فيلم

فيلم "Snowden": وهم الحرية في عالم الفاشية الذكية

1444 مشاهدة
لقطة من الفيلم

"معظم البشر تقريبًا لديهم قدرة غير محدودة على أخذ الأمور على أنها من المسلّمات"، هكذا تحدث ألدوس هوكسلي في روايته الشهيرة "عالم جديد شجاع" عن الصفة المشتركة التي تجمع الغالبية العظمى من شعوب الكرة الأرضية على اختلاف مشاربهم وتنوعاتهم الثقافية، والعرقية، والدينية، والعمرية. فعلى عكس الروائي إريك آرثر بلاير (المعروف باسم جورج أورويل) الذي حذر في روايته الشهيرة "1984" من مستقبل مظلم تحت حكم شمولي قمعي، يجبر الناس على التفكير في اتجاه واحد فقط لا غير باستخدام قوة السلاح، كان هوكسلي يرى الأمور من منظور مختلف قليلًا، فحتى يستتب الأمر للحكومات لكي تفعل ما تشاء يجب عليها أن تغلف قمعها بأغلفة ملونة وجذابة، تسر أعين الناظرين.

فإجبار الشعوب على العبودية بشكل مباشر سيؤدي إلى الكثير من الاضطرابات والثورات، وهو ما تريد أي حكومة فاسدة أن تتجنبه، فلا بد -طبقًا لهوكسلي- من أن ترغب الشعوب في العبودية وأن تتوق إليها كما يتوق الطفل الصغير إلى أمه!

معظم البشر لديهم قدرة غير محدودة على أخذ الأمور على أنها مسلّمات، هكذا تحدث ألدوس هوكسلي في روايته الشهيرة "عالم جديد شجاع"

ولكن كيف تفعل الحكومات الفاسدة ذلك؟ الإجابة عند هوكسلي كانت في أن تلجأ إلى إشباع الغرائز البدائية عند المواطن العادي، فينشغل بذلك عن التفكير في أمور أكبر وأعلى، رغم أنها قد تحدث أمام عينيه تمامًا مثل مدمن المخدرات الذي يفقد التركيز في أي شيء لأنه ليس في أفضل أحواله إلا عندما يحصل على جرعة جديدة من مخدره المفضل!

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Manchester by the Sea": هل يستحق المشاهدة؟

تنبأ هوكسلي في روايته بأن الحكومات ستلجأ للتكنولوجيا للترويج لعبوديتها بصورة لطيفة، واستخدم صورة رمزية عن إعطاء الحكومة لشعبها مخدرات تشعرهم بالسعادة. ورغم أن هذه الرواية كتبت عام 1932 فإن هوكسلي عاد بعد 30 عامًا في أحد الحوارات الإذاعية ليؤكد أن ما توقعه قد حدث.

وقبل العودة مرة أخرى إلى ما قاله هوكسلي، ينبغي الإشارة إلى أن ما قاله جورج أورويل قد حدث أيضًا ولكن ينطبق أكثر على دول العالم الثالث حيث صورة القمع البدائية تلك ما زالت موجودة. ولكن يعيب ذلك القمع المباشر أنه من السهل كشفه وإدانته، فهو قمع غبي، ولكن الناس عادة لا ترى غباءه بوضوح حتى يفقد سلاحه، كما قال علي عزت بيجوفيتش. أما ما وصفه هوكسلي فهو قمع ذكي لأنه لا يستهدف أبدان الناس -ليس بشكل مباشر على الأقل- فلا سجن ولا قتل ولا تعذيب لأجساد المواطنين، بل تطويع لعقولهم عبر إعادة برمجة مشاعرهم لكي تحب وتكره ما ترغب الحكومة فيه، حتى يصير من السهل تطويعهم وتوجيههم في الاتجاه المراد.

كيف يحدث ذلك عبر الآلة الإعلامية الضخمة، المملوكة لشخصيات ومؤسسات رغم استقلالها الظاهر إلا أنها ترتبط بمصالح مباشرة مع الحكومات، التي تبث العديد والعديد من الرسائل المبطنة وغير المباشرة التي يستقبلها العقل الباطن للإنسان فتؤثر فيه دون أن يدري، وتنساب داخله ببطء مثل السم البطيء فلا يدرك ما أصابه إلا بعد فوات الأوان.

ولكن كيف يختلف الإعلام في رواية هوكسلي عن رواية أورويل؟ ببساطة في عالم أورويل حيث القمع أحمق ومباشر، والآلة الإعلامية تردد رسالة واحدة فقط ولا شيء غيرها وعلى الجميع تصديقها، وهي رسالة كاذبة منافية للحقيقة بالطبع، أما في عالم هوكسلي حيث القمع أكثر كفاءة وذكاءً فقد يستطيع أحدهم إيصال الحقيقة عبر وسائل الإعلام فعلًا، ولكن صوته سيضيع وسط آلاف الأصوات الأخرى التي يتردد صداها في نفس ذات الوقت، وفي نفس القنوات الإعلامية ذاتها، فلا يصل شيء للمتلقي سوى الضجيج الذي لا يستطيع تمييز أي صوت منه ،أو ربما تصله رسالة كاذبة من إحدى الرسائل الأخرى.

في العالم الثالث تلجأ أنظمة الحكم لأساليب القمع المباشرة، أما في العالم الأول فتلجأ لأساليب القمع الذكية وغير المباشرة

فاحتمال وصول الحقيقة للناس في عالم أورويل صفر، أما في عالم هوكسلي فالاحتمال أقرب لواحد على مائة ألف، وحسابيًا الفارق ليس كبيرًا، لكن الفارق يكمن في المظاهر، ففي عالم أورويل الجميع يدرك كذب النظام وإن عجزوا عن تغييره، بسبب قوة قمعه المفرطة. أما في عالم هوكسلي فالمظهر العام يعطي انطباعًا بوجود نظام يسمح بـ"حرية التعبير" للجميع، وهنا يكمن الفارق الجوهري بين النظامين، ويمكن إدراك السبب وراء قدرة نظام الحكم الذي تخيله هوكسلي على البقاء والتكيف بشكل أفضل وأطول، من نظام الحكم الذي تخيله أورويل.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن روايتي أورويل وهوكسلي قد أثرتا بشدة في السينما، وبالإضافة لتحويلهما إلى عدد من الأفلام، إلّا أن أفلامًا أخرى كفيلمي Equilibrium وLand Of The Blind ، ظهر فيها بعض الأفكار التي طرحوها.

اقرأ/ي أيضًا: 10 من أجمل الأفلام اليابانية

"نظام الحكم الشمولي الكفء حقًا هو النظام الذي يحتوي على سياسيين، وجيش مكون من مدراء تنفيذيين، يقومون بالتحكم في شعب من العبيد الذين ليسوا بحاجة إلى إخضاعهم، لأنهم يعشقون عبوديتهم" (ألدوس هوكسلي - عالم جديد شجاع).

وإذا كانت أنظمة الحكم في العالم الثالث تلجأ لأساليب القمع الحمقاء المباشرة المكشوفة، فأنظمة الحكم في العالم الذي يصنف نفسه على أنه "عالم أول" تلجأ لأساليب القمع الذكية وغير المباشرة، التي تستهدف إخضاع العقول والقلوب لها، وما على أجساد الشعوب إلا الانصياع لما يظنونه رغبات دفينة تأتي من أعماق نفوسهم، بمحض إرادتهم دون ملاحظة أن ما يرغبون به هو ما تمت برمجتهم عليه من قبل حكوماتهم، إذن كيف سيكون الحال في أكبر قوة عظمى في العالم؟ التي ترفع شعارات كالحرية والديمقراطية، وتدّعي أمام العالم أجمع بأن تمسكها بتلك "القيم" هو أسباب تربعها على عرش الأمم حتى الآن؟ هذا السؤال المبدئي هو أحد أسئلة عديدة يطرحها المخرج الشهير أوليفر ستون في آخر أفلامه "Snowden".

يشتهر أوليفر ستون بأفلامه السياسية المثيرة للجدل، التي غطت أغلب الأحداث السياسية في القرنين، الماضي والحال، كحرب فيتنام، وصراع الولايات المتحدة مع السوفيت، ثم مع أمريكا الجنوبية، وغزو العراق وحقبة حكم بوش وأوباما. هذه المرة يعود بفيلم عن القصة الحقيقية لحياة إدوارد سنودن (قام بدوره الممثل جوزيف جوردون ليفيت)، الذي تم شيطنته في الأعوام الماضية على يد الإعلام الأمريكي وتم رفع دعوى قضائية ضده بتهم مثل الخيانة العظمى، وإفشاء أسرار تمس سيادة الدولة والأمن القومي، (ألا تبدو هذه الاتهامات شبيهة للغاية بالتهم الملفقة لمعارضي الأنظمة في دول العالم الثالث؟)، والتي تصل عقوبتها إلى السجن مدى الحياة وربما حتى الإعدام.

تبدأ أحداث الفيلم في هونج كونج عام 2013، حيث يلتقي إدوارد سنودن ببعض الصحفيين ليناقش معهم إمكانية تسريب معلومات تم تصنيفها على أنها سرية للصحافة. هذه المعلومات كانت بحوزته حينما كان يعمل في وكالة الأمن القومي الأمريكية كمتخصص في الأمن المعلوماتي. ولكن ما الذي يدفعه لهذا الفعل تحديدًا؟ يعود الفيلم عدة سنوات إلى الخلف، منذ بداية التحاق سنودن بالجيش الأمريكي رغبة منه في خدمة بلاده ويسرد -بشكل درامي- الأحداث المختلفة التي مر بها في حياته الشخصية أو المهنية، مثل عمله بالمخابرات الأمريكية وتلقيه دورات تدريبية في ما يعرف بـ"الحرب الإلكترونية" وانتهاءً بحصوله على وظيفة في وكالة الأمن القومي. يبدو سنودون كموظف كفء للغاية وشخص مؤمن لأقصى درجة بعظمة الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما يدفعه إلى الإخلاص في عمله لهذه الدرجة.

كأي شخص مثالي حالم، لديه مجموعة من المثل العليا، يتعرض سنودون لصدمات عدة في عمله حينما يرى الفارق بين ما يؤمن به داخل عقله، وبين العالم الواقعي الذي يعيش فيه. فالأجهزة والمؤسسات الأمنية التي لطالما حلم بالعمل داخلها لكي يحمي بلاده من الأخطار الخارجية، لا تفعل ما ظن أنها تفعله. فهي لا تراقب المجرمين والمشتبه بقيامهم بأعمال إجرامية، بل تشمل رقابتها كل المواطنين (باستثناء ذوي النفوذ والسلطة)!

الأمر لا يقف عند الرقابة فقط بل يتعداه، إلى التحكم في النظم الإلكترونية الخاصة التي تستخدم في تحديد قرارات مصيرية تتعلق بالشؤون الداخلية لدول أخرى، وتؤثر على المجتمع الدولي في حالات السلم والحرب والأزمات الاقتصادية، وكل هذا يحدث تحت رعاية وسمع وبصر رؤساء سنودن في العمل.

اقرأ/ي أيضًا: السينما المصرية تخاصم الرواية.. 4 أسباب

هنا يجد إدوارد نفسه أمام معضلة أخلاقية كبرى: ما بين إيمانه بحرمة خصوصيات المواطنين العاديين وعدم جواز انتهاكها، وبين عمله في مؤسسات تنتهك هذه الخصوصيات بشكل يومي، فماذا يفعل؟

"واجب المناضل الوطني هو حماية بلده من بطش حكومته" المفكر الثوري الإنجليزي توماس باين.

إنها لعنة المعرفة إذن! إذا كنت تعرف شيئًا سيئًا عن مؤسسة ما فهذا يعطيك القدرة على تقديم أسباب منطقية لرفضك العمل بها، كشخصية ويل (قام بدوره الممثل مات ديمون) في فيلم Good Will Hunting، أما أن تعمل في مكان ما دون أن تعرف أن شيئًا مشبوهًا يحدث به، فهذا لا يضع على عاتقك عبئًا أخلاقيًا، الأمر أشبه بشخص يذهب لصلاة الجماعة وهو لا يعلم إذا كان الإمام على طهارة أم لا، أو بمهندس يعمل في شركة متعددة الجنسيات وهو لم يقرأ كتبًا كـ"الاغتيال الاقتصادي للأمم" و"عقيدة الصدمة"، فهو لا يعرف ماذا تفعله هذه الشركات في الخفاء، أو كشخصية المجند أحمد سبع الليل في فيلم "البريء" الذي ظن بسذاجته أنه يحارب "أعداء الوطن".

يشتهر أوليفر ستون بأفلامه السياسية المثيرة للجدل، التي غطت أغلب الأحداث السياسية في القرنين، الماضي والحال

ولكن ما إن تنقشع الغشاوة عن عينيه ويدرك أن الحقيقة ليست كذلك على الإطلاق، فسيكون أمام خيارين لا ثالث لهما: إما تجاهل الحقيقة وقتل ضميره ومحاولة تبرير الأمر أمام نفسه أولًا قبل غيره (وسيكون عليه أن يفعل ذلك يوميًا وهو يقف ليغسل وجهه أمام المرآة)، أو أن يتصرف بشكل مختلف عما مضى ليتخلص من عذاب ضميره الذي سيظل يوخزه حتى الممات. وفي حالة إدوارد سنودن فقد اختار التصرف الثاني ولم يهتم إطلاقًا بالعواقب الوخيمة التي حلت على رأسه.

كان غرض أوليفر ستون من العودة إلى الوراء لكل هذه الأحداث، هو تعريف الناس بما حدث -من وجهة نظر سنودن نفسه- لكي يعلموا لماذا فعل الرجل ما فعله في الحقيقة، وما الذي كان يفكر فيه حينما سرب تلك المعلومات للصحافة.

في الفيلم المليء بالأحداث المشوقة والتي تحوي الكثير من التفاصيل غير المعروفة لمن تابعوا قضية سنودن في الرأي العام العالمي، وكيف هاجمه الإعلام ونعته بالخائن. رغم تأكيد ستون بأنه ليس ناشطًا سياسيًا، فالفيلم بعرضه وجهة النظر المخالفة للسائد قد دافع عن سنودن بالفعل، يتجلى هذا أيضًا في اختيار أوليفر للمغني بيتر جابريل الذي كتب أغنية "الحجاب" لوصف ما حدث لسنودن.

فيلم Snowden مليء بالأحداث المشوقة والتي تحوي الكثير من التفاصيل غير المعروفة لمن تابعوا قضية سنودن في الرأي العام العالمي

تكمن أهمية الفيلم في أنه طرح العديد من الأسئلة بشكل أكبر من قضية سنودن نفسها. أسئلة مثل هل نحن بأمان حقًا على الشبكة العنكبوتية؟ ومتى يكون اختراق الشبكات والحاسبات فعلًا أخلاقيًا ومتى يكون فعلًا إجراميًا؟ وهل ما يفعله الغالبية العظمى من مستخدمي الهواتف الذكية من التقاط صور شخصية كثيرة لهم بين الفينة والأخرى تصرف صحيح من ناحية الحفاظ على الخصوصية؟

فبما أن هذه الصور جميعها يتم تخزينها على حواسيب خادمة تمتلكها شركات كبيرة تستطيع تقديم تلك المعلومات للحكومات، إن طلب منها ذلك وبعضها يستجيب على مضض أو تحت تهديدات، فالشركات لن تضحي بمصالحها مع الحكومات من أجل خصوصية قلة من الأفراد أليس كذلك؟

هذا بالطبع إذا تجاهلنا تأثير ذلك على سلوكيات البشر أنفسهم وجعلهم مدمنين لصور "السيلفي"، بشكل يجعلهم غافلين عن القضايا السياسية والاجتماعية كما أشار هوكسلي سابقًا، وأشار له مؤخرًا المخرج ستيف كاتس والفرقة الغنائية Moby & The Void Pacific Choir في فيديو كليب بعنوان بـAre You Lost In The World Like Me.

أخيرًا تجدر الإشارة إلى أنه رغم مجهودات أوليفر ستون الشاقة في صنع الفيلم، وسفره مع طاقم العمل لمقابلة إدوارد سنودن، فإن الفيلم الذي تكلف إنتاجه 40 مليون دولار، حقق إيرادات على مستوى العالم بلغت 37 مليون دولارًا فقط. وعلى رغم تلقيه بعض الإشادات النقدية فإنها ليست كافية بالنظر ﻷهمية الرسالة التي طرحها الفيلم، ما يطرح سؤالًا مهمًا: هل ما زالت الأغلبية العظمى من الناس تفضل عبوديتها للحكومات، على أن تحصل على قليل من الوعي حول الأمن المعلوماتي، وأهمية حماية خصوصياتها الشخصية على شبكة الإنترنت وخارجها؟ وحدها السنوات القادمة كفيلة بالإجابة على هذا السؤال.

اقرأ/ي أيضًا:
فيلم الشبكة.. أيدولوجية الانقسام في مواجهة الإنسان
فيلم "Man of the year": كيف تختار أمريكا رئيسها؟