فيلم

فيلم "The Paramedic".. حين يكون الحب تملكًا

من الفيلم (IMDB)

الانتقام بحاجة إلى تضحية، وربما تكون هذه التضحية تساوي حياة بأكملها. فتكون بذلك التضحية في سبيل الانتقام خسارة أكبر بكثير مما يمكن تحصيله من الرضا الناتج عن الانتقام.

"The Paramedic" فيلم إسباني صدر عام 2020، من بطولة ماريو كازاس وديبوراه فرانسوا، ومن إخراج كارلوس توراس. أنخل أخصائي طب طوارئ (ماريو كازاس)، يتابع الحالات الطبية الطارئة ميدانيًا. يومه الاعتيادي عبارة عن سحب الأشخاص المصابين جراء حوادث السيارات أو المصابين بنوبات قلبية أو أي حالات تستدعي الإسعاف الطارئ. إلا أن أنخل لديه عادة سيئة ويمكن إدراجها تحت خانة هوس السرقة، فهو في كل مرة يذهب لإسعاف أحد الأشخاص يمد يده ليسرق أي شيء من جيبة المصاب أو من منزله أو سيارته ووضعها في خزانته أو بيعها. نظارات شمسية أو ساعات أو مجوهرات أو أي شيء تقع يده عليه، ويفضّل ألا ينهي عمله ويرجع إلى منزله خالي الوفاض.

هل الشر سببه طفولة بائسة ومعذبة أم أنه صفة إنسانية تولد مع الإنسان؟

ويبدو أن أنخل يعيش حياة سعيدة مع صديقته فاين (ديبوراه فرانسوا) التي تعمل وتتابع دراستها كطبيبة بيطرية في ذات الوقت. ويحاول الشريكان الحصول على طفل لكن لا يحالفهما الحظ. ومع ذلك يلقي أنخل باللوم على شريكته كونها المسؤولة عن عدم الإنجاب، في الوقت الذي يرفض الخضوع لفحوصات طبية للكشف إذا ما كان السبب منه، خاصة وأن فاين قد أخبرته بأنها سليمة وقادرة على الإنجاب.

اقرأ/ي أيضًا: في كثافة الحب.. أفلام عن تسونامي العلاقات العاطفية

لكن فاين تظهر وكأنها تستمتع بقضاء الوقت مع زملائها في الدراسة أكثر مما تستمتع في البقاء معه، ورغم ذلك يصران على المضي قدمًا في علاقتهما. إلا أن ذلك لا يدوم طويلًا ويصبح الفراق محتومًا من قبل فاين، خاصة بعدما تعرض أنخل لحادث أثناء عمله أصابه بشلل سفلي، وأفقده القدرة على المشي فصار يستحدم كرسيًا متحركًا للتنقل.

ومن هذه اللحظة تتغير حياة أنخل وتنقلب رأسًا على عقب. يتوقف عن العمل، تزداد متاعب الحياة، يلقي اللوم على صديقه السائق ريكاردو على اعتبار أنه السبب في الحادث، يصبح أكثر غضبًا وعصبية، وتفشل حياته الجنسية مع فاين بعد أن كانت في الماضي ساخنة. وتنتابه الغيرة وتتملكه مشاعر الشك بحبيبته فيقوم بالتجسس عليها عبر تحميل تطبيق مخصص لذلك إلى هاتفها المحمول. وسرعان ما ينتج عن كل هذه الأمور ردات فعل عنيفة انتقامية وتتكشف معالم شخصيته الحقيقية النرجسية وغير السوية.

وللانتقام يستغل أنخل مهاراته الطبية في التخطيط وتنفيذ سيناريوهاته. ويتبين لنا جوانب أخرى حقيرة من شخصيته، حيث أنه يكره جيرانه، وتحديدًا جاره العجوز الذي يمتلك كلبًا لا يتوقف على النباح، فلا يتورع عن تسميم الكلب، ومن ثم قتل جاره العجوز واختطاف فاين وقتل صديقه ريكاردو.

نرجسية فتاكة

هل الشر سببه طفولة بائسة ومعذبة أم أنه صفة إنسانية تولد مع الإنسان؟ البطل اسمه أنخل/أنجيل أي الملاك لكنه بعيد كل البعد عن الملائكة. إنه الضد حتمًا. شيطان بتفكيره وبمخططاته وبأفعاله. إن له روح سوداء لا يدخلها أي بصيص من النور على الإطلاق. إنه الملاك المكسور أو هكذا يرى نفسه بعين المظلومين والمغبونين لذلك له الحق في فعل أي شيء لاسترداد ما سرق منه ومعاقبة ظالميه. لكن هذا التفكير ليس إلا نتاج استنتاجاته الخاصة فقط. سيكوباتي بمشاعر قاسية جدًا أو لنقل بضمير ميت لا يعنيه سوى التلاعب بالأخرين لتحقيق مآربه.

بطل فيلم "The Paramedic" اسمه أنخل/أنجيل، أي الملاك، لكنه بعيد كل البعد عن الملائكة. إنه الضد حتمًا

النرجسية تتحكم بأنخل وتجعله يرفض الخسارة، بل يزداد تشبثًا بأحقيته بامتلاك حبيبته وكأنها شيء ملكه. أنجيل سارق، والسارق لا يستسيغ أن تتم سرقته. إنه يعامل فاين كما لو أنها قطعة ثمينة جميلة كتلك القطع التي يسرقها من المصابين أثناء تأدية وظيفته. بالنسبة إليه فهناك عملية سرقة تمت عن سابق إصرار وتصميم من قبل صديقه الذي يلومه على الحادث الذي أدى إلى شلله. بالنسبة له، هناك من سرق حبيبته الجميلة، سعادته، ومشروعه في إنجاب طفل وإنشاء أسرة.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "الحياة حلوة".. نعامات تطمس رؤوسها في رمال التفاهة

أنخل غير سعيد في حياته لذا لن يسمح للأخرين بأن يكونوا سعداء، حيث أن سعادة الأخرين بالنسبة له قائمة على تعاسته. إنه مغرور متعالٍ "إيغو سينتريك" يرى العالم يدور حوله فقط، فكيف يمكن لفاين أن تكون سعيدة وهي بعيدة عنه! لم يستطع تقبل فكرة أنها وجدت السعادة والحب خارج عالمه فيما هو تعيس. حقنها بالمخدر حتى فقدت إحساسها بقدميها. كان يريدها أن تصبح مثله مشلولة كي تشعر بما يمر به وما يعانيه.

منظور فاين للعلاقة

إنها حكاية رجل خائف من البقاء وحيدًا دون شريك، إلا أن شريكته فاين تشعر بخوفه لكن ليس بيدها أن تبدد خوفه، لا بل هي قد قررت الرحيل وحسمت أمرها، وتبحث فقط عن عذر  لترفع عنها اللوم والذنب. تبدو لنا المشاهد الأولية بعد ممارسة الجنس بينهما حميمية، وتبدو لنا فاين سعيدة وهي مستلقية على صدره منتشية.

مع العلم وأنه من البداية هناك خلل في ميزان الرغبة والتأثير بين الشريكين، فنجد بوضوح جموح الرغبة لدى أنخل تجاه فاين بينما تبادله هي ببرودة وأحيانًا بنفور. وهذا يرمز إلى الصراع الذي كابدته فاين بين البقاء والاستمرار وبين الرحيل. بالرغم من ذلك نجدها تضع صورتها مع أنخل على شاشة هاتفها.

لكن هذه المودة والألفة سرعان ما تختفي، خاصة بعد فشل مشروع فاين في الإنجاب من أنجيل. يمكن القول أن فاين لديها مشروع لحياتها فقد إمكانية تحققه بعد الحادث الذي أصاب شريكها، فبدأت تشعر بالضيق من حياتها مع ازدياد المسؤوليات على كاهلها فقررت الهرب من هذه العلاقة.

يروي فيلم "The Paramedic" حكاية رجل خائف من البقاء وحيدًا دون شريك

صارت تشعر وكأنها سجينة في حياة رجل طاغية مهووس بالامتلاك وشكاك عديم الثقة غير آمن. نجدها تشكو لصديقتها محاولة إيجاد مخرج للعلاقة التي باتت أشبه ما تكون بالورطة. ولا تقف الأمور عند هذا الحد، إذ تدخل في علاقة جديدة مع السائق ريكاردو صديق أنخل.

منظور أنخل للعلاقة

أنجيل يرى أحلامه تسلب منه، وحين يكتشف علاقتها بصديقه ريكاردو تزداد لديه النقمة والنزعة للانتقام. فهو يرى كيف أن مشروعه مع فاين لإنجاب طفل قد احتله رجل آخر، ودون معرفته بذلك، أو على الأقل، دون أي اعتراف وصراحة ووضوح من قبل فاين. حتى أثناء تقبيله لها فإنه يضع يده خلف رأسها ويدفعها نحوه بقوة لكأنه يستحوذ عليها. ومن الواضح أن لديه ماض حافل بالانحرافات السلوكية والأخلاقية.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Her".. هل يمكن أن تنشأ علاقة عاطفية بين الإنسان والآلة؟

كان يتهم فاين بالخيانة دون دليل وهذا ناتج عن الانكسار الحاصل في شخصيته جراء الإصابة التي بدلت نظرته لنفسه وأحبطته، وخفضت من نظرته لنفسه وشعوره بالدونية وحطمت صورة الجسد في نظره. فبمقارنة بين أنخل وفاين يمكن التكهن بالمشاعر التي رافقت أنجيل بعد إصابته وهي أفكار ومشاعر مشروعة ومنطقية من منظوره، خاصة بعد سماعه حديث فاين مع صديقتها والشكوى من حياتها معه.

فاين امرأة منفتحة واجتماعية بينما أنخل انطوائي غير اجتماعي، فاين تدور حياتها حول عدة أصعدة بينما محور حياة أنخل يدور حول فاين فقط. فاين تحب الحيوانات بينما أنخل يكرهها بشدة. فاين امرأة غاية في الجمال بينما هو مقعد، فاين تعمل بينما هو متوقف عن العمل، فاين تحاول سد مصاريف الجامعة في ظل شح بالموارد المالية وازدياد متطلبات الحياة ونفقات العلاج بعد إصابته.

فاين قادرة على الإنجاب بينما هو عقيم، وفاين بحاجة إلى الجنس في الوقت الذي لم يعد يستطع تلبيتها في الفراش كما كان في السابق. ويضاف إلى كل ذلك اكتشاف علاقتها مع صديقه ريكاردو المسؤول في نظر أنخل عن الحادثة التي أدت لإصابته بالشلل. وفي النهاية الكذب الذي اعتبره أنخل مؤامرة ضده وخيانة من الحبيبة وصديقه ريكاردو تستهدفه.

ديناميكية القاهر والمقهور

يصور لنا الفيلم كيف أن موقفًا واحدًا يمكن أن ينقل الإنسان من موقع إلى آخر من الناحية السيكولوجية. وكيف أن تغيرًا دراماتيكيًا واحدًا يمكن أن يكشف عن شخصية الإنسان الحقيقية في العمق. وكيف أن التحول الإنساني في الشخصية مشروط بعوامل عدة. وكيف أن الشخصية الإنسانية في العمق ليست ثابتة بل متفاعلة وديناميكية، وإمكانية التحول من حالة إلى حالة أخرى تبقى ممكنة على الدوام. فاحتمالية أن ينقلب الخير إلى شر، أو الشر إلى خير، الحب إلى حقد والحقد إلى حب. التملك والأنانية والغرور والطيبة والحقارة وغيرها من الصفات الإنسانية قابلة للتحول، وكلها أمور ممكن حدوثها حين تتعلق الأمور بالبشر.

يصور فيلم "The Paramedic" كيف أن موقفًا واحدًا يمكن أن ينقل الإنسان من موقع إلى آخر من الناحية السيكولوجية

الانتقام نفق مظلم له بداية لكنه غير معلوم النهايات. بمجرد الانغماس في الشر يصبح من المستحيل توقع مستقبل هؤلاء الأشخاص الباحثين عن تلك اللذة المحرّمة. لكن لماذا عادت فاين وبقيت مع أنخل في نهاية الفيلم؟ ما المغزى من وراء ذلك! ما الرسالة في عودة امرأة تكره رجل ما إلى العيش معه مجددًا؟ هل تحب جلادها؟ وهل بعد موت حبيبها ريكاردو فضلت أن ترزق بطفل إلى جانب أنخل وإكمال مسيرة الحياة معه؟

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "The Platform".. الجوع لا أخلاق له

هذا قرار صعب ولكنه بالتأكيد ليس قرار نابع من عاطفتها إتجاه أنخل. إنها تبقى معه كي تذيقه طعم القسوة والشر والإجرام الذي أذاقه لها ولحبيبها ريكاردو. تأخذه من المستشفى وتجره في العربة داخل الممر الطويل لتبدأ قصة جديدة. انقلبت علاقات السلطة بينهما وصارت هي الأقوى. إنها علاقة بين القاهر والمقهور، وسرعان ما سيلعب المقهور دور القاهر حين يستلم السلطة. تعابيرها وسلوكها في نهاية الفيلم يوحيان بذلك.

انتقام فاين عل الأرجح لن يكون جسديًا، لكنه سيكون معنويًا وسلوكيًا حيث ستريه ما الذي جنته يداه وما الذي خسره بسبب أفعاله. ففي كل لحظة سيرى فيها فاين وهي تتابع حياتها بشكل طبيعي سيشعر بالحزن والندم فيما هو مشلول بالكامل، فليس هناك جحيم بالنسبة لأنخل أقوى من ازدراء المرأة التي أحبها.

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "Minimalism".. ترشيد الاستهلاك والاكتفاء بالحاجيات الأساسية

فيلم "Tall Girl".. حين يحدّد الجسد هويتنا