12-فبراير-2020

من الفيلم (IMDB)

أراد المخرج البريطانيّ سام ميندز أن يبدأ فيلمه "1917" من مكانٍ مُشابه، بل ومتطابق أيضًا، مع المكان الذي سيًغلق عدسته عنده، بحيث تبدو الأحداث ما بين بداية الشريط ونهايته ضربًا من الخيال، كونها لا تتّصل لا من قريب أو بعيد بهذين المشهدين، أي افتتاحية الشريط وختامه. فميندز، مطلع الفيلم، يصوّب عدسة كاميرته نحو مساحاتٍ خضراء واسعة، قبل أن ينتقل سريعًا صوب جنديين أسفل شجرة، ثمّ ينحاز عن المكان بانحيازهما عنه، والهبوط نحو خنادق ومتاريس يتغيّر المشهد عندها تمامًا، كونها تدلّ بشكلٍ صريح على وجود حرب، فالزمن هو زمن الحرب العالمية الأولى الذي لا يتّسق مع نهاية الشريط، حينما يُغلق ميندز عدسته على مساحاتٍ خضراء جديدة.

الانتقال السريع والمتواصل الذي مارسه سام ميندز، دون تقطيعات كون الشريط برمّته لقطة واحدة طويلة، بدا أقرب أو أشبه بالسقوط من مسافة عالية وشاهقة، ممّا يعني أنّ الارتطام كان عنيفًا وحادًّا. الارتطام هنا قد يكون التعبير الأدقّ عن حالة المشاهد بل وتفاعله أيضًا مع التبدّلات المتواصلة لأجواء الشريط بشكلٍ تصاعدي استمرّ إلى ما قبل المشهد الأخير من الشريط. أي أنّه، فعليًا، لم يأخذ مسارًا تنازليًا واسعًا، وإنّما فضّل التصعيد من وتيرة الأحداث وتوتّر المشاهد، ومن ثمّ، بضربة مباغتة وبخفّة أيضًا، انتقل أخيرًا لنهاية الفيلم، مُعلنًا انتهاء التصعيد دون أن يضطّر للتمهيد للنهاية بمشاهد تُخفِّف من حدّته وخصوصيته أيضًا.

يبدو فيلم "1917" برمّته لقطة واحدة طويلة، أقرب ما تكون إلى السقوط من مسافة شاهقة

انطلق "1917" بالجنديين بليك وسكوفيلد، ولكنّه وصل إلى نهايته بسكوفيلد وحده بسبب مقتل بليك الذي لا يد للمشاهد أن يتعامل معه، خلال الدقائق الأولى من الشريط، ووفق مُعطيات كثيرة، على أنّه بطل الفيلم. من بين هذه المعطيات، أو أهمّها، هو أنّ بليك كُلِّف بمهمّة شكّلت أساس حكاية الفيلم: نقل رسالة من قيادة الجيش البريطانيّ إلى قوّات تستعدّ لمهاجمة قوّات ألمانية مُعادية انسحبت من خطوطها الدفاعية الأمامية بهدف جرّ كتيبة بريطانية إلى فخٍّ محكم.

اقرأ/ي أيضًا: مخرج فيلم "Parasite" متحدثًا عن فن تصوير الصراع الطبقي

السبب وراء اختيار بليك تحديدًا لتنفيذ المهمّة، رغم وجود من منهم أكثر كفاءة منه، لا سيما أنّه يبدو أيضا ساذجًا نوعًا ما، هو ثقة القيادة بأنّه الوحيد الذي يستطيع تنفيذ المهمّة على أكمل وجه، باعتبار أنّ شقيقه متواجد ضمن صفوف تلك القوّات التي تستعدّ لمهاجمة الألمان، أي الوقوع في فخّ سيلقى فيه شقيقه مصرعه برفقة أكثر من ألف مقاتل بريطانيّ آخر. ولكنّ مقتل بليك الذي اختار سكوفيلد ليشاركه رحلته تلك خلال الدقائق الأولى من الشريط، خلخل كلّ التوقّعات التي قدّمته بطلًا، وجاءت بسكوفيلد ليكون لا البطل البديل، وإنّما البطل الرئيسيّ للفيلم، باعتبار أنّه الآن من تولّى مهمّة إيصال الرسالة، انطلاقًا من فكرة أنّه لم يستطع إنقاذ بليك من الموت، ولكنّه قد يتمكّن من إنقاذ شقيقه.

تكمن مفارقة "1917" بأنّ المهمّة كانت تعني بليك أكثر من سكوفيلد الذي أبدى امتعاضًا حادًّا من اختيار بليك له ليكون رفيقه خلال رحلةٍ تتطلّب عبور أماكن غير آمنة، بل ومواجهة الألمان أيضًا. كما أنّه، سكوفيلد، لم يكن مهتمًّا بالحرب ونيل الأوسمة، عكس بليك الذي ستجبر وفاته سكوفيلد على إكمال المهمّة، ليعيش بعد ذلك جملة تحوّلات متلاحقة ومتناقضة أيضًا لجهة قراءته للحرب، وهي قراءة تعود به دائمًا إلى نقطة البداية وكأنّها كانت تًراوح في المكان ذاته الذي ما تلبث أن تغادره حتّى تعود إليه مجدّدًا.

يُمكن التعامل مع هذه التحوّلات كحصيلة أو نتيجة نهائية للحوارات التي دارت خلال بدايات الشريط بين سكوفيلد وبليك، كونها كانت، ضمنيًا، تسلك مسارًا هدفه الأوّل والأخير الوصول إلى مكانٍ ما تتحطّم عنده الأوهام الراسخة والهلامية بشأن الحرب، بل وتُثار عنده الأسئلة حول ماهية التضحيات في محرقة كبيرة كالحرب العالمية؟ وحول جدوى هذه التضحيات؟ ومتى تكون ذات معنى؟ وعن الكيفية التي يمكن عبرها أن نفرّق بين تضحيات ذات معنى، وأخرى تذهب أدراج الريح؟

إثارة هذه الأسئلة تتّصل مباشرةً مع المشاهد الجانبية لرحلة بليك وسكوفيلد، ومن بعد ذلك سكوفيلد وحده. فالسؤال حول ماهية التضحيات يبدو متّصلًا بمشهد خروج عدد من الجرذان من فجوة في جثّة جندي لم يمض وقت طويل على مقتله. كما يتّصل بمشهد نهش الجرذان لجثث مئات الجنود على طول خطّ الجبهة. ولكنّه، السؤال، يتبلور بشكلٍ أكثر حدّة عند مشهد بكاء الجنود وصراخهم بعبارات مثل "أريد أمّي"، و"أريد العودة إلى البيت". ولأنّ كلّ هذه المشاهد جاءت ضمن لقطة واحدة طويلة دون انقطاع، لا بدّ من طرح سؤال: هل كان "1917" مملًّا؟

الجواب هو لا، فالشريط تجنّب الملل دون أن يكون بحاجة إلى حوارات طويلة أو انفعالات زائدة ومفتعلة أيضًا، لا سيما وأنّ مساره كان منذ البداية تصاعديًا أظهر خلال أكثر من ساعة ونصف تماسكًا شديدًا لجهة البناء والإمساك بخيوط السرد، وإغلاق كلّ الثغرات التي من شأنها بثّ الملل عند المشاهد.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "The Report".. قصة جادة عن حقائق التعذيب المريعة

الأحداث كانت تسير وفق مسار تصاعدي يرفع من توتّر المشاهد منذ بداية الفيلم، أي حينما انتقلت العدسة من مساحاتٍ خضراء التي توحي بأنّ كل شيء يبدو طبيعيًا، إلى المتاريس والخنادق التي كانت حالتها تزداد سوءًا كلّما توغّلت الكاميرا أكثر حتّى تصل في النهاية إلى الأجزاء المدمّرة منه، حيث عمليات إخلاء الجرحى وسط حالة خوف وهلع اضطّراب متزايدة.

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "The Boy Who Harnessed The Wind": درس في التحدّي

فيلم "The Escape From Alcatraz".. كيف تحطمت أسطورة أشهر سجون أمريكا؟