فيلم

فيلم "هيبتا".. حكاية الأدب التجاري والسينما

من الفيلم

جاء النجاح الساحق لفيلم "هيبتا.. المحاضرة الأخيرة" (بطولة: عمرو يوسف، ماجد الكدواني، كندة علوش، سيناريو: وائل حمدي، عن رواية لمحمد صادق، إخراج: هادي الباجوري) في وقت يعاني فيه سوق السينما في مصر من الركود، ونُدرة الإقبال الجماهيري، استكمالًا لنجاح الرواية التي تجاوزت طبعاتها الـ"43" طبعة، وصارت ظاهرة أدبية، قبل أن تستكمل طريقها في عوالم الظواهر وتصبح ظاهرة سينمائية أيضًا.

نجحت الدعاية الذكية لفيلم "هيبتا.. المحاضرة الأخيرة" في كتابة أولى سطور نجاح الفيلم قبل أن يُستكمل تصويره

نجح منتجو الفيلم في تسويقه بشكل بسيط ومباشر وذكي للغاية لجمهور الشباب عبر السوشيال ميديا، وهو الجمهور الذي منح الرواية نجاحها أصلًا، وجعل اسم "هيبتا" معروفًا. جرى تسويق الفيلم من خلال نشر صور أبطاله أثناء عملية تصوير الفيلم، وهؤلاء الأبطال عمومًا من الذين تم اختيارهم بعناية من نخبة النجوم الشباب الذين يحبّهم رواد الإنترنت.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "أخوات السرعة".. فلسطينيات سريعات وغاضبات

انتشرت الصور بالتدريج، كل أسبوع صورة أو أكثر، يظهر خلالها أحد أبطال الفيلم وهو يمسك بطاقة كوتشينة، أو ما يسمى بورق اللعب، تجاوز عدد المعجبين بصفحة الفيلم عدة آلاف على فيسبوك، وأخذ المعجبون بالرواية يتساءلون بشغف عن تفاصيل دور كل ممثل ممن نُشرت صورهم الكل منتظر، حتى من كرهوا الرواية أخذوا يتساءلون "هل سيكون الفيلم بدرجة سوء الرواية؟". الجميع يتساءل، الجميع مترقب، الكل ينتظر.. وهكذا نجحت الدعاية الذكية في كتابة أولى سطور نجاح الفيلم قبل أن يُستكمل تصويره حتى.

الرومانسية الأخلاقوية

لم تخرج رواية "هيبتا" إلى الوجود من العدم، حتى لو كان نجاحها مفاجئًا، إلا أن الرواية تُعتبر جزءًا وحالة من حالات موجة أدب يفرض نفسه على الساحة الثقافية المصرية، يقدمه معظم الروائيين المصريين الشباب الحاليين، بعضهم اتجه لكتابة الرعب وحبكات الإثارة والتشويق، والآخرون مثل "محمد صادق" مؤلف "هيبتا" اتجهوا لكتابة الروايات الرومانسية ذات الطابع الاجتماعي، وكلهم يشتركون في ذات السمات: الاهتمام بالحكي على حساب تعميق الشخصيات، وغياب البُعد السياسي للأحداث والشخصيات أو ظهوره بشكل سطحي للغاية، والطابع المحافظ العام المغلف للرواية والبُعد عن أي مشاهد حسيّة، والتعامل مع الجنس عمومًا بالإيحاء والرمزية، على طريقة أفلام الدراما المصرية في خمسينيات القرن العشرين.

هكذا خرجت رواية "هيبتا" إلى النور جزءًا من تيار أدبي عام، نالها ما يناله من شتائم، وفازت بنصيبه الأكبر من النجاح، لتصبح هي ومؤلفها رمزًا لكتابة تفرض نفسها على الساحة، بفعل الأمر الواقع، رُغم كل ما تناله من نقد قاس من محترفي النقد والأدب، يصل في بعض الأحيان إلى نفي صفة "الأدب" عنها. لكن الواقع يقول إنها موجودة، ونجاحها متزايد، و"هيبتا" عنوان هذا النجاح وتتويجه الأكبر، وظاهرته التي لا يزال يسعى الجميع إلى فهم كيف ولماذا حدثت.

محاولة سريعة لفهم الظاهرة

أولًا- الموضوع

مراحل الحب السبعة، التي لخصتها الرواية من خلال محاضرة مدتها 6 ساعات، يقدمها المحاضر المتخصص فى علم النفس عن الحالات الرومانسية التى أطلق عليها "قواعد الهيبتا"، بما تتضمنه تلك المراحل من أخطاء وألم ومشاعر متناقضة.

جاءت رواية "هيبتا" من عالم شباب اليوم، بكل ما فيه، هكذا وجد الشاب العادي والفتاة العادية نفسه فيها

رواية عن الحب، ومراحله، في مجتمع يعاني أفراده من أزمة "حرمان" عاطفي، بمختلف درجاته وتنوعاته، بين الأب وأولاده، وتحت سقف البيت بين الزوج وزوجاته. مجتمع مشحون يصرع بعضه البعض في كفاح طويل من أجل لُقمة العيش، وصراع على أبسط أساسيات الحياة، وحقوق صارت طموحات بفعل فاعل، حتى الزواج فيه صار معركة من نوع خاص تكللها عقبات مادية لا قبل بها إلا لمن يقدر ويدفع، يصبح "الحب" حينها بالنسبة لأهله موضوعًا خياليًا، ينتمي لعالم الأساطير، أو على الأقل من عالم حكايات العجائز، يغلفه الغموض، والغموض يثير الفضول، ويحرك القارئ والمشاهد.

اقرأ/ي أيضًا: محمد خان.. آخر موعد على العشاء

ثانيًا- طبيعة الحكايات والشخصيات ولغة الراوي

الشخصيات وحكاياتها تنتمي جدًا لعالم شباب اليوم، يشبهونهم، حتى في سطحيتهم، لو رأيت فيهم سطحية! جاءت الرواية من عالم شباب اليوم، بكل ما فيه، هكذا وجد الشاب العادي والفتاة العادية أنفسهم، بشكل ما، في الرواية، وجد ما جرى له، أو ربما ما يتمناه، أو ما يخشى حدوثه له، لغة السرد نفسها جاءت بسيطة، إلى حد الركاكة في بعض الأجزاء، وهذا لا يُستغرب في زمن يخطئ فيه مستخدمو الإنترنت، ممن تخرجوا من المدارس والجامعات، في أبسط قواعد اللغة العربية. 

ثالثًا- الطرح أو التناول 

شخصية "المحاضر" من على كنبته الجلدية الحمراء وأجواؤه شبه الفرويدية المُحدثة، لعبت دورًا رئيسيًا في رواج الرواية، وتأصيل الظاهرة "هيبتا" في مجتمع بلا ملهم، تنهار ثوابته تباعًا يومًا بعد يوم، فقد شبابه الإحساس بالقيمة، في كل شيء، حتى الدين وجدوه سلعة يُباع ويُشترى وينادي عليه الباعة والصبية على النواصي، كيف لا تنجح فيه رواية عن "الحب" وبطلها الرئيسي يلعب دور"الناصح"، "المحاضر"، "المُعلِّم"؟

لعبت شخصية "المحاضر" على وتر شديد الحساسية، في مجتمع ينتظر شيبه قبل شبابه أي أحد يلعب دور "الحكيم"، الذي يحكي ويستخلص الحكمة ويرشد إلى الطريق الصواب الحب مراحل سبع، كل مرحلة باسم، كل مرحلة بحالة، و"المحاضر" يشرح ويرشدنا. هكذا تصبح الأمور شديدة البساطة، رغم سطحيتها! يصبح الحلم ممكنًا، و"الزواج" الذي جعله واقع شبه مستحيل ممكنًا، ولو في عالم "هيبتا" فقط. مَن قال إن الأغلبية تبحث عن أدب لا يخدعها؟ في عالم يسوده الألم، عادة ما يبحث الإنسان عن ما يعطيه بعض الأمل، حتى لو كان مسطحًا، بلا مضمون حقيقي، المهم أن يجد الباحثون عن ملاذ طرف عباءة يمسكون به؛ لعلّه يعبر بهم من المجهول، ويدلهم على الطريق الصحيح.

اقرأ/ي أيضًا:

مهرجان "كرامة - بيروت": سينما الإنسان وحقوقه

رافي وهبي: العراب 2 كان للقضاء على مشروعي