فيلم

فيلم "Skin in The Game".. حياة مستباحة على أرصفة العشوائيات

من الفيلم (IMDB)

لا يبدو شريط "Skin in The Game" (2019) للمخرج الأمريكيّ أديسا (Adisa) أكثر من مجهرٍ يُحاول من خلاله تفحّص عشوائيات المُدن الأمريكية الضخمة، والأجزاء الهامشية والمُهملة منها. هكذا، سيحمل في تجربته الإخراجية السابعة كاميرته ليتجوّل بها مُلتقطًا حيوات بشرٍ غارقين في مستنقعاتٍ لا يبدو أنّ هناك أملًا في مُغادرتها، أو الشفاء منها. قبل أن يعود ويدخل في صلب هذه العشوائيات، مُخرجًا إلى العلن حياةً خشنة في أمكنةٍ تسحق بشرها الذين لم يتقبّلوا نمط الحياة فيها، وإنّما اعتادوا عليه فقط، بعد أن قذف بهم الشقاء إلى أحضانها، ليتحوّل هذا النمط من الحياة، والوجود العشوائيّ والهامشي، وكذلك العشوائيات، إلى هويةٍ لأولئك الذين انتهوا إليها، عندما لم يعد لديهم أمكنة آخر يلجؤون إليها.

لا يبدو فيلم "Skin in The Game" أكثر من مجهرٍ يُحاول تفحّص عشوائيات المُدن الأمريكية الضخمة

لا نقول إنّ الفيلم مسلٍّ، وربّما كان مملًّا أكثر مما يجب أيضًا، ولكنّ هذا يبدو، إلى حدٍّ ما طبعًا، طبيعي بفعل انشغاله بفكرة معيّنة دون كلّ العناصر الأخرى، أي عالم العشوائيات، وطبيعة العيش والحياة هناك كذلك. ولكنّ انطباعًا سريعًا كهذا، سرعان ما سوف يتبدَّد، مُلغيًا أو مُغيّبًا كلّ ما استندنا إليه في البداية لتبرير الملل الذي بثّه الفيلم طيلة ساعة ونصف تقريبًا، حين نُلاحظ أنّ العدسة تراوح مكانها، بل تبدو عاجزةً تمامًا عن الحركة، وغير قادرة على اختراق العوالم السفلية للعشوائيات أيضًا، والنفاذ إلى باطنها. هكذا، تكتفي عدسة أديسا بالتحرّك على قشرة هذه الأمكنة، وتناول تفاصيلها بشكلٍ سطحي يُعجّل نفور المشاهد من الشريط.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Border".. هل البشر ثعالب؟

عند هذا الحد، يُصبح من السهل جدًا مُلاحظة أنّ أديسا عوّل على استثمار الفكرة العامّة للفيلم، أي الحديث عن العشوائيات بهدف تعويض غياب كلّ العناصر الأخرى التي يحتاجها لا ليكون ناجحًا، وإنّما وأقلّ ما في الأمر أيضًا، أن يكون مقبولًا. وبالتالي، يكون هذا الاستثمار الذي راهن على جذب المشاهد وشدّ انتباهه بإيهامه أنّ ما سيراه هو أمكنةٍ يجهلها لفرط عُمق الحفر فيها؛ خيارًا فاشلًا وغير صائب إطلاقًا. والسبب أنّ كلّ ما سوف يأتي بعد البداية التي بثّت لوقتٍ قليلٍ انطباعاتٍ إيجابية، سيقف على النقيض منها تمامًا. ولن نرى عند ذلك شيئًا سوى لقطاتٍ سريعة يظهرُ فيها شبّان وفتيات/عاهرات على رصيف العشوائيات، أمّا ما خلف هذا الرصيف، فإنّه سيظلّ مجهولًا حتّى النهاية.

يلتقط كاتب سيناريو الفيلم شخصيات نصّه دون عناء. الشخصيات نفسها لا تبذل أي جهدٍ يُخفِّف من ابتذال الفيلم، وتؤدّي أدوارها كما هي مكتوبة تمامًا؛ لينا، ضحية سابقة لشبكات الاتجار بالفتيات، تحوّلت تحت سطوتها إلى عاهرة متمرّسة، ولكنّها تُحاول الآن التخفّف من ماضيها، والبدء بحياةٍ جديدة كرّستها لهدفٍ واحد، مساعدة الفتيات أمثالها. ايفا، عاهرة سابقة أيضًا، وصديقة سابقة للينا بحكم وقوعهنّ تحت رحمة قوّادٍ واحد. وبينما اختارت الأولى مُغادرة الماضي والبدء بحياةٍ جديدة، اشتغلت الثانية على التحوّل من عاهرة إلى قوّادة، تشتري وتبيع بدلًا من أن تُباع وتُشترى. وأخيرًا، شارون، امرأة مثالية تعيش برفقة ابنتها حياةً هادئة بل ومملّة.

يلتقط فيلم "Skin in The Game" حيوات بشرٍ غارقين في مستنقعاتٍ لا يبدو أنّ هناك أملًا في مُغادرتها أو الشفاء منها

سنعرف أنّ الأخيرة كانت صديقة طفولة لينا (Erica Ach)، عندما تأتي إليها لتطلب مساعدتها في العثور على ابنتها التي اختفت فجأة، إذ إنّ شارون (Elisabeth Harnois) كانت وثقةً من أنّ خاطفي ابنتها هم عصابات التجارة بالفتيات. في البداية، سترفض لينا المساعدة، والسبب أنّ شارون قطعت علاقتها بها حين تحوّلت إلى عاهرة، ولأنّها عادت تطلب منها المساعدة الآن بصفتها أيضًا عاهرة، تعرف الكثير عن أجواء هذا الفضاء بحكم أنّها كانت في مرحلةٍ ماضية جزءًا منه، وبالتالي تعرف تفاصيل وطرق عمل هذه العصابات.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "The World We Make".. حين ينزع الحب أقنعة المجتمع العنصرية

تبدأ الصديقتان السابقتان بالبحث عن الفتاة، ونبدأ في المقابل بالتعرّف إلى ماضي لينا البائس والمظلم أيضًا. حينها، نظنّ أنّنا قد نُعيد النظر في أحكامنا السابقة بحقّ الشريط، ولكنّنا سنصدم سريعًا بحجم الاستسهال الذي تُروى به الحكاية المُقدّر لها أن تدور في الشوارع وعلى الأرصفة، دون التعمق في التفاصيل. عملية البحث نفسها بدت سهلة، ومعرفة عناوين بيوت القوّادين بدت أشدّ سهولةً أيضًا، وكأنّ هذا العالم الذي يُفترض أن يكون غامضًا، بدا مفتوحًا ككتاب، ومُتاحًا للجميع، وهذا الأمر بحدّ ذاته سيدفعنا للسؤال عن السبب الذي حال دون الوصول إلى كلّ ضحايا هذه العصابات، إنّ كان الأمر في غاية السهولة، كما شاهدناه في الفيلم الذي أراد بدا أنّه يُطارد الوقت للوصول إلى نهايته.

 

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "Happy Deathday 2U".. سبل النجاة من موت متكرر

فيلم "The Guernsey Literary".. أن تبقى على قيد الحياة في الحرب