فيلم

فيلم "Me Before You": عندما تقتل السينما الأمل

لقطة من الفيلم

تحذير: يحتوي هذا المقال على وصف لأحداث الفيلم، بشكل يجعل القارئ على علم بحبكة القصة والأحداث المحورية في الفيلم المذكور، لذلك في حالة رغبة القارئ في مشاهدة الفيلم ينصح بالتوقف عن استكمال القراءة فورًا، والعودة إلى المقال بعد المشاهدة.

"الأمل؟ دعني أخبرك بشيء يا صديقي، الأمل شيء خطير، الأمل قد يدفع الإنسان إلى الجنون، لا فائدة منه في السجن". هكذا تحدث ريد، الذي جسده الممثل (مورجان فريمان)، حينما أخبره أندي دوفراين (تيم روبينز) عن أهمية التمسك بالأمل. كان الاثنان قد أمضيا عقودًا داخل سجن "شوشانك" اللعين والذي تدور أحداث فيلم The Shawshank Redemption بداخله، أحدهما بريء والآخر مذنب، ولكن لا قانون هنا ولا عدل ولا رحمة، فلماذا يتمسك الإنسان بالأمل إذا فقد كل هذا؟ وهل كان ريد محقًا؟

"الثورات تبنى على الأمل"، أو هكذا ظن جيلنا على الأقل، وحينما انتصرت الثورات المضادة، فقد معظمنا الأمل في كل شيء

"غدًا ستغني الطيور. كن شجاعًا وواجه الحياة" بهذه الكلمات البسيطة العميقة في معناها كان يحاول المتشرد، الذي جسده الممثل الأيقوني (شارلي شابلن)، إقناع المليونير الغريب الذي كان قد فشل للتو في محاولة انتحار جديدة، بعد أن أنقذه المتشرد من محاولة أخرى في الفيلم الشهير "City Lights"، هذا المليونير الثري كان يرغب في الانتحار ﻷنه فقد الأمل فثروته الكبيرة لم تجعله يرغب في الاستمرار في حياته، وكانت المفارقة أن المتشرد الفقير هو من لا يزال يرغب باستمرار الحياة له ولغيره، على رغم الكوارث التي يمر بها.

اقرأ/ي أيضًا: 5 دروس عن الحب من أفلام وودي آلن

فامتلاك ثروة كبيرة لا يشكل فارقًا حقيقيًا في رغبة الإنسان بالحياة من عدمها، بل قد يرغب الشخص بإنهاء حياته بنفسه أو بمساعدة غيره، رغم امتلاكه أموالًا طائلة ﻷنه ببساطة لا يرى سببًا لاستمرار حياته، فما هو الشيء الذي قد يجعل شخصًا ميسور الحال أو ثريًا ثراءً فاحشًا يقدم على الانتحار؟ أغلب الظن أنه شيء غير مادي، شيء لا تستطيع النقود أن تشتريه رغم أن الأموال -تقريبا- تشتري كل شيء في عالمنا اليوم، بعد انتصار الرأسمالية والنيوليبرالية في عالمي الاقتصاد والسياسة، ليصير أغلب سكان الكوكب في حالة مستمرة من السعار الاستهلاكي والسباق المادي المحموم، وهو ما عبر عنه الكاتب الأمريكي تشاك بولانيك في روايته الشهيرة "نادي القتال" التي صارت فيلمًا فيما بعد بمقولة: "الدعاية تجعلنا نشتري أشياءً لا نحتاجها بأموال لا نملكها بهدف إبهار أناس لا نحبهم".

إذًا في عالم يدور أغلب سكانه في الدورة المعتادة "اعمل - اشتري - استهلك - مت"، ما الذي يجعل شخصًا يملك الدنيا -حرفيًا لا مجازيًا- لثرائه الشديد يفكر في إنهاء حياته؟ هذا السؤال يجاب عنه بعد مرور دقائق قليلة من فيلم Me Before You.

تبدأ أحداث الفيلم باستعراض سريع للغاية لحياة الشاب ويل تراينور، يقوم بدوره (سام كلافلين)، الذي يحيا حياة بمثابة الحلم فهو محاسب ثري ووسيم، ويعيش علاقة غرامية مستقرة، وفجأة تتبدل الأحوال تمامًا حيث يتعرض لحادثة دراجة نارية تصيبه بالشلل التام. يمر عامان على تلك الحادثة لينتقل بنا الفيلم إلى حياة لويزا، تقوم بدورها (إيميليا كلارك)، الفتاة التي تنتمي إلى الطبقة العاملة لتعيل عائلتها، وتبدو مقبلة على الحياة على رغم تعرضها لمشاكل عدة -كفقدانها لوظيفتها كنادلة في أحد المقاهي على سبيل المثال- فتقرر البحث بلا يأس عن وظيفة أخرى لينتهي بها المطاف إلى العمل لدى عائلة ويل جليسة لابنهما.

ويضعنا الفيلم أمام حالة كلاسيكية من الدراما، حيث الصراع بين شخصين ينتميان لعالمين مختلفين تمامًا على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. فهو ثري وهي فقيرة، هو سافر إلى جميع أنحاء العالم وله أماكن مفضلة بعينها مثل مقهاه المفضل في باريس الذي يخبرها عنه، بينما هي تقضي حياتها بين العمل والمنزل الذي لا تخرج منه كثيرًا، وهو أيضًا شاهد العديد من الأفلام الأجنبية بينما هي تبدو مستهجنة لفكرة مشاهدة فيلم وقراءة ترجمته في نفس الوقت.

لحظات الصدام بين شخصين مختلفين تمامًا كهذه، ومحاولات التقارب بينهما، هو ما يستحوذ على النصيب الأكبر من وقت الفيلم لكن يحظى المشاهدون بالصدمة الأولى حينما تعلم لويزا دون قصد، بالجدل الدائر بين والدي ويل حول رغبة ابنهما بإنهاء حياته. والده موافق على الفكرة، ويرى بأنه يحقق رغبة ابنه في إنهاء ألمه الذي لا يتوقف، فلا أحد يحب أن يحيا قعيدًا هكذا. الأم على الجانب الآخر، لا ترغب في موت ابنها على الإطلاق وتأمل في أن يرغب في الاستمرار بالحياة.

هذا النقاش الحاد الذي لم يرغب القائمون على الفيلم بالتوسع فيه وفضلوا إنهاءه سريعًا، كان من الممكن أن يكون مادة خصبة للغاية لنقاش فلسفي واسع حول هل من حق الإنسان الانتحار؟ وهل يعد هذا الفعل أخلاقيًا بالنظر إلى اعتبارات مختلفة كالدين والفلسفة والعاطفة والعلم؟ كان من الممكن أن يكون هذا النقاش حاضرًا ولو على استحياء، ولو بصورة غير مباشرة -فلا يمكن للعمل الفني أن يتحول إلى محاضرة جامعية بالطبع.

اقرأ/ي أيضًا: أضخم 10 أفلام 3D ستعرض في 2017

لكن صانعي الفيلم أنهوا هذا النقاش بين الأبوين، اللذين يمثلان وجهتي نظر مختلفتين، بشكل سريع ومقتضب لينتهي الأمر بإذعان الأم لرغبة الأب وهو أمر غريب أيضًا في سياق الثقافة الغربية المعاصرة، حيث ليس من المعتاد أن ترى امرأة تخضع لرأي زوجها بهذه البساطة، دون مزيد من النقاش والدفاع المستميت عن رأيها، بل قد يتطور الأمر إلى ما لا يحمد عقباه، والمتابع الجيد للمسلسلات والأفلام الاجتماعية الأمريكية والأوروبية، يرى بيوتًا تنهار وأسرًا تتفكك وأزواجًا ينفصلون، لأسباب أقل وطأة من هذه بكثير. وحتى في السياق الشرقي صار هذا الأمر معتادًا في الآونة الأخيرة فكيف إذا تعلق الأمر بقضية بالغة التعقيد كهذه، ويتعلق بها مصير إنسان بين الحياة والموت؟! لعل هذه نقطة ضعف كبيرة أخرى في الفيلم.

يضعنا فيلم me before you أمام حالة كلاسيكية من الدراما، حيث شخصين ينتميان لعالمين مختلفين على المستويات الاجتماعية والفكرية

لا تستسلم لويزا وتقرر أن تجعل ويل سعيدًا للغاية في الفترة المقبلة، وأن تشعره بأن الحياة تستحق أن يعيشها المرء، فعلى رغم آلامها، هناك آمالاها أيضًا. وتتصاعد التفاعلات بينهما حتى يغرم ويل بلويزا. هنا وعلى عكس المتوقع، بل الطبيعي والمنطقي، من أن حب لويزا ورغبتها في البقاء مع ويل سيجعلان نظرته تتغير للحياة فيقرر الاستمرار في العيش، ولكن على عكس هذا تمامًا يصر ويل على إنهاء حياته رغم مصارحته للويزا بعشقه لها، وينتهي الفيلم بقراءة لويزا لرسالة كتبها لها لتقرأها بعد موته، يطلب منها أن تعيش حياة جيدة.

تلك النهاية الغريبة أثارت استهجانًا واسعًا، ليس فقط على شبكة الإنترنت، بل أيضًا في الواقع حيث قامت مظاهرات واحتجاجات نظمتها جمعيات خيرية وطبية، تعمل في مجال مساعدة وإعادة تأهيل الأشخاص المصابين بالشلل الجزئي أو الكلي، ضد الرسالة الضمنية التي تحملها تلك النهاية وهي: "أن الأشخاص العاجزين من الأفضل لهم ولغيرهم أن يموتوا".

 ينبغي الوقوف أمام عدة حقائق أخرى وهي أن الفيلم قد حقق أرباحًا لا بأس بها، نفس الشيء ينطبق على الرواية المبني عليها أيضًا، ونال عددًا من التقييمات النقدية الجيدة من النقاد والجماهير، وفي هذا مؤشر غريب فنجاح فيلم كهذا برسالته السلبية تلك، لا يعني سوى أن هناك حالة عامة من فقدان الأمل والإحباط المنتشرين بين الناس، وخصوصًا في الأجيال الشابة بحكم أن أغلبية مرتادي السينما ومشاهدي الأفلام ينتمون لتلك الفئة العمرية فما هو السبب وراء هذا؟

"- إذا كانت الإمبراطورية لديها هذا النوع من القوة، فأي فرصة لدينا؟

 - لدينا الأمل، الثورات تبنى على الأمل".

فيلم Me Before You حقق أرباحًا لا بأس بها، نفس الشيء ينطبق على الرواية المبني عليها، ونال عددًا من التقييمات النقدية الجيدة

بهذه الجملة السابقة تنهي جين إرسو، تجسدها (فيليسيتي جونز)، أي خوف من المستقبل لدى باقي الثوار الذين يستعدون للقيام بثورة ضخمة على الإمبراطورية الشريرة، التي تحكم المجرة بأكملها في فيلم Rogue one الجزء الأخير من سلسلة أفلام الخيال العلمي الشهيرة Star Wars أو "حرب النجوم"، حيث يعتبر هذا الجزء بمثابة جزء تمهيدي لباقي السلسلة.

"الثورات تبنى على الأمل"، أو هكذا ظن جيلنا على الأقل، وحينما انتصرت الثورات المضادة على كل ثورات الربيع العربي وعادت الأنظمة القديمة بوجوه جديدة، لا تقل قبحًا عن سابقيها بل تزيد، فقد معظمنا -إن لم يكن كلنا- الأمل في كل شيء. فلم يعد من الغريب أن ترى أشخاصًا كانوا في قمة التفاؤل يتحولون إلى عدميين تشاؤميين. ومن كان ينتمي لتيار ديني يرى المصائب ابتلاءات، صار ملحدًا عاطفيًا، وأقدم البعض بالفعل على الانتحار، وانزوى آخرون في أركان اهتمامهم بشؤونهم الشخصية بعد أن كانوا أبرز المهتمين بالشأن العام يأسًا من محاولة أي تغيير في الأوضاع، فلا غرابة إذًا أن يحقق فيلم كهذا نجاحًا ويشهد إقبالًا، فرسالته السلبية لها صدى من قبل أن تتردد على مسامع الناس حتى!

اقرأ/ي أيضًا: "الفتاة المجهولة".. أحداث عادية في سياق غير عادي

"إنَّ الملحدين لا يعانون ولا ينتحرون ولا يملؤون مستشفيات الطب النفسي، وكذلك الأمر بالنسبة لنقيضهم، أي المؤمنين. إلَا أن هناك نوعًا ثالثًا هم التعساء حقًّا، هؤلاء الذين يحاولون ولا يَصلون، هؤلاء الذين تكون أرواحهم وعقولهم في صراع دائم غير قابل للحل. فالعالم بالنسبة لهم ليس منطقيًا ولا مفهومًا، وهو بلا معنى لأنه سرمدي وخاضع لقوانين الحركة والتغير الأبدية. وحيث إنهم يحاولون أن ينظروا بأرواحهم وليس بعقولهم فإنهم لا يرون إلَّا "رعبًا كونيًّا"، وأرضًا خرابًا وفراغًا لا معنى له. هؤلاء هم الذين يخرج منهم أصحاب الفلسفات العبثية والتشاؤمية والعدمية. المؤمنون يحاولون ويَصلون، والملحدون لا يحاولون ولا يَصلون، أما أصحاب النوع الثالث فيحاولون ولكن لا يَصلون. والحالات الثلاث جميعًا تدور حول العلاقة بين الروح والعقل، وعند بعض الناس تكون السيادة للروح، وعند البعض الآخر تكون السيادة للعقل، أما عند النوع الثالث فالروح والعقل في صراع دائم بلا نهاية أو نتيجة". (على عزت بيجوفيتش - هروبي إلى الحرية).

ربما من كلام بيجوفيتش السابق، يمكن أن نلتقط الخيط في محاولة لتفسير فقدان الأمل عند الشرق والغرب، ففي الشرق فشلت محاولات التغيير من خلال الثورات، وفي الغرب فشلت النظم القائمة في حل مشاكل كثيرة سياسية واجتماعية واقتصادية، ومما زاد الطين بلة هو عودة اليمين المتطرف للحكم هناك كما لو كنا على أعتاب حرب عالمية جديدة.

باختصار يمكن القول بأن الأجيال الجديدة في معظم أرجاء العالم تشعر بالإحباط ﻷسباب مختلفة لا يتسع المجال للحديث عنها هنا، ولكن بالعودة إلى أحداث الفيلم فهل فقط إصابة ويل بالشلل هي السبب وراء رغبته في الانتحار؟

هناك أيضًا أمر مروع للغاية، فبالإضافة لكونه غير قادر على القيام بأي شيء كان يستطيع فعله قبل الحادثة، فقيام الفتاة التي كان يحبها سابقًا بالزواج من أعز أصدقائه بل ودعوتهما له ليحضر حفل زفافهما دون أي مراعاة لمشاعره، في تصرف استفزازي للغاية، ربما يكون سببًا إضافيًا في زيادة رغبته بإنهاء حياته. الفيلم لم يعرض أسبابًا أخرى يمكن تناولها، ولكن علينا الآن طرح السؤال الأهم: هل هذه الأسباب -على بشاعتها- كافية لإقدام شخص مثل ويل على الانتحار؟

"تذكر يا ريد، الأمل هو شيء جيد، ربما أفضل الأشياء، ولا شيء جيد يموت" من رسالة أندي دوفراين لريد في فيلم The Shawshank Redemption.

اقرأ/ي أيضًا: "توني إردمان".. ضد الرأسمالية الأوروبية الجديدة

علق الكثير من الأشخاص القعيدين على صفحة الفيلم باستياء، معبرين بوضوح عن أن الحياة بها الكثير من الأشياء التي تستحق أن يحيا المرء من أجلها. نعم، هناك أوقات وآلام تجعل المرء يشعر بأن باطن الأرض خير له من ظهرها، قد يكون الإصابة بمرض ألزهايمر كما في فيلم Still Alice أو الإصابة بالعمى كما في فيلم Scent Of A Woman أو التسبب بشكل خاطئ في مقتل أولادك كما في في فيلم Manchester By The Sea، ولكن من قال إن الإنسان حينما تتحكم فيه مشاعر الألم بتلك الدرجة يكون مؤهلًا لاتخاذ قرار كهذا؟

في الشرق فشلت محاولات التغيير من خلال الثورات، وفي الغرب فشلت النظم القائمة في حل مشاكل كثيرة سياسية واجتماعية واقتصادية

إذا كان المرء مؤمنًا، فالأسباب الدينية التي تجعله يصبر على ما هو فيه معروفة ولا تحتاج لإعادة ذكرها، أما في حالة عدم إيمانه فهناك مثال من الواقع تم تجسيده في فيلم أيضًا لحالة مشابهة للغاية لحالة ويل وهي قصة الفيزيائي الشهير ستيفين هوكينج في فيلم The Theory Of Everything فعلى رغم كونه ملحدًا، صمم على أن يبقى حيًا ويستمر في أبحاثه العلمية رغم أن زوجته ظلت ثابتة على إيمانها، وربما كان هذا جزءًا من تأثيرها عليه. وهناك أيضًا فيلم The Intouchables الذي يحكي القصة الحقيقية لتفاعل ثري فرنسي قعيد مع شاب أفريقي فقير اعتني به، وكيف جعله مقبلًا على الحياة بل وساعده على الزواج وتبني أطفال وتكوين أسرة، رغم كونه عاجزًا عن الحركة تمامًا.

وكون هذه الأفلام مبنية على قصص واقعية، لهو خليق بأن يجيب على التساؤل المطروح في بداية المقال: "هل هناك أمل في التمسك بالأمل؟"، مشاهدة الفيلمين السابقين وكيف حققا الشخصان بمساعدة آخرين أصحاء يحبونهم -تمامًا كما أحبت لويزا ويل- انتصارات كثيرة في الحياة، رغم شللهم الكلي كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال، وكفيلة أيضًا بإعادة إحياء الأمل في الواقع الممتلئ بالظلام ﻷن الواقع أيضًا يخبرنا بأن العجز الحقيقي يكمن في العقول لا في الأجساد. ففيلم Me Before You ليس غير واقعي فقط لأنه مبني على رواية خيالية بل ﻷنه أيضًا يقتل الأمل الذي أحيته أفلام أخرى مبنية على قصص حدثت بالفعل.

اقرأ/ي أيضًا:
فيلم "الجمال العظيم".. عالم يحجبه الحنين
فيلم "Silence": هل يستحق المشاهدة؟