فيلم

فيلم "Le Redoutable".. جان لوك غودار الذي لم نتوقع

لقطة من الفيلم

يأتي فيلم المخرج الفرنسي ميشيل هازانافشيوس الجديد "المُهيب"، ليروي حكاية المخرج الفرنسي جان لوك غودار خلال فترة محددة من حياته، بين عاميّ 1967-1968 فترة حملت من التغييرات السياسية والاجتماعية والثقافية الكثير في فرنسا والعالم.

غودار الذي عرف عنه تضامنه مع القضية الفلسطينية يعجز في فيلم Redoubtable على أخذ موقف واضح من اليهود

فحينها كانت الحرب الباردة في ذروتها ملأت الاحتجاجات ضد حرب فيتنام الشوارع، وقامت الثورة الطلابية في فرنسا حيث حملت غضب وآمال الشباب الهادف للتغيير وخلق مساحة أكبر للحرية.

يومها كان جان لوك غودار واحدًا من أهم المخرجين المجددين والذي هز أعماق صناعة السينما، وعرف عنه بأنه أفضل مخرج قدم صورة عن الشباب الحالم بتغيير العالم، وواحدًا من الذين جاءت الثورة لتكمل أحلامهم وتطلعاتهم.

قبيل الثورة كان جان لوك غودار قد أخرج فيلمه "الصينية" مع الممثلة التي أحبها آن ويازمسكي، وكانت فتاة في الـ19 من عمرها، تنقل ثورته عبر الفيلم إلى الجمهور.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "It".. الرعب الذي اكتشف المشاهدون أنه كوميدي

هذا الفيلم الذي يدفع جان لوك غودار إلى مراجعة مواقفه في السياسة والسينما وعلاقته بهما، وقد جاءت ثورة الطلاب لتضعهما أمام الكثير من التساؤلات والتأملات. لنرى بعدها جان لوك غودار شخصًا راديكاليًا يقوم بمقاطعة أسلوبه وطريقته السينمائية غير آخذ بعين الاعتبار أي رأي لمن أحب أفلامه السابقة. فيبدو تأثيره مخلخلًا بين مثقفي ذلك العصر.

في خضم كل ذلك لا تفارقه زوجته، كما نرى في الفيلم، إن وجب حضورها، وإن لم يكن من داعٍ له، وفي ذلك تبدأ أولى مشاكل الفيلم التي تضع آن ويازمسكي وجان لوك غودار جنبًا إلى جنب في كل شيء في السينما والثورة والسياسة، معًا في السرير والمظاهرة حتى في خلافات غودار الثقافية والسياسية مع الأخرين، هذا التواجد المكثف أخذ الفيلم لمكان أضيق من المتوقع، وفسح المجال أمام قراءة واحدة للفيلم بجعله مكرسًا لعلاقة غودار العاطفية في أشد لحظات سيرته كمثقف أهمية وحساسية. وما يتتبعه الفيلم من مواقف كانت لإظهار أثر تلك العلاقة على حياة المثقف الذي أراد وقتها أن يلتحم مع التغيير.

يجعل هازانافشيوس من مواقف غودار السياسية الكبيرة والتي صنع جزء منها اسمه الكبير مواقف هزلية مضحكة تدفعنا للتفكير بجان لوك غودار الحقيقي صاحب هذه المواقف، على سبيل المثال وفي مشهد متقن إخراجيًا، كان جان لوك غودار وعدد غفير من طلاب الجامعة متواجدين في مدرج كبير، تلتف المئات حول جان لوك غودار يستمعون لما يقوله عن اليهود والنازية.

جان لوك غودار الذي عرف عنه تضامنه مع القضية الفلسطينية يعجز في الفيلم على أخذ موقف واضح من اليهود فيقول مرة "يهود اليوم هم نازيو الأمس" فيثير هذا الكلام سخط الأغلبية المتجمهرة، فيعيد ويقلب جملته مرات عديدة محاولًا إيجاد المعنى المناسب ليرضي الجموع، وهكذا حتى يخرج من القاعة وسط صيحات سخط وتأفف من كلامه الاعتباطي غير المفهوم وغير المسؤول. ليجد بعد خروجه جملة مكتوبة على أحد الجدارن تصفه بعكس ما يتمنى.

جان لوك غودار بات في فيلم المُهيب أشبه بشخصية قلقة، لا تعرف أن تقيّم وتراقب وتقول، على عكس قلقه والمعروف عنه بأنه قلق الحقيقة والثوابت

جان لوك غودار-المهيب حقًا- بات في فيلم المُهيب أشبه بشخصية قلقة لأنها لا تعرف أن تقيّم وتراقب وتقول، على عكس قلقه والمعروف عنه بأنه قلق الحقيقة والثوابت.

يتكرر مشهد سخط الحشد منه عندما يدعوه المخرج الإيطالي برناردو بيرتولوتشي إلى روما، وفي اجتماع كسابقه يبدو تذمر جمهور السينما من مواقف جان لوك غودار وكلامه علنيًا، وبدوره هازانافشيوس يسحب نفسه أكثر إلى تكريس تلك الصورة عن البطل المتمرد بغير عقل أو حكمة.

على جانب آخر تتدهور علاقته مع زوجته وسط سوء الفهم والتقدير الذي يدفعه لمضايقتها والتضييق عليها بعد أن ذهبت إلى إيطاليا للعمل مع مخرج آخر، يبدو غيورًا ذكوريًا وفجًا. نحن لا نقول إن هذا ليس جان لوك غودار، وبعيدًا عن التصديق وعكسه، ربما جاء سلوكه هذا في الفيلم ليزيد من ضيق أفق الشخصية التي يقوم بها لوي غاريل وقلة حيلتها، وبعدها عن الشخصية الغودارية التي يمكن أن تحكي عنها أفلام جان لوك غودار في الستينات وما حمله أبو السينما الفرنسية من تجديد وإغناء للإرث السينمائي.

اقرأ/ي أيضًا: سينما رأفت الميهي.. الانتصار للفرد والتغيير من القاع

ما الهدف وراء اختيار تلك الفترة تحديدًا (وهي فترة التغيير الاجتماعي الثقافي) لتقديم تلك الصورة عن جان لوك غودار؟ وإن حاولنا الوقوف أمام ما يريده هازانافشيوس عبر فيلمه الكوميدي هذا، فهل سيكون تكريمًا أم دفنًا لغودار؟ وهل يريد من الفكاهة العالية نزع الإطار عن صورة المثقف للوقوف على مسافة من حكايته الشخصية والمهنية على حد سواء فنحاكم ونسخر؟

أو ربما هو استجواب فني للمخرج المكرس أساسًا؟ وإن كان كذلك، فلماذا كل هذه الخصوصية والنزعات الفردية التي يصر عليها هازانافشيوس في فيلم عن الذاكرة؟ أم أنها محاكمة لعقلية المخرج الذي يدرك جيدًا كما يظهر في الفيلم بأن شيئًا ما قد كسر ولا يمكنه العودة كما كان قبله.

اسم الفيلم مستوحى من اسم الغواصة الفرنسية وقاذفة صواريخ مزودة برؤوس نووية، حين كانت الأولى من نوعها في فرنسا، وكان السبب في تصنيعها في أواخر الخمسينات هي تأهيل أنظمة إطلاق الصواريخ خلال فترة الحرب الباردة.

أطلق جان لوك غودار على علاقته بزوجته آن ويازمسكي اسم "المُهيب" تيمنًا بذلك الاختراع الخطير إن صحت المقارنة بين معنى الكلمة الخطير أو المُهيب، تلك العلاقة المهيبة التي لم تستمر طويلًا وعرقلتها أزمات سوء فهم، بدأت تظهر بعد خيبة أمل ضربت جان لوك غودار ومواقفه من ثورة الطلاب والتي يقول فيها بحسب الفيلم "إن أكثر ما يحبه في ثورة الطلاب هو الثورة لا الطلاب".

يبتعد جان لوك غودارعن ثورة كان قد أعلنها في أفلامه، ليلتفت إلى ثورة أخرى في طريقة تفكيره ربما دفعته إليها الأولى الضائعة منه، لأسباب يضعنا أمامها الفيلم فيبدو معها غودار غير الذي نتوقع ونعرف.

اقرأ/ي أيضًا: 7 أفلام مميزة شاركت في النسخة الأخيرة من مهرجان البندقية ننتظر عرضها بالسينمات

يعلن اعتناقه الماوية مقاطعًا أعماله السابقة بعد عام 1968 ليصنع من السينما والسياسة معًا أفلام جديدة يحاكي بها نظرية المثقف اليساري جون بيير غوران. حتى هذه لا تسلم من خط الفكاهة الواضح في الفيلم والذي دُفعِت الأحداث إليه دفعًا، فقرار مثل هذا يواجهه جمهور القاعة بضحك عالٍ.

يأتي صحفي كان قد تعرف عليه في المظاهرات ليزيد الطين بلة ويردف على قوله بأنها سينما الإخراج الجماعي حيث لا مخرج واحد ولا كاتب واحد، فيقول الصحفي: ولا جمهور. هكذا ينتهي مشهد الحسم والقطعية لنبدأ بسلسلة عن مجريات العلاقة مع زوجته.

يجب أن نقول هنا بأن أفضل مشاهد فيلم المُهيب كانت تلك التي حاولت إظهار غودار مع المجاميع الثائرة التي تغص بها الشوارع

أخلص هازانافشيوس للصورة الغودارية محاولًا رسم ملامح صورة أفلام غودار الستينية في فيلم عنه. مجموعة جزئيات متفرقة من حياة المخرج الخاصة في فترة هامة، يقطعها بالمونتاج الحاد، الذي عرفت به أفلام جان لوك غودار كما اعتمد توجيه الكلام للكاميرا محاولًا كشف أثر ذلك على جمهور اليوم، إلى جانب الكثير من الألوان التي تشبعت بها أفلامه والتي كانت إلى حد مشابهة لخياله وأحلامه وربما شخصيته الفريدة.

ويجب أن نقول هنا بأن أفضل مشاهد فيلم المُهيب كانت تلك التي حاولت إظهار جان لوك غودار مع المجاميع الثائرة التي تغص بها الشوارع، ولكن ريثما أوقعه في فخ الحماقة التي جعلته يحطم نظاراته أكثر من مرة خلال هربه من الشرطة، فتصبح نظاراته محل سخرية كما هي الكثير من التفاصيل. وعليه فقد قدم لنا هازانافشيوس فيلم غوداري بالحد الأدنى لفيلم عن جان لوك غودار.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "Before I Fall": اكتشاف الحياة بالتكرار

6 من أبرز من مثلوا شخصية "الجوكر" في عالم السينما