فيلم

فيلم "Love Like the Falling Rain".. العذوبة المدوخة لـ"أنا أحبك" الصغيرة

من الفيلم (IMDB)

في كتابه "فن الحب"، عمد الفيلسوف وعالم  النفس إيرك فروم إلى وضع مقاربة فلسفية للحب، قوامها القبض العقلاني على الظاهرة عبر الأفكار، بقصد التوصل إلى الطبيعة الجوهرية لظاهرة الحب عند جميع الناس، بغرض النظر عن الفوراق الاجتماعية والحضارية بينهم. فعلى الرغم من الطابع الشخصي للحب، كما الجانب المتفرد لكل حالة من حالاته، ناهيك عن الصعوبة المتأتية من مقاربة ظاهرة غير عقلانية، بلغة العقل والفكر، فإن فروم نجح في القبض عليها عبر ثنائية الانفصال والاتصال البشري مع الأم. فما  علاقة المرء بأمه وفق هذا التصور سوى حالة انفصال دائم عنها، مرة على شكل انفصال بيولوجي أثناء عملية السقوط من الرحم، ومرة أخرى عبر عملية عشرات حالات الانفصال عن رحمها الاجتماعي، الذي تقتضية عملية النضج الذاتي والتعرف على ذات في عزلتها الجديدة. فإذا ما قدر للمرء الناضج أن يتعرف على نفسه كمطرود من الجنة الأمومية، فإن الحب في هذه الحالة لا يعدو عن كونه وسيلة للعودة إلى ذلك الرحم الرمزي، أي حالة الإشباع العاطفي والجسدي، عبر بوابة الاتصال مع الشريك الآخر.

عمد إيرك فروم إلى وضع مقاربة فلسفية للحب، قوامها القبض العقلاني على  الظاهرة عبرالأفكار

في الفيلم الأندونيسي "Love Like the Falling Rain"، يعرض حاليًا على نتفلكس، المقتبس من رواية الكاتب بوي كاندرا، تقارب المخرجة ليسياف سوساتيو الحب من منظور مختلف. فكل حب يضطرم في صدورنا يظل مجرد زفرة داخلية لا معنى لها إذا لم يبادر صاحبه لنقله من حالة الوجود بالقوة إلى حالة الوجود بالفعل، أو بلغة أخرى؛ إذا لم يتم التصريح عنه بشكل علني ومباشر أمام الشريك الآخر عبر الصغية الشعبية الأكثر رواجًا "أنا أحبك".

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "I’m Thinking of Ending Things".. حكاية سجينٍ في خياله

في بداية الفيلم تظهر نارا طالبة الرقص الشعبي مفعمة بالحياة، تأكل الآيس كريم وتتسلى، لا تثنيها عن حيويتها تلك حادثة الاصطدام الأرعن مع جيندو الذي سيجعل منه القدر حبيبها المفضل، وبين صديقها وجار طفولتها كيفين الممتلئ بحبها والعاجز في الوقت نفسه عن الإفصاح عنه. قرب ملعب التنس ستواصل نارا تحركها صوب قلب زميلها الجامعي كينيو الذي لا يعير مشاعرها أية اهتمام. ها هي تجلس على الأرض، وكيفين الملتاع إلى جانبها،  تبث له خيبة أملها إتجاه ذلك الكينو المتحجر المشاعر، الذي لا يعرف من  الدنيا سوى الاستسلام لتفوقه الجامعي في كل شيء، فيما ينهض كيفين المسكين بدور الراعي الأبوي لمواجعها. 

يلجم الخوف لسان كيفين، العاشق الولهان، غير القادر على الإفصاح عن حبه لنارا. ينحدر خوف كيفين من رعب الانفصال، من الخسارة، خسارة الشخص الذي يتعتقد جازمًا أنه الوحيد القادر على ملء نفسه فيه، المؤهل الوحيد للعودة معه إلى روعة الجنة المفقودة المتمثلة بالحب الأمومي المطلق، الخارج عن كل شرط وكل قيد. تتحرك نارا وفق منطق الخوف أيضًا، لكنه خوف من نوع آخر، إنه ذلك الخوف الناشئ من معاينتنا لنواقص وعيوب ذواتنا، التعرف على هشاشتنا الداخلية عن كثب، المتمثل بعدم القدرة على أن نكون مكتفين بأنفسنا، بحاجتنا النفسية للاتحاد مع آخر غيرنا.

يتحرك جيندو الخارج من قصة حب فاشلة ببطء، تجذبه وضعيه نارا في دروس الرقص، يقع في إغواء جسدها، لكنها يقاوم، يراوغ يفضل التلصص على الاعتراف، خوفه العميق من المرور بتجربة الهجر مرة أخرى يمنعه، يشل قدرته على الحب أو الاتصال. يحاول جيندو الاعتراف بحبه لنارا ولكنه يفشل، وعندما ينجح أخيرًا بالتفوق على مخاوفه، تقبل نارا اعترافه، تأخذه على محمل الجد، تنمو الثقة بينهما، يتبادلان الوعود بأن يكون حبهما كبيرًا،عاصفًا، أبديًا، عصيًا على الزمن وأناته.

إذا كنا غير قادرين على الاستحواذ على من نحبه، فلنكن على الأقل بئره المخبوءة، لنكن أصدقاءه، يلقي فينا ما يفيض عن  أفراح وآلام نفسه

مسكين هو كيفين يحب نارا ويعجز عن الاعتراف لها بحبه، أن يمنحها وعدًا أبديًا بأن يكون آخرها الذي تكتمل به، يرى حبها السعيد والحار لجيندو فيتألم، يسقط في لجة اليأس. يقف كيفين أمام مرآة ذاته ويستكين لخسارته، يبرر تلك الخسارة يرفعها إلى مستوى العزاء، فإذا كنا غير قادرين على الاستحواذ على من نحبه، فلنكن على الأقل بئره المخبوءة، لنكن أصدقاءه، يلقي فينا ما يفيض عن  أفراح وآلام نفسه.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "كارديك".. الرغبة بتغيير العالم

تجمع نارا المجد من أطرافه، فها هي تحب جيندو بعمق، تكتمل به من جهة، ومن جهة أخرى تلقي القبض على كيفين كصديق، كراع، كأم كبرى، كمستودع أسرار عظيم. فما الذي يجعل نارا راغبة بالاثنين؛ جيندو وكيفين، الحب والصداقة. ترغب نارا بالحب لأنها تريد أن  تكون محبوبة من آخر خارج ذاتها، فبدون وجود لآخر خارجي لا وجود لحب، كما لا وجود لرغبة ذاتية بامتلاكه، بالاستحواذ عليه كلية، جسدًا وروحًا.

في الحب يكتشف المرء زمانية ذلك الشعور، أي الإمكانية الواقعية لتلاشي ذلك الحب، نقصانه كما تبدده إلى الأبد، لذلك نراه يحتاط، يسعى جاهدًا للحصول إلى حب لا ينضب، فنراه يعثر عليه في الصداقة. الصداقة متماثلة مع الحب في كل شيء إلا في تبددها من جهة، كما تعاليها على الحاجات الجسدية للصديق من جهة آخرى. يالروعة الصداقة، فما هي إلا حب صاف دون غاية، يشبه إلى حد كبير حب الأم لطفلها، ذلك الحب المطلق غير المعلق على شرط أو منفعة.

تخبرنا علاقة كيفين بتيارا، بالطابع الشخصي للحب، بتعلقه بشخص محدد سلفًا، بعدم قابليته للنقل أوالاستبدال. فعلى الرغم من قناعة كيفين باستحالة استعادة نارا كونها قد صارت مرتبطة بعمق مع جيندو، إلا أنه يعجز عن نقل مشاعره إلى الفتاة إلى تيارا، بل حتى أن يعجز عن مبادلتها بأي مشاعر حب حقيقية، الأمر الذي يجعله يعيش في مواجهة ألمين ضاغطين، ألم خسارة نارا وألم عدم قدرته على مبادلة تيارا مشاعرها.

كان يمكن لحب كيفين أن يظل مجرد زفرة ألم،  ذكرى لشخص عاجز، لولا تدخل القدر، ذهاب جيندو إلى تسلق الجبال ومن ثم موته هناك. في مشهد رعاية كيفين لنارا، نرى الشاب موزع بين عاطفتين، عاطفة الرجل المحب والعاشق، الذي يرغب بالتوحد مع شريكته التي تظل تنأى عنه، وعاطفة الصديق الوفي الذي يصر على  تقديم مشاعر حبه الأمومي على كل حب شبقي أو متعوي.

يالروعة الصداقة، فما هي إلا حب صاف دون غاية، يشبه إلى حد كبير حب الأم لطفلها، ذلك الحب المطلق غير المعلق على شرط أو منفعة!

في جوهره يبدو الفيلم ذو طابع تربوي، يرغب بحض الشباب اليافعين للتعبير عن مشاعرهم دون أن يسمح لها بأن تتجاوز مشاعر الحب العذري، الأمر الذي يفسر خلو الفيلم من أي مشهد شبقي، رغم قوة المشاعر الشبقية عند أبطاله الجامعيين. فالقبلة التي تظهر بالفيلم مجرد قبلة على الرأس، فيها كل الطابع المتحشم والعذري، وكما في القبلة كذلك في الرقص، فإن الرقص أقرب ما يكون لحالة التوق لأخر لا يمكن الإمساك به يد بيد أو مواجهته وجه لوجه.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Her".. هل يمكن أن تنشأ علاقة عاطفية بين الإنسان والآلة؟

يلف الفيلم ويدور لينقل لنا العذوبة المدوخة لعبارة "أنا أحبك" الصغيرة، إنه يقترب منها دون أن ينجح في عرض سحرها الباذخ. ففي نطق العاشق للأنا، أناه الخاصة، تعلن ذاته العاشقة عن حضورها من أجل ذات محددة، فما حضوره عبر هذه الأنا سوى دعوة من شخص لآخر يرغب باصطحابه معه على طريق الجنة الأمومية المفقودة. على صعيد آخر، تحتوي الكملة" أحبك" على طاقة موحية، أنها تضعنا وجه لوجه أمام شخص يقدم لنا عرضًا، صحيح أن اللغة مواربة، إلا أنها مع ذلك  قابلة للتفسير. إنها تضعنا أمام شخص  يقسم لنا أنه لم يوجد إلا من أجلنا، وأن وجوده المتعين  هذا سيستمر إلى أبد الأبدين. إن يحضر ليغوينا، لنصدقه، وإننا لنفعل نأخذ أوهامه على محمل الجد، ننام ونصحو مثله على أوهام أبدية متخيلة وفاتنة كالسحر.

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "Tall Girl".. حين يحدّد الجسد هويتنا

فيلم "Operation Finale".. الهولوكوست في رؤية صهيونية