فيلم Room.. وقت الضحية

فيلم Room.. وقت الضحية

من الفيلم

(1)

حين عُرض فيلم Room للمرّة الأولى ضمن فعاليات "مهرجان تيلورايد السينمائي" في الولايات المتّحدة، أواخر 2015، انبهر الجميع بالأداء المذهل لـ بري لارسون، التي حازت جائزة الأوسكار عن دورها في الفيلم، والطفل يعقوب تريمبلاي، الذي نال حظًا من الجوائز كذلك. ببراعة فائقة، يتنقّل الفيلم بين الخيال الباهر لطفلٍ في الخامسة، والحقيقة شديدة القبح التي تحرص أمّه بعناية على ألا يصطدم بها.

يتنقّل فيلم "Room" بين خيال طفلٍ في الخامسة، والحقيقة شديدة القبح التي تحرص أمّه بعناية على ألا يصطدم بها

الفيلم يعرض الصراعٍ بين طبيعة الإنسان الجانحة إلى الطمأنينة المحدودة الآمنة في مسارٍ ثابتٍ كقضبان قطار، وبين نفسه التوّاقة إلى الحرية والاستقلال، بكل مخاوفهما وعواقبهما. إزاء العالمٍ المفتوح الذي يأتيك فيه الخطر من كل مكان ولا مكان، ربّما تحنّ إلى العودة إلى الغرفة الضيقة، برغم كل شيء.

اقرأ/ي أيضًا: وودي ألين: الحياة برمّتها أمرٌ تراجيدي

2

إنّه الصباح. يفتح "جاك" الصغير عينيه محدّقًا في الضوء القادم من فتحة السقف. يوقظ ماما بحماس. اليوم عيد ميلاده الخامس، سيحتفل، وتحتفل معه ماما والغرفة بأسرها. صباح الخير يا مصباح. صباح الخير يا نبات. صباح الخير يا خزانة. صباح الخير يا تلفاز. صباح الخير يا سجّادة.

"جاك" ولد صغير ذكي يحبّ ماما. ماما تعتني بـ"جاك" وتُعدّ له الطعام وتلعب معه، وتغنّي له بصوتٍ ملائكي، ويستمتع الاثنان بالصراخ نهارًا بأعلى صوتٍ حتى تسمعهم الكائنات الفضائية. ماما لطيفة، إلا أنها متعبة دومًا، محمّلة بحملٍ ساحق لا يدري كنهه.

بما أنّ اليوم عيد ميلاده، فستخبز ماما له كعكة كالتي يراها في التلفاز. يكتشف أن الكعكة حقيقية، لكن ما يراه في التلفاز غير حقيقي بالطبع، فالغرفة لا تتسع للبحار والمحيطات والأشجار وكل هذه الحيوانات والبشر. العناكب حقيقية لأنه رأى واحدًا منها في حوض الاستحمام. صباح الخير يا حوض الاستحمام. مرحى! ها قد أعددنا الكعكة! لكن لا كعكة عيد ميلاد بدون شموع. أين الشموع يا ماما؟ لماذا لم تطلبيها من "نيك الكبير"؟

يأتي "نيك الكبير" بعد أن ينام "جاك" في الخزانة، ليُحضر أشياء جميلة له ولماما. بسحره يجعل الأشياء الخيالية في التلفاز حقيقة. يخلع ملابسه وينام بجانب ماما، ثم يرحل قبل أن يستيقظ "جاك". يبدو له "نيك" لطيفًا، مع أنه سمعه يصرخ في ماما أكثر من مرة. هل "نيك" حقيقي؟ لم يره عن قرب قط. ربّما هو نصف حقيقي.

يمثل "جاك"، فيلم "Room"، إثباتًا حيًا على أن الجمال يمكن أن يولد من أحقر الأفعال وأوضعها

يغلب الفضول "جاك"، فيخرج ليُلقي نظرة عن قرب على "نيك" النائم جوار ماما. يفتح "نيك" عينيه مبتسمًا. "أهلًا بنيّ". هنا تنهض ماما صارخة لتحمي "جاك" الذي لا يفهم شيئًا. يتمكّن "نيك" منها ويجثم فوقها كاتمًا أنفاسها لفترةٍ وجيزة حتى تكف عن الصراخ. يتهدّدها بالقتل إن لمسته مرّة أخرى، ثم يرحل. كدمة قبيحة يتركها على عنق ماما.

اقرأ/ي أيضًا: بيازولا: ليس بالضرورة أن يكون التانغو بكّاء

أنا آسف يا ماما! لن أفعل هذا مجددًا! "نيك" شرير. عندما يأتي مرّة أخرى سأركل مؤخرته.

3

ماما في ورطة الآن. لقد كبر "جاك"، وبعد أن رأى "نيك" يفعل ما يفعل، إمّا أن يرفض وجوده، ويصطدم به؛ أو يتقبّله. كلاهما يعني موت جاك، بشكلٍ أو بآخر. "نيك" شرير مُخادع استدرج ماما (التي نعرف الآن أن اسمها "جوي نيوسوم") منذ 7 أعوام بحجة أن كلبه مريض ويحتاج إلى المساعدة، ثمّ حبسها في الغرفة، ليأتيها كل ليلة. وحده يعرف الرقم السري لرتاج الباب، وهو ما يجعل قتله ليلًا وهو نائم انتحارًا بالجوع والعطش. "جاك" هو إثبات حي على أن الجمال يمكن أن يولد من أحقر الأفعال وأوضعها.

تقرّر ماما أن تنقض الكذبة التي غزلتها منذ وُلد ابنها في الغرفة. ستخبره بأنّ ما يوجد خلف الجدار ليس الفضاء، يليه الجنّة. إنّه العالم؛ العالم الذي يتسّع لي ولك وللبشر والبحار والمحيطات وأوراق الشجر والتماسيح والطيور. الغرفة ليست بيتنا، إنها سجن. و"نيك الكبير" لا يتفضّل علينا بسحره ليمدّنا بالطعام والكهرباء والمياه، ويمنحنا من خيال التلفاز حقيقة؛ إنّه سجّان يمرّر لنا ما يريد حينما يريد. الناسُ في الخارج -نعم، هناك أناس بالخارج- ينعمون بما هو أكثر بكثير، ولا يتفضّل عليهم أحد.

في البداية يُقابل "جاك" الأمر بالكثير من عدم التصديق. يصرخ في أمّه ويتجاهلها. ثمّ شيئًا فشيئًا يُصدّقها. قبل كل شيء، هي الشخص الوحيد الذي يثق به في الغرفة.. أو "العالم"، الذي اكتشف وجوده حديثًا. تُقرّر ماما أن تهرّب "جاك" إلى العالم. ليس "جاك" مقتنعًا بالكلية. خائفٌ بشدة. لكنها ماما، وهي يحقّ لها أن "تختار لكليهما"، كما أخبرته. بشيءٍ من التخطيط الذكي، والارتجال، والكثير من الحظّ الحسن، يهرب "جاك"، ويقود رجال الشرطة إلى ماما. نهايةٌ سعيدة، أليس كذلك؟

4

"لكل حائطٍ جانبين"، قالتها ماما لـ"جاك"، في محاولتها لشرح ماهية "العالم" له. ربّما الشيء المميز حقًّا في الفيلم هو غياب لحظات التنوير؛ تلك التي تتصاعد فيها الموسيقى التصويرية حين ينكشف للبطل أمرٌ هام، أو ينجح بالكاد في الهرب من مأزق شديد الصعوبة. هذه المعالجة السينمائية للحياة، المليئة بلحظات التنوير، تتجاهل طبيعة عملية التعافي البطيئة، التي تتخلّلها محطات من الانتكاس، والشكّ، واليأس.

خلف الأبواب أبوابٌ، وأمامها أبواب. العالم مُتقلّب بصورة رائعة، ومخيفة كذلك

أعتقد أن صنّاع Room أدركوا هذا جيدًا، لذا لم يجعلوا من لحظة الهرب من "الغرفة" تنويرية تتصاعد عندها الموسيقى التصويرية، وينتهي الفيلم. لا بد من نصفٍ آخر يحكي عن الحياة على الجانب الآخر من الحائط؛ عن العالم الواسع المخيف.

اقرأ/ي أيضًا: حكايات عن عمر الشريف في ذكرى رحيله

يصطدم "جاك" بالاختلافات الشاسعة بين العالم والغرفة. في الغرفة كانت الموجودات قليلة، لكل منها شخصيته المتفردة. لكنها في العالم تفقد ذاتيتها، وتذوب في مُحيطها الذي يحوي آلاف الأشياء الأخرى. يكفي أن تخطو خطوتين في العالم حتى تقابل السلم والكعك المحلى والسيارات والسحاب والأشجار. ناهيك عن الأشخاص الكثيرين بوجوههم المختلفة. الأشياء تحدُث وتحدُث وتحدُث. خلف الأبواب أبوابٌ وأبوابٌ وأمامها أبواب. العالم مُتقلّب بصورة رائعة، ومخيفة كذلك. ليس كالغرفة. يقول جاك: "هناك الكثير من المكان في العالم. وهناك وقت أقل، لأنه تمدد حتى صار رفيعًا جدًا ليغطي كل مكان. مثل الزبد. لذا يقول كل الناس: أسرع! هيا بنا! أنهِ الأمر الآن!".

يجد "جاك" في نفسه، رغمًا عنه، حنينًا إلى الغرفة.

5

ماما كذلك، ربما في لا وعيها الذي لا تجرؤ على التصريح به حتى لنفسها، تحنّ إلى الغرفة. لم يكُن عليها القلق بشأن الكثير هُناك. تعيش الآن مع أمها وزوجها. ابنها يهابُ البشر ولا يتحدّث إليهم إلا نادرًا، ومن خلالها. نادرًا ما يلعب. نادرًا ما يأكل. وهذا يمزقها. ما زاد الأمور سوءًا هو عدم قدرة والدها على تقبّل "جاك" أو النظر إليه. تنظر إلى صور صديقاتها اللاتي استمرت حياتهن بشكلٍ طبيعي، بينما هي سُجنت لأعوام عقابًا على كونها فتاة لطيفة أرادت إسداء خدمة لرجل كلبه مريض. تتصارع الأصوات في رأسها مُحاولة فهم هذا العبث، لتجعل منها شخصًا لا يُطاق.

لكن ما حطّمها حقًا هو سؤال لم تجد له جوابًا في مقابلة تلفزيونية. لماذا لم تطلبي يا ماما من "نيك الكبير" أن يأخذ ابنك حين وُلد، ويُلقيه في أقرب مستشفى، ليحظى بطفولة طبيعية؟ لماذا لم تُفكّر في هذا؟ لماذا أبقت ابنها بجانبها في هذه الحفرة المتعفنة من الأرض؟ 

تلوم ماما نفسها ألف مرة، على كلّ شيء: حماقتها في الثقة بالغرباء، وأنانيتها في إبقاء ابنها معها. يمزّقها الذنب، ولا تجد مفرًا من أن تُنهي حياتها. لكن "جاك" ينقذها للمرة الثانية؛ ليس من الغرفة هذه المرة، لكن من نفسها.

العقبة الوحيدة في طريق التعافي هي أن تمتلك الشجاعة الكافية لتقرر أن هذا ما تريده

"حمقاء ماما! كانت في عجلة لتصعد (بووم) إلى السماء، لكنها نسيتني. حمقاء! لذا رماها الفضائيون إلى الأرض مرة أخرى. كراش! وكسروها".

6

لكن الكسور تُجبر. العقبة الوحيدة في طريق التعافي هي أن تمتلك الشجاعة الكافية لتقرر أن هذا ما تريده. و"جاك" طفل شُجاع حقًا، لذا يقرر التعافي. رويدًا رويدًا، يتحدّث، يلعب، يخرج. يستكشف العالم الذي يفقد هيبته. رويدًا رويدًا، لأن الخلاص لا يهبط من السماء.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم المقاطعون.. من هو القاتل؟

ماما بعيدةٌ في مصحّة نفسية بعدما حاولت أن تصعد إلى السماء. يقرّر أن يمنحها "القوي" الخاص به، كما علّمته أمّه حين أعطته سنتها التي سقطت في الغرفة، قبل محاولة الهرب. تقص جدته شعره الطويل الذي لم ير مقصًا منذ ولد، لترسله إلى ماما. تعود ماما، تجلس مع "جاك" على الفراش. تُخرج شعره من كيس بلاستيكي. "حينما أحضرت جدّتك هذا لي، علمت أنّه يمكنني التعافي. لقد أنقذتني. مجدّدًا.

في مشهد النهاية، يطلب "جاك" أن يرى الغرفة مرّة أخرى. يدخل وماما إلى المكان الذي تغيّر كثيرًا بفعل تحقيقات الشرطة. يُلاحظ "جاك" أنّها صارت أصغر بكثير عن ذي قبل، كأنها تقلصت. يُنكر "جاك" أن تكون هذه الغرفة: لا يمكنها أن تكون الغرفة، والباب مفتوح.

يُودّع "جاك" أصدقاءه في الغرفة للمرة الأخيرة، ثمّ يخرج مُمسكًا بيد ماما، ليواجه العالم. "هناك الكثير من الأشياء بالخارج. وهذا مُخيف أحيانًا. لكن لا بأس، لأننا ما زلنا أنتِ وأنا، وفقط".

اقرأ/ي أيضًا:

الكويت.. تاريخ من التراكم الفني

نبتدي منين الحكاية.. هل هذه دمشق فعلًا؟