فيلم

فيلم "Grave of the Fireflies": آلام الحرب وذنوبها

لقطة من الفيلم

في الحرب لا ينتصر الإنسان، ولا تنتصر الأرض، يخسرانِ ويُهزمان تمامًا كما يهزمُ الموت بعض الحياة. وفي الحرب لا يربح إلا الموتى، الموتى الذين تخلصوا من لعنة العيش بينَ الحزن والخوف والركام، الذين لا يفيقونَ بعد غفوتهم ولا يعودون من غيبتهم، الذين يبتعدون عمدًا أو بغير قصد عن نار ظلمِ البشر لبشر آخرين.

فيلم "قبر اليراعات" اقتباس من قصة قصيرة بنفس الاسم نشرها الكاتب الياباني آكيوكي نوساكا عام 1967 كسيرة شبه ذاتية له

تتناثر القبور في التاريخ كاليراعات في الليل، تصور الأيام على شكل آلام متصلة منذ البداية وحتى النهاية، وما قبلهما وما بعدهما، وتوارِي تلك القبورُ الأرواح والأجساد دون تمييز، فالموت ليس عنصريًا، لكنه أقسى من كل احتمال، لا يفرقُ بين كبير أو صغير ولا يكترث لذنوب الحرب المتراكمة منذ الأزل، يفعل فعله الآثم ويترك الأحياء في كربٍ واكتئاب. الموت طعم الحرب، وأول الرحيل الأخير، والموت معنى الرجوع.

كان ذلك ما وجدتني أكتبه بعد أن شاهدت "قبر اليراعات" للمرة الثانية تِباعًا دون انقطاع، إذ لم أستطع أن أكتفي بمرة واحدة معه، لا تكفي مرة لنحسّ بكم الألم والحزن الصادرَين من تلك التحفة: ثالث أفلام استوديو "جيبلي"، بعد فيلمين من الخيال الفانتازي: Nausicaä of the Valley of the Wind الذي أنتج عام 1984 قبل تأسيس الأستوديو بعام، وفيلم Castle in the Sky المُنتج عام 1986 كأول أفلام "جيبلي" رسميًا، وهما من إخراج العبقري Hayao Miyazaki.

اقرأ/ي أيضًا: تود هاينز: قد تكون العزلة أحيانًا من شروط الإلهام

ثم في عام 1988، أنتجَ الاستوديو ثاني أفلامه: Grave of the Fireflies، من إخراج إيزو تاكاهاتا، رفيق ميازاكي في تأسيس استوديو "جيبلي" وصنع مجده كأحد أقطاب الإنتاج السينمائي الرسومي في العالم كله.

بعيدًا عن الخيال، عن "لابيوتا" وعن "وادي الرياح"، يرسم "قبر اليراعات" حكاية أقرب لواقع التاريخ، اقتباسًا من قصة قصيرة بنفس الاسم نشرها الكاتب الياباني آكيوكي نوساكا عام 1967 كسيرة شبه ذاتية له ولما عاناه في الحرب العالمية الثانية، أثناء القصف الناري لمدينة كوبي اليابانية عام 1945.

يبدأ الفيلم من حيثُ ينتهي، وهي تقنية ذائعة، تلك الأيام، لسرد القصص التي يمكننا توقع نهاياتها، وكل النهايات في الحرب متوقعة! تحكى قصة "قبر اليراعات" بتلك الطريقة لتقلب ما تفعله الحرب، بانتهائها من حيث تبدأ، بعودة الحياة بعدها إلى شبه ما كانت عليه، إلى رتابتها وأيامها العادية.

يقتطع إيزو تاكاهاتا بسرده الرسومي مساحة من زمن الألم، ليصور معنى الفقد ومعاني النزوح، عبر تتبع أيام سيتا الذي يحاول إيصال أخته سيتسوكو إلى هدوء ما بعد الحرب، إلى أرض لا نار فيها ولا خوف، لكن لا يتم له ذلك، وتقتصر كل محاولاته على إنقاذ أمه أو أخته، فيكتم ألمه وغيظه وقهره، وهو يرى حياته تستحيل جحيمًا أمامه وأمام أخته، هربًا من قصف الغريب وظلم القريب.

يبدأ فيلم Grave of the Fireflies من حيث ينتهي، وهي تقنية لسرد القصص التي يمكننا توقع نهاياتها، وكل النهايات في الحرب متوقعة!

يظهر "قبر اليراعات" كأحد أهم الأفلام التي رسمت آلام الحرب العالمية الثانية ببراعة مؤثرة، وقدمت تفاصيلها من وجهة نظر أخرى، وجهة نظر اليابان واليابانيين، في مواجهة عشرات الأفلام الأمريكية التي صورت الحرب من زاوية أمريكا والحلفاء.

والأفلام الرسومية، في هذه الحالة، ربما تكون أقدر على إيصال الحالة الإنسانية، في رسالة ثنائية الأبعاد، ظاهرها الأشكال والألوان والأصواتُ المركبة، وباطنها المشاعر المكتومة ولحظات الحزن الدفينِ بين طياتِ التاريخ.

إن الرسم بذلك المعنى يصبح أقرب للإنسان من التمثيل، وأقدر على إيصال إحساسه بما يجري له، فالرسم قادر على التخلص من قهر الصورة، قادر على تجاوزها نحو الشعور بما يخالج الإنسانَ وما يداخل نفسه من أفكار وأفراح وأحزان، وذلك بعض مما فعله تاكاهاتا في اقتباسه لقبر اليراعات: رسمُ الحربِ من داخل الإنسان، وتصوير الأرض كملاذٍ دائم من نار السماء.

اقرأ/ي أيضًا: رضوان الكاشف.. قصة "فيلسوف" السينما المصرية

يلاحظ الناقد روجر إبرت في حديثه عن Grave of the Fireflies نقطة مهمة حول تقنية مشتركة بين أعمال إيزو تاكاهاتا، وهي اهتمامه باللحظات الخارجة عن النص، الكاسرة لطبيعة السرد، يُدرج إيزو تاكاهاتا تلكَ اللحظات كلقطات عابرة تأخذنا خارج المشهد، تخرجنا مما يحدث فيه إلى ما يحدث بالتوازي معه، فلا الحياة تتوقف في الخارج، ولا ما يحدثُ داخل الإطار هو كل شيء، وهذه الملاحظة أساسية جدًا، ليس لفهم سينما اليابان الرسومي وأفلام "جيبلي" فحسب، وإنما لفهم السينما عمومًا:

إن الفيلم هو -في خلاصتِه- اقتطاع زمني من الواقع أو من الخيال، لكنه مرتبط تمامًا بالمحيط، حتى ولو كان يحكي قصة من داخل الإنسان، و"قبر اليراعات" على إتقانه، يذكرنا دائمًا أنه قبل وأثناء وبعد الحرب والموت، هناك دائمًا حياة لا تنقطع ولا تستسلم للسكون.

الفيلم هو -في خلاصتِه- اقتطاع زمني من الواقع أو من الخيال، لكنه مرتبط تمامًا بالمحيط، حتى ولو كان يحكي قصة من داخل الإنسان

يحكي "قبر اليراعات" قصة بسيطة جدًا: قصة بقاءٍ أو محاولة للبقاء، ويتفادى باختياره الرسومي تعقيدَ السرد البصري الواقعي، مركزًا على شخصية واحدة كمدار للقصة (سيتا)، وعن طريق سيتا نتعرف على الأحداث وعلى بقية الشخوص، على أيام الحرب ولحظاتها القاسية المفاجئة، في القرى والمدن، وفي الضواحي والهوامش، إذا لا تُقدم فكرةُ عيشه هو وأخته على هامش دنيا الأحياء رمزيةً لواقعهما فقط، وإنما تذكر بحالة اليابان كأمة وكدولة، عانت كل ما عانت في الحرب وهي في أقصى الدنيا، ثم بصبرها وحفظها لذكريات الأيام، عادت لتنهض من جديد، فالموتُ ليس هو النهاية، والهزيمة ليست هي آخر الفصول.

 

اقرأ/ي أيضًا:

12 فيلمًا مرشحًا لأوسكار 2018 في فئة الأفلام الأجنبية

فيلم "Alphaville".. وصناعة الخيال العلمي المختلفة عند جان لوك جودار