فيلم

فيلم "Mountains May Depart" هو نفس الحب وأكتر

لقطة من الفيلم

يعتبر المخرج الصيني جيا جانكي من أهم المخرجين الصينيين المعاصرين، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق وأفلامه دائمة الحضور في قوائم المنافسين على سعفة كان الذهبية، وعادة ما تركز سينماه على رصد التغيرات الاجتماعية التي طرأت على الصين في العقود الأخيرة، وما فيلمه الأخير "ربما تزول الجبال Mountains May Depart" (إنتاج سنة 2015) الذي نحن بصدد الحديث عنه ها إلا امتداد لهذه السينما.

هذا الفيلم الثاني الذي أشاهده للمخرج جيا جانكي، بعد فيلمه "لمسة الخطيئة" (إنتاج سنة 2013) -حصل على مركز خامس أفضل فيلم في سنة 2013 حسب رأي نقاد مجلة كراسات السينما الفرنسية Cahiers du Cinema-، ولاحظت تشابه الفيلمين كثيرًا في أجوائهما ومواضيعهما والأهم أسلوبهما الفريد والغريب؛ ففيلم "ربما تزول الجبال" فيلم درامي يميل في ظاهره للقتامة والكآبة، وأبطاله عاطفيون لأبعد حد، تلعب عواطفهم دورًا جوهريًا في تشكيل حياتهم، ومع أن الفيلم في ظاهره فيلم روائي طويل، إلا أنه فعليًا مجموعة أفلام قصيرة منفصلة، لا يربطها سوية إلا تشاركها في بعض الشخصيات، وبعض الخطوط الدرامية، وهي جميعها خصائص ظهرت في فيلم "لمسة الخطيئة" أيضًا.

يعتبر المخرج الصيني جيا جانكي من أهم المخرجين الصينيين المعاصرين، وأفلامه دائمة الحضور في قوائم المنافسين على سعفة  كان الذهبية

تدور أحداث الفيلم في ثلاث سنوات متباعدة، 1999 و2014 و2025. تدور أحداث القصة الأولى في الفيلم في سنة 1999، في مدينة فينيانج شمال الصين، وهي أطول قصص الفيلم، حول الشابة تاو التي تجد نفسها عالقة في مثلث حب يجمعها مع صديقي طفولتها: ليانجزي عامل المنجم الفقير، وتشانج الذي عاد ثريًا بعد سنوات من عمله في تايوان، ويرغب كلاهما بالزواج منها، لكن قرارها باختيار أحدهما يعني أنها ستخسر الآخر، وربما إلى الأبد.

بعد ذلك ينقلنا الفيلم إلى عام 2014 في مدينة فينيانج أيضًا، لنتطلع على ثلاث قصص قصيرة متعاقبة، نرى في القصة الأولى ليانجزي وقد أصابه تليف في الرئتين بسبب عمله في المناجم، ولا يجد المال اللازم لإجراء الفحوصات اللازمة والعلاج، وأما القصة الثانية فنرى فيها وفاة والد تاو العجوز، بينما تسلط القصة الثالثة الضوء على علاقة تاو بابنها الوحيد داويل.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Going in Style".. هل يستحق المشاهدة؟

بعد ذلك ينقلنا فيلم Mountains May Depart نقلته الزمنية الثالثة، إلى عام 2025، وينقلنا مكانيًا أيضًا من مدينة فينيانج الصينية إلى أستراليا، لنرى قصة الشاب دولار، وهو شاب أسترالي من أصول صينية، ابن رجل أعمال صيني فاسد يدعى بيتر، وتنقسم قصة دولار إلى قصتين، نرى في القصة الأولى علاقة دولار بأبيه، وفي القصة الثانية قصة حب تجمع دولار بكندية من أصول صينية مثله تعرف عليها في أستراليا.

كما نرى، فإن الفيلم يتنقل طوال مدته بين قصص كثيرة قد تبدو غير مترابطة إلا من تكرار بعض الشخصيات، وإن كانت شخصية تاو تعمل في الفيلم كالخيط الذي يربط جميع الحكايات سوية، وكأن هذه الحكايات محطات مختلفة تمر بها تاو في حياتها بشكل مباشر أو غير مباشر.

تسلط قصص الفيلم الضوء على أوجه مختلفة من حياة الصينيين في تلك الفترة الانتقالية بين نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين. فمثلًا تسلط قصة مثلث حب تاو وليانجزي وتشانج الضوء على معضلة الفقر والحب، وهل يستطيع الفقر الانتصار في الحب أمام المال في الصين. بينما تسلط قصة مرض ليناجزي الضوء على الفقر أيضًا من زاوية أخرى، دور الفقر في تدمير صحة الإنسان، ودوره في الحيلولة دون علاجه.

وفي قصة وفاة والد تاو نرى عدة مفارقات مضحكة مبكية، منها أن والد تاو الذي يتوفى في مدينة أخرى أثناء زيارته لصديق، يتطلب إعادة جثمانه إلى مدينة فينيانج تكاليف أعلى من تكاليف رحلة القطار التي أخذته إلى المدينة التي توفي فيها! وأما القصة التي تسلط الضوء على علاقة تاو وداويل، فنرى وجهًا آخرًا من أوجه سطوة المال على حياة البشر في الصين، ونرى "عقدة الخواجة" بشكلها الصيني، وضعف حضور الثقافة الصينية عند الجيل الناشئ.

وفي القسم الأخير من الفيلم المتعلق بدولار وأبيه رجل الأعمال الفاسد بيتر، نرى التباين الكبير في العلاقة بالمال وبالصين، بين الأب الذي عرف فقر الصين وديكتاتوريتها في حقبات مضت، وبين الابن الذي تربى على قيم الحرية في العالم الغربي؛ وفي قصة الحب التي يعيشها دولار، نرى قصة حب مغايرة في شكلها لقصة حب تاو في أول الفيلم، نرى قصة حب تليق بالمجتمع الغربي الحر.

اقرأ/ي أيضًا: عندما يقع الإنسان في مستنقع أفكار "البلابلابلا"

أعتقد أن ما كتبته هنا عن الفيلم رغم غزارته الظاهرية، لا يعدو كونه قراءة متعجلة لأفكار الفيلم عقب مشاهدة واحدة فقط، ولا يعبر فعلًا عن جميع أفكاره، فالفيلم مشغول بذكاء، وكل مشهد فيه لوحة فنية مليئة بالتفاصيل، ويحتاج أكثر من مشاهدة لسبر أغواره.

إن أهم ما يميز فيلم Mountains May Depart من وجهة نظري هو طريقة بنائه الغريبة تلك، المحاكية للحياة، الحياة التي في حقيقتها ليست قصة واحدة، بل مجموعة قصص مصطفة داخل قالب كبير يسمى العمر.

بفيلم "ربما تزول الجبال" نشاهد الشباب الصيني يفقد ارتباطه بهويته، إلا أن هنالك أشياء وإن زالت الجبال لا تزول، الحب على رأسها

ومقارنة بفيلم "لمسة الخطيئة" للمخرج جيا جانكي ، فإن ترابط قصص فيلم Mountains May Depart هنا أعظم منه في فيلم "لمسة الخطيئة" الذي يكاد ترابط قصصه مقتصرًا على الموضوع فقط؛ موضوع العنف في الصين المعاصرة، وهذه نقطة تحسب لصالح فيلم "ربما تزول الجبال"؛ ولكن وإن كان بناء الفيلم على هذه الطريقة هو أهم ما يميزه، إلى أن شعور أنك تشاهد مجموعة أفلام قصيرة لن يفارقك طوال مشاهدة الفيلم.

فأنت تعلم أنه بعد عدة مشاهد ستتغير حبكة الفيلم وزمانه ومكانه وربما شخصياته ومواضيعه، وهو شعور أجده منفرًا، ويضعف من ارتباطي بشخصيات الفيلم ومواضيعه. إن الأمر أشبه بسفرة مليئة بأصناف الطعام الشهي المختلفة، لكنك تعلم أنك لن تستطيع أن تأكل إلا لقمات قليلة من كل صنف، أن تذوق فقط.

أخيرًا بقي أن أشير إلى ذكاء عنوان الفيلم "ربما تزول الجبال" (Mountains May Depart). فنحن نرى في قصص الفيلم كيف أن الصين تتغير عبر السنين، وتصبح مثلها مثل أي دولة رأسمالية السطوة فيها للمال، ويفقد شبابها ارتباطهم بهويتهم الصينية، لكن في المقابل هنالك أشياء وإن زالت الجبال لا تزول، والحب على رأسها: حب الحبيب، وحب الابن، وحب الصين أيضًا، أشياء تلخصها كلمات أغنية أم كلثوم الشهيرة " واللي جوه القلب كان فى القلب جوه / رحنا واتغيرنا احنا إلا هو / هو نفس الحب وأكثر / هو نفس الشوق وأكثر".

اقرأ/ي أيضًا:
6 أفلام جريمة مبنية على قصص حقيقية
4 أفلام لبنانية مميزة عليك مشاهدتها