في أربعينه: رسالة إلى طارد الضباع حمزة عقرباوي
10 فبراير 2026
عزيزي طارد الضباع عن حيّنا، حمزة عقرباوي
صباح الخير من الشارع الذي أراك فيه دومًا، الشارع المنحدر الذي يبدأ من مطعم الناصرة وينتهي قرب زاوية مطعم كنانة.
أنا صاعد وأنت هابط.
من بعيد نتبادل الابتسامات يا حمزة.
وحين نقترب نضحك كثيرًا. أسألك عن البنات، وتسألني عن الضباع.
"صادفتَ ضباعًا في الأنحاء؟" تسألني، ونضحك نضحك ونذوب معًا في المجاز.
نعم، رأيتُ اثنين كانا ورائي واختفيا.
"ولماذا لم تطاردهما يا زياد؟"
كنتُ سأفعل، لكني حين رأيتك من بعيد عرفتُ أنك الأصلح لذلك، ففي داخلك الأداة، وفي عينيك المعرفة.
تجيب: كل فلسطيني لديه القدرة والأداة، يحتاج فقط إلى الإيمان.
نخرج من المجاز مبللين بالضحك الحزين.
وتحكي لي عن مسار مشي ستذهب إليه بعد قليل، وأحكي لك عن قصة جنّنت قلبي، عاجز عن كتابتها، عن معبودك ومعبودي خليل السكاكيني. فتصرخ في الشارع: يا لعظمة الحبيب أبو سري!
هل تذكر يا حمزة حين تعرّفتُ عليك في مكتبة، كنتَ فيها تتحدث بحميمية عن خليل السكاكيني؟ استمعتُ إليك بكل ورد قلبي، بينما كان الأصدقاء الآخرون يتفقدون رفوف الكتب ويهزّون رؤوسهم كأنهم يسمعونك. وحين حدّثتك أنا عنه، ذُهلتَ أنت كما ذُهلتُ أنا.
أنت الوحيد الذي سمعني.
وأنت أيضًا الوحيد الذي سمعني.
اتفقنا أن عشّاق ومدمني دروس السكاكيني قلائل جدًا.
الوحيد الذي لم يملّ من حديثي عنه أنت.
وأنت أيضًا الوحيد الذي لم يملّ من حديثي عنه.
خرجنا أصدقاء، واتفقنا أن نحوّل حياة خليل إلى مسرح وأدب.
عزيزي طارد الضباع، يا أجمل الناس.
لا أصدق أنك الآن تحت الأرض، عاجزًا عن الكلام، وعن الضحك، وعن رواية قصة، وعن مطاردة ضبع، وعن شرح مثل شعبي، وعن الحديث الطويل عن مشروعك الوطني الثقافي الزراعي بين جوريش وعقربا. كدتُ أصرخ على دافنيك أن يتوقفوا عن دفنك: يا جماعة، معقول؟ توقفوا، توقفوا. انزعجتُ من الجرافة وهي تدفنك يا حمزة. الجرافة، في الوعي الفلسطيني المعذّب، هي جسم متوحش يدفن أحلامنا ويهدم بيوتنا ويخرّب شوارعنا. كان يجب، على الأقل، أن تقوم فراشات الحقول بحملك على أجنحتها، مثل ملك للحكاية وأمير للغة، ثم تضعك برفق في الحفرة. الحفرة؟ يا الله، كم كنتَ نقيضًا للحفرة وصديقًا للغيوم!
ونحن عائدون من عقربا إلى رام الله، وأنت معنا بعد جنّة مسخّن فلسطيني هائل المعنى صنعته من قلب أمك العظيمة، أخذتنا يا حمزة في جولة.
السحر لم يكن في المعلومات وتاريخ الأمكنة، بل في طريقتك في قولها. كان جسدك يحكي، أما عيناك فكانتا تسيلان قرى وينابيع وطرقًا بلا سياج، بلا حرّاس.
كانت لغة فمك ولهجتك قادمتين من وجه فلسطين القديم، من أصل القول وقول الأصل. ذلك هو أنت؛ تلك هي روح الحكاية: في طريقة قولها، ليس فقط في قولها. نعم، طريقة القول أيضًا طريقة من طرق طرد الضبع يا حمزة. وأنت كنت ملك ابتكار الطرق لتحصين المعنى. خذنا إلى المعنى يا حبيب. أتدري ما الذي يخيفني؟ سوء حظ الأجيال الجديدة أنها لن تعرفك. بالتأكيد سيقرؤونك ويحبونك، لكن الذي جلس معك ورآك ولمسك، ليس كمن سمع عنك. هي نفس مخاوفك التي حدثتني عنها مرة: أن يموت الكبار، الشهود على الحكاية، ونصير نحن مجرد ناقلين لها.
منظومة متكاملة أنت يا حمزة: الصوت والصمت، والمعلومة، واليد التي تشير، والعينان اللتان تبرقان بالوعد والحقيقة والطريق. كنتُ أريدك أن تعيش ألف عام، ليكبر الأطفال على صوتك الفلّاح وهو يهزّ الجبال تذكيرًا بحقنا في الأرض والهواء. أريدهم أن يروا يدك وهي تشير إلى طريق السلط الذي كان يربط قريتك بالسلط، كما رأيتها أنا. كانت يدك الحارة المخلصة هي شرارة الحكاية، أما صوتك فكان ريحها. أتذكر؟ من الشرار والريح تبدأ حكايتك.
لن تعود يا حمزة، أعرف ونعرف، لكنك تركت خلفك كل ما نحتاجه لنحمي الحكاية من الملل ومن أنياب الضباع.
كنتَ ذكيًا يا حمزة وواسع الأفق.
كنتَ تحكي كثيرًا، وتكتب كثيرًا، وتشرح كثيرًا، وتضحك كثيرًا، وتسافر كثيرًا، وتمشي كثيرًا، وتزرع كثيرًا، لأنك كنت تعرف أننا سنحتاج من بعدك كل هذه الثروة والثورة في المعنى وفي الحياة.
صدقتَ يا حمزة: ستأكلنا الضباع إن لم نروِ الحكاية.
رحمك الله.