فيلم Split.. عندما يكتمل التشظي

فيلم Split.. عندما يكتمل التشظي

لقطة من الفيلم

في العقد الأخير، أو قبل ذلك بأعوام قليلة، بدأت الشاشة الكبيرة تشهد عروضًا لأفلام تحاول الخروج عن المألوف في التعريفات العادية للأنواع Genres، فأفلام الكوميديا لم تعد كما كانت، وثيقة الارتباط بالرومانسية أو الحركة أو الرعب، أو معتمدةً على بناء درامي خالٍ من توازن الحبكة السردية، باتت الكوميديا أذكى وأكثر واقعية، معتمدة على البناء المنهجي للطُرفة، ليس بهدف الإضحاك فقط، وإنما بهدف تحدي عقل المشاهد لفهم المغزى الذي غالبًا ما يأتي مباشرًا، مباشرًا جدًا بحيث يبدو سيرياليًا ربما أكثر من اللازم.

ذلك النمط من تعديل النوع السينمائي، بلغ ذروته في أفلام إدجار رايت، وشاهدناه مؤخرًا في فيلم The Nice Guys بتقديمه لكوميديا واقعية وبناء درامي معقد، ليس بسيطًا جدًا بحيث يبدو ساذجًا، ولا هو معقد بحيث يقتل الطرافة في الأحداث.

فيلم "سبليت" معالجة متقنة لما صاره الإنسان في زمن السهولة والسيولة، في زمنِ الوصول إلى كل شيء، والبحث عن كل شيء

ولم يظهر هذا التحول حصرًا على الكوميديا فقط، بل حدث أيضًا في الأفلام الرومانسية والدرامية والموسيقية، ولعل أقل الأنواع تأثرًا به هي أفلام الحركة التي لا تزال تراوح منحى تطورها الكلاسيكي، مع استثناءاتٍ قليلة.

لكن، ما أريد الحديث عنه تحديدًا، هو تأثير ذلك الخروج عن المألوف على أفلام الرعب، تأثير قدم لنا بعد عقودٍ من صرير الأبواب والتشويق الذي ربما أصبح مملًاـ فيلم Get Out المتصدر لشباك التذاكر هذه الأيام، والذي ينال ثناءً كبيرًا واستحسانًا من النقاد، وقبله بأشهر قليلة قدمت لنا هذه الفسلفة السينمائية الحديثة، فيلم Split للمخرج أم. نايت شيامالان، وهو مدار حديثي اليوم.

اقرأ/ي أيضًا: 10 من أجمل أفلام "الثري دي" في العام 2017

"سبليت" ليس فيلم رعب وإثارة بالمعنى التقليدي، ليست أحداث تركيبية تهدف لبث الخوف في نفوس المشاهدين، وإنما هو دراما قبل ذلك، ولا ينحني ليلتقط مشعل الرعب الكلاسيكي إلَّا في صفحاتِه الأخيرة، مع ظهور شخصية "الوحش" التي اجتهد المخرج على تقديمها في إطار أبعد ما يكونُ عن تصور "الوحش" في مخيلتنا كمشاهدين، إن التركيب الدرامي للفيلم، وحبكته، وسرده، وتشكيل القصة فيه، تخرجه عن المألوف فعلا، وتصنع منه فيلمًا عن غير الرعب، فيلمًا عن الإنسان والحالة الإنسانية في تعريفها الفلسفي.

طبعا، لا يمكن الحديث عن Split دون الحديث عن المعالجة النفسية فيه، لكن بالنسبة لي، ليست تلك رسالة الفيلم الوحيدة، وإنما هناك رسالة أراها أعمق كثيرًا، رسالة عن حياتنا في هذا العصر، عصر التعقيد والإغراب وتشتت الإنسان في تفاصيل ما بعد الحداثة: عصر التشظي.

إن الفكرة التي يقدمها "سبليت" ليست سيكولوجية فقط، وإنما هي سوسيولوجية بالدرجة الأولى، عن الصراع الذاتي الذي يعيشه الإنسان في عالم اليوم، وصعوبة مواءمة ذاتِه "الواحدة" مع عشراتِ الوجوه والشخصيات والأشكال التي يجب أن يظهر بها.

إن ما وصفه كارل ماركس في نقده للرأسمالية بالإغراب أو التغريب Alienation منطبقًا على الأفراد كلٍ وحده، يتجسد أكثر وأوضح في معالجة شيامالان لمعضلة الانفصام، والأداء العبقري لجايمس ماكافوي، المنقسم إلى 24 شخصية، كل واحدة منها تريد الظهور تحت بقعة الضوء، تريد التحكم في جسد "كيفين" والخروج إلى الحياة بذاتٍ شخصية مختلفة.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "إيميلي": تفاصيل صغيرة في عالم خاص

فمصمم الأزياء يبحث عن نسيج لتصاميمه، والرجل الغاضب ذو النظارات يبحث عن ملء فراغه النفسي برقص المراهقات، والمرأة الناضجة تبحث عن فرصة لإثبات نفسها بهدوء، والفتى المعتل اللاثغُ في السين يريد أن يظهر ذكيًا، يريد أن يتحدى ما هو عليه، يريد ببساطة أن لا "يخدعه أحد"، أو بدقة أن "لا يظهر كالمخدوع"، ألسنا جميعًا في عصر التقعيد هذا، نريد أن نظهر أذكياء ومثقفين وعارفين، نريد لما نراه إبداعًا منا أن يراه الآخرون، نريد لنضجنا أن يعبّر عن نفسه، ونريد أيضًا لرغباتنا المكبوتة أن تتحقق، أليس ذلك تشظيًا وإغرابًا قبل أن يكون مجرد انفصام وانقسام؟

فيلم "سبليت" معالجة شائقة ومتقنة لما صاره الإنسان في زمنِ الآلة الذكية، في زمن السهولة والسيولة، في زمنِ الوصول إلى كل شيء، والبحث عن كل شيء. إنه ليس عن الحالة السيكولوجية فقط، بل عن سؤال الأخلاق والسياسة والاقتصاد، وحتى عن سؤال الجمال، المرسوم في تصاميم "باري".

"سبليت" ليس فيلم رعب وإثارة بالمعنى التقليدي، ليست أحداث تركيبية تهدف لبث الخوف في نفوس المشاهدين، وإنما هو دراما قبل ذلك

إنه حقيقة، ليس فيلم "رعب" وإنما فيلم تذكير بمدى الصعوبة البالغة التي وصلتها ظروف الحياة اليوم، فمهما كانت أسهل ماديًا، فهي لا تزداد إلا غرابة وصعوبة من الناحية المعنوية، تقسم وتفتت الذات على الطموح والرغبة والهوية، وتعيد تشكيل الإنسان من كل ذلك، بما يشبه "الوحش" الغاضب، الذي يريد كل شيء لنفسه.

يكتمل التشظي عن يتآلف ذلك الإنسان المُغرّب مع واقع أنه لم يعد ذاتًا فردية، أحادية، آلية الوجود، عندما يدرك أن حياته تكاد تكون مستحيلة، إذا أصر على النظر إلى نفسه كنفس واحدة، دونَ ملاحظة أن الكسور في التي يراها في المرآة، ليس في المرآة حقيقة، وإنما في الرؤية نفسها، إن ما يراه هو الحقيقة: أشخاصًا كثر يعيشون بداخله، ويقتاتون على وجوده الفيزيائي ليثبتوا وجوده الميتافيزيائي، كل ذلك في جسد واحد، وبروح واحدة. "سبليت" فيلم عنا، عندما ننظر إلى أبعد ما يمكن، فلا نرى إلا صورنا وذواتنا وهوياتِنا القاتلة.

 

اقرأ/ي أيضًا:
"محمود حميدة" فارس التمثيل الذي لم يجد حصانه
الفيلم الكوميدي "Sausage Party" والحياة السريّة للمواد الغذائية