فيلم Whitney.. كيف يخون الوثائقي موضوعه؟

فيلم Whitney.. كيف يخون الوثائقي موضوعه؟

المغنية ويتني هيوستن

الفيلم الثاني الذي يتناول حياة المغنية ويتني هيوستن، يعطي الأولوية في سرده لمرحلة سقوط المغنية، وفي الوقت نفسه تراه يستبعد تناول موهبتها وملكاتها بشكل يبعث على الإحباط. المقال المترجم الآتي، الذي كتبه الناقد البريطاني غاي لوج، يشرّح هذا الفيلم.


يبدو واضحًا من عنوان الفيلم الذي حمل اسمًا مسيحيًا صريحًا، وكذلك المواد التسويقية اللافتة للنظر والواضحة، وصولًا إلى الهالة العامة من المكانة المهيبة التي أحاطت بالمشروع بأكمله، يبدو واضحًا النموذج الذي اعتمده صانعو وموزعو الفيلم الغنائي الوثائقي الجديد "ويتني-Whitney": فهم أرادوا صناعة فيلم آخر مشابه للفيلم الوثائقي البريطاني "إيمي" الذي تناول السيرة الذاتية للمغنية وكاتبة الأغاني إيمي واينهاوس. ولمَ لا؟ فقد حاز الفيلم الوثائقي للمخرج البريطاني أسيف كاباديا الذي صدر عام 2015، ورثا فيه نجمة موسيقى السول البريطانية الراحلة إيمي واينهاوس على استحسان النقاد، وحصل على جائزة أوسكار وحقق إيرادات تُقدر بأكثر من 16 مليون جنيه استرليني في جميع أنحاء العالم، ليصبح الفيلم الوثائقي الأعلى ربحًا في تاريخ المملكة المتحدة على الإطلاق.

وضع فيلم "إيمي" معاييرَ جديدة للأفلام الوثائقية التي تتناول السيرة الذاتية المأساوية للأشخاص البارزين في عالم الفن

وبذلك، فقد وضع الفيلم معاييرَ جديدة في صناعة مجموعة فرعية من الأفلام الوثائقية التي تتناول السيرة الذاتية المأساوية للأشخاص البارزين في عالم الفن؛ يأتي ذلك في أعقاب بعض الأفلام الوثائقية التي حققت إيرادات كبيرة في شباك التذاكر وحصلت على جوائز أوسكار مثل فيلم "البحث عن رجل السكر - Search for Sugar Man"و فيلم "20  قدم من النجومية - 20 Feet From Stardom"، علاوة على ذلك، فقد أكد نجاح الفيلم على صعود موسيقى البوب ​​الشهيرة باعتبارها نهجًا عاطفيًا جادًا في إنتاج الأفلام الوثائقية بدلًا من مجرد كونها خدمة مبالغ فيها للمعجبين.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "حنا آرندت"..سيرة فيلسوفة لم ترض عنها "إسرائيل"

دفعت صدمة المعجبين من وفاة واينهاوس المبكرة عام 2011 بالتأكيد الجمهور إلى مشاهدة فيلم إيمي، فقد توافدوا لمشاهدته كنوع من التجربة العلاجية، إلا أن فيلم المخرج كاباديا وصل إلى أبعد من ذلك: فقد روّج الفيلم لنفسه بخبرة وببراعة بوصفه نوع من المأساة الواقعية التي تناولتها وسائل الإعلام بالنقد في عصرنا الحديث، والتي ساهمت في خلق تعليقات حماسية حتى بين المشاهدين (على سبيل المثال، كبار المعلقين في أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة - Motion Picture Academy) الذين لم يشتروا أبدًا نسخة من ألبوم "باك تو بلاك - Back to Black".

يهدف فيلم ويتني إلى تحقيق مزيج من النجاح والانتشار والتأثير المشابه، من خلال أحداثه التي تتناول دراسة قوية وغاضبة مستوحاة من حياة ووفاة مغنية البوب وموسيقى ريذم أند بلوز، ويتني هيوستن التي تصدرت ألبوماتها أفضل المبيعات، على الرغم من أنه من الصعب عدم التساؤل عمّا إذا كان المعجبون بها سيشعرون بأنهم تعرضوا للخداع أكثر من المشاهدين المحايدين. عُرض فيلم المخرج كيفين بي ماكدونالد لأول مرة، مثل فيلم أيمي، في صدارة مهرجان كان السينمائي الدولي، ما برح الفيلم يدّعي ويتشدق بموهبة هيوستون المليئة بالمغامرات والنجاحات الكبيرة، ولكن سيصعب عليك أن تصفه بأنه كان احتفالًا بمعنى الكلمة: إذ ركزت أحداث الفيلم في المقام الأول على تتبع انهيارها، والكشف عن الصدمة الكامنة في جذور هذا الانهيار. تصدرت عبارة "القصة غير المروية - تكشف لأول مرة"، الملصق الترويجي البريطاني لفيلم ويتني، وإذا كان الفيلم أكثر تعمقًا من هذا التباهي الشبيه بطريقة ترويج الصحف الصفراء الذي تنطوي عليه تلك العبارة، فقد انغمس في تناول الأحداث من جوانب كئيبة حادت به عن موضوعه المتألق الفريد.

وبطبيعة الحال، لا تُعد عبارة "لأول مرة" الجريئة سوى مجرد سخرية من فيلم وثائقي معين آخر تناول قصة حياة ويتني هيوستن المأساوية من إخراج أحد صانعي الأفلام البريطانيين الكبار. عُرض فيلم المخرج نيك برومفيلد، "ويتني: هل يمكنني أن أكون أنا -Whitney: Can I Be Me" في العام الماضي فقط، بدايةً لم يتلقى الفيلم ضجة إعلامية كبيرة على البساط الأحمر، في قصر المهرجانات في شارع لاكروازيت Croisette الشهير على سواحل خليج مدينة كان. ولم يحدث الكثير من الأثر من الناحية التجارية، وعرض على التلفزيون بعد فترة وجيزة من عرضه في السينمات المعنية بالأفلام الوثائقية في المملكة المتحدة بينما عُرض مباشرةً على القنوات الخاصة في الولايات المتحدة. يُعد فيلم المخرج برومفيلد أصغر وأقل بريقًا من فيلم المخرج ماكدونالدز، كما عانى الفيلم من ندرة معينة في المتحدثين الرئيسين الموثوقين مثل: عائلة هيوستون، وأقرب المقربين إليها وزوجها السابق بوبي براون، وجميعهم ​​ظهروا فقط في فيلم ماكدونالد، مما أدى إلى إعطائه أجواء السيرة الذاتية، على الرغم من أن ذلك لم يكن مثيرًا للإعجاب بصورة خاصة.

 استند فيلم "Can I Be Me" في بنائه الدرامي للقصة على الجدل المتعلق بحياة هيوستن الجنسية

تغطي أحداث الفيلمين جزءًا كبيرًا من نفس المنطقة القاتمة التي تناولت الزواج السيء وتعاطي المخدرات، مع وجود تباينات مختلفة قليلًا. فقد استند فيلم "Can I Be Me" في بنائه الدرامي للقصة على اهتمامه الكبير حول المسألة المثيرة للجدل المتعلقة بحياة هيوستن الجنسية، وأغلبها يتعلق بانهيارها الشخصي وإصابتها بالإحباط نتيجة علاقتها المثلية المزعومة مع أفضل صديقتها روبين كروفورد، التي آثرت الابتعاد عن الأضواء في كلا الفيلمين بشكل واضح. بينما يتطرق فيلم ويتني إلى: رهاب المثلية المفترض ضمنيًا داخل عائلة هيوستن الواضح خلال مقاطع المقابلات الخاصة معهم، ولكن يبدو أن الفكرة الجوهرية في الفيلم تعتمد أكثر على السعي إلى إبراز تلك المعلومات الحصرية التي أُستشهد بها كثيرًا في الفيلم: والتي تتمثل في الادعاء، من قبل الأشخاص الرئيسيين الذين تمت مقابلتهم، أن هيوستن تعرضت لاعتداء جنسي في طفولتها من قبل ابنة عمها دي دي وارويك، الشقيقة الراحلة للمغنية ديون.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Big Eyes".. حينما تهيمن الذكورية على إبداعات المرأة

إذا كان هذا صحيحًا، سيكون جزءًا من قصة خيالية مثيرة، مما سيسلط الأضواء أكثر على اختيار إظهار دور شياطين هيوستن في الفيلم الوثائقي وبشكل أكثر إزعاجًا. ستكون بمثابة قنبلة قد تؤدي لتقزيم ما تبقى من فيلم ماكدونالد المُجمع بشكل كبير، لكنه لا يكشف الكثير، على الرغم من نجاحه في التقديم لفيلم برومفيلد، لكن الدراسة الأكثر إثارة وتساؤلًا سيكون قد عفا عليها الزمن بشكلٍ ما.

ولكن ما مدى استفادة هيوستن نفسها من خلال هذه الاستفسارات المتنافسة في كشف أسرارها الدفينة؟ فقد فات الفلمين أن التشريح المشترك لجثث المشاهير لا يُقدم تقديرًا مناسبًا للمرأة بصفتها فنانة - فهي أحد الأشخاص الذين ربطوا بين الأشكال السوداء والبيضاء للموسيقى الشعبية وبين الموسيقى الرائجة، إذ كان لها تأثيرًا استقطابيًا أحيانًا في عهد ريجان، وقد أثر أسلوبها الصوتي المذهل والمبهر في جميع المعاصرين مثل ماريا كاري وحتى الأيقونات القادمة من الجيل التالي مثل بيونسيه، والتي كان دخولها إلى مجال التمثيل السينمائي لفترة وجيزة  في تسعينات القرن العشرين واعدًا بإمكانية أن تفرض نفسها وتصبح أكبر نجوم عصرها تألقًا وشمولية.

لم يحدث ذلك محض صدفة وضربة حظ: بل من خلال إيجاد عالم كامل من الموسيقى الرائعة، والعمل المضني والمهارة الموسيقية، من جانب هيوستن نفسها وأيضًا جنودها من المتعاونين معها، فقد نجحوا في جميع النواحي وحصلوا على جوائز البوب الأربعة على I Wanna Dance With Somebody وI Will Always Love You، ومع ذلك فقد حُرّفت مسيرتها المهنية -غالبًا بواسطة المونتاج- من قبل برومفيلد وماكدونالد على حدٍ سواء. إذ يركز القسم الأكثر روعة في فيلم ويتني على إعادة ترتيبها الجريء والمهم اجتماعيًا للنشيد الأميركي "الراية الموشحة بالنجوم" لحدث رياضي كبير وإيضاح تأثيره الثقافي، ولكن كان ذلك جزءًا صغيرًا من فيلم لا يُظهِر -بكل تأكيد- نسبة إلى الفيلم الوثائقي مارلي عن حياة المغني بوب مارلي من انتاج ماكدونالد، كل ما استُثمِر في الموسيقى الخاصة بالفيلم.

لتدرك ذلك، عليك التفكير مرة أخرى في فيلم إيمي، وهو عمل أُنتج بشكل جميل ويؤثر بعمق في الكثير من النواحي، وتذكُر كيف كان صوت بطلته نفسه مَطْمورًا بعض الشيء في هذا المزيج. إن المأساة تحقق مبيعات جيدة بالطبع - في حالة المطربة واينهاوس، فلا يمكن إلا بالكاد الفصل بين مأساتها وبين موسيقاها حتى عندما كانت على قيد الحياة، حيث غنت بصدق وبصورة ذاتية عن الإدمان والانهيار العاطفي بطريقة لم تسمح بها مسيرة هيوستن في موسيقى البوب.

 ينبغي أن تُرى حياة ويتني هيوستن الرائعة والبائسة بمقادير متساوية من جميع الزوايا

لكن الموهبة تحقق مبيعات جيدة أيضًا. إذ إن أكثر فيلمين وثائقيين موسيقيين حصولًا على الجوائز في السنوات الأخيرة كانا فلمي المخرج سبايك لي تقديرًا لمسيرة مايكل جاكسون الفنية. أدى فيلم Bad 25 وMichael Jackson's Journey from Motown to Off the Wall إلى تحليل الإلهام الموسيقي والمهارة الحرفية والتجارية التي شكلت نجوميته في مراحل مختلفة من حياته المهنية، كما وضعت المواد الوافرة لحياته الخاصة الغريبة وغير السعيدة بجانبها أيضًا. يشبه الفيلم ملاحظات جانبية لمعجبين بالفنان، لذا فهذه الأفلام خدمة للمعجبين بأفضل معنى لهذا المصطلح. هناك بالتأكيد عدة أفلام وثائقية ستُنتَج عن سقوط جاكسون الشخصي الاستثنائي، لكن لي، بصفته صانع أفلام ومُحبًا، استشعر بشكل صحيح أن نجوميته لن تحصل على عرض عادل في مثل هذه الدراسة.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم أماركورد (1973): هيّا نضحك على الفاشية

ربما يحصل نجوم البوب الذكور بشكل عام على المزيد من التعامل الوثائقي الجيد: بدءًا من الحكايات التي لا تعد ولا تحصى عن أسطورة مارلين مونرو، والميل إلى تصوير نظرائهم الإناث الأكثر سوءًا بمثابة ملائكة ساقطة، وكضحايا هشة لتسليط الأضواء عليهن. ينبغي أن تُرى حياة ويتني هيوستن الرائعة والبائسة بمقادير متساوية من جميع الزوايا، ولكن بعد إنتاج فيلمين يركزان على سقوطها بشكل أكثر بكثير من صعودها، فهي تستحق أن ينتج لها سبايك لي فيلمًا يظهرها على حقيقتها.

اقرأ/ي أيضًا:

جانغو: الحياة والموسيقى في زمن الحرب

لماذا لا يستحق وودي آلن المكانة التي نالها؟