فيلم

فيلم "Man to Man".. في البدء كان الإنسان أم القرد؟

من الفيلم (IMDB)

فيلم "Man to Man" دراما تاريخية (إنتاج 2005) أخرجه ريغيز وارنيير وبطولة جوزيف فينيز. يتعامل السيناريو مع رجل في فريق من العلماء الفيكتوريين يجرون أبحاثًا في أفريقيا. ويثير بعض التساؤلات على ما كانت عليه الأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر، قبل أن يتكون احترام وفهم لمظاهر الرقص القبلي عند قبائل أفريقيا وغيرها، وقبل التقبل الإنساني للثقافات والحضارات الأخرى.

يثير فيلم "Man to Man" التساؤلات حول عنصرية الأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر

يقدم الفيلم بعض الإشكاليات المثيرة للاهتمام حول القضايا الاجتماعية والعلمية والدراما الإنسانية الوجودية. لكنه يتجاهل عدم إمكانية القدرة على قول كل شيء في فيلم واحد، وهذا ما يجعل الفيلم هشًا وغير مرتكز على قضية واحدة محددة أو عدم قدرته على معالجة إشكاليته بشكل موضوعي، إضافة إلى انحياز الفيلم للدين لا للعلم.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "كفر ناحوم".. أطفال أرض البؤس

إن طرح الفيلم قوي لكنه فضفاض لأنه يتناول عدة قضايا في نفس الوقت، ويطمح الفيلم الى أن يكون أكبر وأهم مما هو عليه، إلا أنه يفشل في ذلك، ومهما كانت الملاحظات النقدية كمدة الفيلم الطويلة بعض الشيء (ساعتان ودقيقتان)، وركاكة معالجة إشكاليته، وتقلبات الشخصيات دون مبرر حيث نلاحظ أن جايمي تحول بسرعة كبيرة من من عالم بلا قلب يأسر القزمين إلى شخص عاطفي مناصر لقضيتهما بشكل مفاجئ ودراماتيكي. بالرغم من ذلك إلا أن هذا الفيلم يستحق المشاهدة.

قصة الفيلم

إنه العام 1870، يفرح الدكتور جايمي دودد بنجاحه في أسر شخصين من الأقزام السود في وسط أفريقيا أثناء رحلته الاستكشافية ودراسة خصائص القبائل. ويقوم بجلبهم إلى أسكتلندا لإجراء بحوث عليهما بمساعدة إيلينا فان دن إندي، وهي امرأة مغامرة تبيع الحيوانات البرية إلى حدائق الحيوانات في أوروبا.

أصدقاؤه علماء الأنثروبولوجيا، ألكسندر أوشينلك وفرايزر ماكبرايد متأكدان من أن الدكتور جايمي قد اكتشف الحلقة المفقودة، أو الرابط المفقود الذي سيجعلهما مشهورين، ويعتقدان أن الأفارقة ربما يكونون هم الرابط بين الإنسان الحالي الحضاري والقردة الأولين الذي تحدر منهم الإنسان الكامل. وتحيل كلمة الأنثروبولوجيا في أصلها اللاتيني إلى دراسة سلوك الإنسان ونشاطه.

ويبدأ العلماء بفحص زوجي الأقزام من كل زاوية ويكتشف جايمي تدريجيًا أن الزوجين (توكو وليكولا) حساسان وذكيان مثلهما مثل أي جنس آخر من البشر. يرفض زملائه ألكسندر وفرايزر بشدة هذه الفكرة لأنها ليست الحقيقة بنظرهما. يدخل جايمي في صراع مع صديقيه حول الحل المناسب للتعامل مع الأقزام. فهل سيكون جيمي قادرًا على إثبات أن الشخصين القصيرين هما من البشر الحقيقيون وليسا مجرد مخلوقات همجية ليتم عرضهما في حديقة الحيوان باعتبارهما نموذجين للإنسان الأولي الهمجي؟

بينما يصر كل من ألكسندر وفرايزر على نظريتهما المفترضة بأن القزمين هما الحلقة المفقودة في سلسلة تراتب البشرية عبر العصور والأجيال ويصرون على إكمال البحوث والفحوصات لهذين القزمين لأانهما بمثابة اكتشاف علمي مذهل سيشكل منعطفًا تاريخيًا للعلم.

يجد جيمي أدلة على الذكاء في الزوجين، لكن شركاءه لا يريدون تدمير نظريتهم، وهم يسجنون جيمي ويسافرون مع صغار السن لتقديمهما الى المثقفين الأوروبيين وعرض دراستهما ونظريتهما التي يزعمون فيها اكتشاف نوع إنساني جديد في سلسلة التطور البشري. يحاول جيمي دون جدوى إعادتهم إلى أفريقيا، لكنه يعاني من مشاكل خطيرة مع المجتمع المتحضر.

يقدم فيلم "Man to Man" فصلًا من القصة المؤلمة لمسيرة اعتقاد المجتمع الغربي أنه متفوق على الأجناس الأخرى

ومع ازدياد استيعاب الأقزام للجمهور، يبدآن بالتفاعل مع جايمي دوود مما يثبت أن القزمان لديهما إحساس وهما عاقلان كما بقية البشر بينما يرفض ألكسندر وفرايزز رؤية جايمي ويبدأ الصراع بينهما حول مصير هذين الزوجين.

من هو الإنسان المتحضر؟

يسلط الفيلم الضوء على العديد من الجوانب الإنسانية، فهل من الصواب التضحية بالحياة البشرية من أجل تقدم العلم؟ ما هي الحقوق التي يجب أن تحصل عليها الكائنات الحية؟ كيف نوازن بين إرضاء فضولنا العلمي وبين استغلال الآخرين؟ هل من اللائق ارتكاب جريمة بحق شخص آخر من أجل تحقيق غايات يعتقد أنها مفيدة للإنسانية جمعاء؟ هل يمكن التضحية بالفرد في سبيل المجموع البشري؟ يحرك الفيلم الكثير من الأفكار حول الحياة والأخلاق والقضايا الوجودية الكبرى.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم Sleeping Beauty.. ازدواجية الجنس والموت

يبين الفيلم النظرة النمطية البدائية للأقزام والقبائل ويتم استخدام طرق متطورة من قبل العالمين لدراستهما ويجعلان منهما فئرانًا للتجارب. يقوم العالمان الإنثروبولوجيان ألكسندر وفرايزر بحبسهما في قفص كالحيوانات في مختبر تحت الأرض، ويقومان بقياس طولهما وحجم جمجمتهما كما يقومان بتخديرهما تمهيدًا لفحص أجسادهما كاملة وتشريح وتصنيف أعضائهما التناسلية.

أحد العلماء قال: "أشعر بالفرح حين أكتشف نظرية تنسف نظريتي لتحل محلها. هدفي هو الحقيقة والمعرفة سواء صدرت مني أم من غيري". وهكذا نشب الصراع بين جايمي في مقابل ألكسندر وفرايزر حول المصداقية العلمية وأخلاقية العلم وحدوده. يقول فرايزر"يجب التضحية بالفرد في سبيل الجماعة، ويجب إكمال البحوث على القزمين سواء كانا أحياء أم ميتين في سبيل خدمة النوع الإنساني والعلم". وتشكل تجارب الأسلحة في العالم الحديث نموذجًا آخر يقف العلم فيها على المحك بين أخلاقيته والشر المتفلت منه.

بينما يرد جايمي برفض نظريتهما بعد تأكده أن القزمين يمتلكان خصائص إنسانية فطرية كالإحساس وغريزة الجنس والأمومة والإنجاب. فكيف يمكن أن يصبح العلم خطيرًا عندما يفقد العلماء تعاطفهم مع الأشخاص الذين يختبرونهم؟ وكيف يمكن أن يؤدي ذلك إلى حالات غير إنسانية يفتك فيها البشر "المتحضرون" بالشعوب والقبائل لمجرد عدم فهم ثقافتهم.

إنها قصة مؤلمة لعصر من الزمن اعتقد فيه المجتمع الغربي أنه متفوق على الأجناس الأخرى، كما يظهر التصورات الاستعمارية للمجتمع العلمي في الغرب في تلك الأيام. إن المتوحشين الحقيقيين ليسوا زوجين من الأقزام، بل أولئك الذين لا يريدون أن يؤمنوا بأنهما بشر مثلهم. الهمجيون الحقيقيون هم من يظنون أنفسهم وحدهم المتحضرين ويعاملون الأقزام كما لو أنهم ليسوا بشرًا، لكن نوعًا ما من الجنس الذي يشكل صلة  بين الإنسان والقرد فقط لا غير.

يبين الفيلم في أحد المشاهد تعقيدات التكيف مع بيئة غريبة وعدم قدرة المجتمع الغربي على تقبل الأقزام، مما يجعل دراستهم الأنثروبولوجية أكثر صعوبة، ذلك أن سكان المنطقة يظنون أن القزمين جلبا النحس والشر إلى البلدة ويقررون التخلص منهما ويتم قتل القزم/الرجل عبر طعنه من قبل سكان البلدة.

هل الله موجود؟

في القصة رسالة عنصرية مباشرة تتعلق بنظرة الرجل الأبيض "المتحضر" لذوي البشرة السوداء "الهمج"، ورسالة قائمة على الصراع بين نظرة العلم ونظرة اللاهوت لنشأة الإنسان. يتعلم الرجل الأبيض ويمثله جايمي أن الزوجين السود اللذين اختطفهما من أفريقيا للتظاهر في حديقة حيوانات ليس لحيوانات، بل لكائنات بشرية.

ينحاز فيلم "Man to Man"، في رسالته غير المباشرة، إلى فكرة وجود الله، عبر وجود الكلمة/الروح كما في الديانات الإبراهيمية

يقوم جايمي بتطوير علاقة إنسانية مذهلة مع الأقزام ليثبت أن لديهما فطرة إنسانية أو طبيعة أولية ثابتة كسائر البشر. في أحد المشاهد في حديقة الحيوان يثبت جايمي أن الأقزام بإمكانهما التفكير والاستيعاب وذلك من خلال تأدية عرض مسرحي معهما أمام الجمهور، مما يستفز كل من ألكسندر وفرايزر ويحبطهما ويصبحان قساة وخطرين وأكثر إصرارًا على نظريتهما، حتى لو تطلب ذلك منهما خطف القزمين وسجن جايمي وإجهاض المرأة/القزم عبر تخديرها وتشريحها. 

اقرأ/ي أيضًا: فيلم The Lobster: دكتاتورية المجتمع على الفرد

لكن ما الهدف من وراء ذلك؟ إن نقض نظرية النشوء والتطور للحياة هو بمعنى آخر انحياز لفكرة وجود الله. لا يطرح الفيلم ذلك مباشرة بل يلتف بطرحها بطريقة غير مباشرة أو مواربة. فما دام جميع البشر سواسية في كل العصور، وما دام هناك طبيعة أصيلة لدى البشر أو طبيعة فطرية أولية، فهذا يعني أن نظرية التطور العلمية غير صحيحة، ذلك أن التطور يفترض أن يتم من الأدنى إلى الأعلى أو من الأقل تطورًا إلى الأكثر تطورًا، إذ لا بد من تسلسل ما تتضمنه نظرية التطور.

هكذا فإن الفيلم في رسالته غير المباشرة ينحاز لفكرة وجود الله، عبر وجود الكلمة/الروح كما في الديانات الإبراهيمية "في البدء كانت الكلمة" وليس الفعل. الوجود الإنساني إذًا معد سلفًا وليس خاضعًا للتطور، ولا بد من واضع لهذه الكلمة/الروح والنتيجة في نظر الفيلم هي الله.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

موسم للسنوات الأخيرة في حياة السينما السوفييتية

فيلم "The First Man".. جاذبية الحلم والفضاء!