ويصيب تلك الشعوب بالإحباط الشامل

الذين وصلوا في القراءة إلى هذه المرحلة، يستطيعون على الأرجح تصنيف بلادهم في أي فئة تقع. لكن اللبنانيين منهم يعرفون جيدًا أنهم جربوا الهاويتين معًا. وأن التجربة في المرتين لم تنتج أكثر من سخطٍ عمومي يقترب من الفوضى، حيث لم تؤد تجربة فتح البلاد أمام الاستثمار الأجنبي في التسعينيات، إلى استقبال رساميل فعلية وبناء مؤسسات معولمة تمكّن لبنان من تجاوز أزمة مزمنة، واستمر الاقتصاد الوطني يعمل على مبدأ صناعة الأقفاص على أمل أن تأتي العصافير إليها.

اقرأ/ي أيضًا: كيف ننجو هذه المرة؟!

والمرحلة الثانية التي تم افتتاحها عمليًا بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2005، لم تنتج اقتصادًا محليًا يمكّن أهل هذا البلد من تحقيق مستوى مستقر من الإنتاج، ما أدى في نهاية المطاف إلى انهيار البلاد تحت تأثير السياستين معًا وجميعًا في آن.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لن يبيعوا العراق

السلطة في مكان آخر