فيلم

فيلم "موديلياني".. سيرة الموت اللامتناهي

من الفيلم

"هل سبق وأن أحببت بعمق، وكأنّك أدنت نفسك، بالخلود في الجحيم؟ أنا فعلت". بهذه الجملة يبدأ مايك دافيس، مخرج وكاتب فيلم "موديلياني- Modigiliani" ، حوار البداية، لرائعته فيلم السيرة الذاتية، قصة حياة الرسام والشاعر الإيطالي إميدو موديلياني، أحد رموز الفن في أوروبا، ورحلته مع الفن، الحب، المرض، والموت.

اندفعت شخصية موديلياني بحرية نحو كل شيء، وأكدت التحدي الإبداعي عبر سؤال الفوضى

فيلم موديلياني الذي تم إنتاجه في سنه 2004، وترشح لجائزة الغولدن كلوب، عن أفضل سيناريو وإخراج، والذي يروي قصة حياة الشاعر والرسام الإيطالي موديلياني، المولود في 12 تموز/يوليو سنة 1884، في مدينة ليفورنو، بمقاطعة توسكاتا الإيطالية، من عائلة يهودية علمانية، ذات أصول برجوازية.

اقرأ/ي أيضًا: جاك نيكلسون: الموت الحقيقي هو التوقف عن التعلم

تدور أحداث فيلم موديلياني ما بين أواخر القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، يستدرجك إلى عوالم إميدو موديلياني اللامتناهية، والتي أدّت شهرة بيكاسو إلى نزوحها للبعيد، نحو حرية الانفتاح على كل شيء، وتأكيد التحدي الإبداعي والتحول عبر سؤال الفوضى، المدفوع بالانفتاح على الأدب الفرنسي الرفيع، مُجاريًا الفلسفة بقراءات لـ نيتشه وبودلير، بينما ظلت القصيدة مصدر الوحي المتكامل، وسر الشاعرية الفنية لديه.

يلخّص فيلم موديلياني مرحلتين من حياة موديلياني، الأولى تخص سيرة حياة الفنان المولود كابن رابع، لعائلة فلامينو موديلياني، المُدقِعة في الفقر، التي تعاني ما تعانيه معظم العائلات اليهودية، من الفقر والحصار الشديد، الممارس عليهم من قبل الحكومة الإيطالية، حيث يصوّر المخرج ذاكرة موديلياني عن سنوات طفولته الباكرة، وقيام الشرطة الإيطالية بالحجز على كل ممتلكات عائلته، الغارقة في الديون، وتسليط الضوء على حنكة اليهود التي تجسدت حينها بجمع والده لكل المقتنيات الهامة على سرير والدته الحامل، والتي كان القانون الإيطالي يستثني كل ما على سرير المرأة الحامل من الحجز.

المرحلة الثانية، يتناول فيها المخرج دافيس مدينة باريس، عاصمة الفن، في سنة 1919، حيث كان موديلياني يعيش فيها آخر صراعاته البوهيمية مع الفن، الحب، الفقر، المرض، قبل الموت نتيجة المرض في شتاء سنة 1920.

يبدأ الفيلم بمشهد "فلاش باك" لـ جان، الفتاة الباريسية الكاثوليكية، زوجة موديلياني، التي تجسد دورها الفنانة إيلسا زيلباشتاين، وهي تروي سؤالها الوجوديّ، عن الحب، الخلود، والجحيم. وهو مشهد من نهاية الفيلم، ما قبل إقدام جان على الانتحار، وقد اختار المخرج تقديم الفيلم به كأسلوب كلاسيكي في الإخراج.

موديلياني، والذي أدى دوره، بنجاحٍ منقطع النظير، الفنّان الأميركي ذو الأصول الكوبية أندي غارسيا، يظهر في الفيلم وهو يدخل أحد الصالونات الفنية في باريس، حيث تقام مسابقة فنية دورية يشارك فيها مجموعة من الرسامين، إضافةً إلى الفنان بابلو بيكاسو، والذي أدى دوره الإنجليزي أوميد جاليلي.

موديلياني، البوهيمي الممتلئ بالاستهتار والسخرية، يدخل إلى قاعة الصالة، ويوزّع الورود على الحضور، مع الاحتفاظ بوردتين، يقدم إحداهنّ إلى فتاة جميلة تقف في الصالة، مرفقًا إياها بجملةٍ شاعرية قال فيها: "مستقبل الفن يكمن في وجه امرأة"، قبل أن يبادر في الثانية إلى السخرية من بيكاسو، حيث يقوم بأداء رقصة استعراضية على الطاولات، ويسأل بيكاسو، بمنتهى التهكّم: عن كيفية ممارسة الجنس مع المكعبات، كنايةً عن أسلوب بيكاسو التكعيبي في الرسم.

بيكاسو الذي يظهر عليه بدوره الكثير من الحُنق والغضب، يبادر لعراك موديلياني ثم سؤاله: لماذا تكرهني يا إميدو؟ فيجيب مويلياني بكامل الهدوء بعد رشف جرعة من النبيذ: "أحبك بابلو، لكنّ نفسي هي من أكره". يحاول المخرج في هذا المشهد إظهار حدّة التنافس والنديّة التي كانت تجمع وتفرّق ما بين الفنان الإسباني بيكاسو وهذا الشاب الإيطالي المستهتر، وكيف أن كلًّا منهما كان معنيًا بالآخر، رغم كل الادعاءات المتبادلة بالكراهية أو السخرية.

إيميدو موديلياني، الشاب الثلاثيني المُعدم والضارب بعرض الحائط لكل أحلام الشهرة وجمع الأموال، يقضي معظم أوقاته مع أصدقائه سوتين واوترييو في التسكع بأحياء باريس، رافضًا العلاج من داء السلّ، أو الالتفات لعذابات زوجته جان، التي يحاول والدها الكاثوليكي الكاره لليهود جاهدًا إبعادها وابنتها الصغيرة عن موديلياني وشقائه.

غير أن إنجاب جان لطفلتهما الصغيرة، كان دافعًا حقيقيًا لإميدو، للإقدام على تثبيت زواجه من جان بشكل رسمي، الأمر الذي كان بحاجة إلى المال، قبل كل شيء آخر، وذاك بالضبط ما أجبر موديلياني على قبول التحدي والمشاركة في المسابقة الفنية التي شارك فيها كل من بابلو بيكاسو ودييغو ريڤيرا وسوتين، إضافة إلى عدد من الرسامين في باريس آنذاك.

مما لا شك فيه أن أغلب جمهور فيلم موديلياني قد أصيبوا بالذهول لدى مشاهدة المشهد الرئيسي في الفيلم، وهو مشهد التحضير للمسابقة، الذي جسد الصراع الفني والملحمي، المبذول من كلّ المشاركين في المسابقة، حين يتلاشى الشعور بالمكان، يقوم المبدع مايك دافيس بأخذ المُشاهد إلى عوالم أكبر من التّصور، وهو يتنقّل ما بين شموخ الروح المكسيكية لريڤيرا، إلى ثورة سوتيني على الجوع، وبين غضب بيكاسو الباذخ في حُب موديلياني، نهايةً بخيال مودلياني الأزرق ومعجزة الأعناق الطويلة. بالإضافة إلى الهارموني الرائع في الموسيقى التصويرية، التي تجعلك، كأحد المشاهدين للفيلم، تشعر برغبةٍ هائلة بالبكاء.

في فيلم "موديلياني"، تفاصيل حادّة، وسيناريو فلسفي ساخر، وتجسيد هائل لروح الشخصيات

الطابع التراجيدي لم يكن خافيًا، خصوصًا في الأخيرة للفيلم، إذ تقوم بتسليط الضوء على لحظات السعادة النادرة في حياة موديلياني، وهو عائد من المحكمة، بعد تثبيته لعقد الزواج، وثقته الأكيدة من القدرة على الفوز بجائزة المسابقة النقدية، ما دفعه إلى تفويت الذهاب لحضور نتائج المسابقة، مستعيضًا عنها بشرب عدد كبير من كؤوس النبيذ في إحدى الحانات، ومن ثم تعرضه للضرب المبرح، حين استدرك الوقت وحاول الذهاب إلى زوجته جان، وعقد الزواج في يديه.

اقرأ/ي أيضًا: 5 أفلام رئيسية للمخرج ميلوش فورمان

في الجانب الآخر من الفيلم يأخذنا المخرج إلى صالة المعرض، حيث يسدل الستار على أعمال الفنانين المشاركين بالمسابقة، حين نرى التفاعل الكبير والتدريجي، لدى عرض لوحات ريڤيرا واوتريو، لنصل إلى الدهشة في كامل تشكّلاتها، لدى عرض لوحة بيكاسو، والتي جسّد فيها شخصية موديلياني بأسلوب تكعيبي لا متناهي الروعة، وكل ذلك قبل الوصول إلى مسك ختام الأمسية، وهي رائعة موديلياني الفنية، التي كانت تحمل اسم جان، وكيف اختزل موديلياني كل مشاعره فيها، وقام للمرّة الأولى برسم عيني جان فيها، ما دفع المشاهد مباشرةً إلى العودة بالذاكرة إلى أحد مشاهد البداية، حين سألته جان، عن عدم رسم عينيها في اللوحات، وكيف أجابها: "حين أتعرّف إلى روحكِ سأرسم عينيك".

تفاصيل حادّة، سيناريو فلسفي ساخر، وتجسيد هائل لروح الشخصيات، هي ما يدفع المشاهد دائمًا لإعادة مشاهدة هكذا أعمال فنية، لأكثر من مرّة بكامل الشغف، وفيلم "موديلياني" بالتأكيد من ضمن هذه الأعمال الخالدة في تاريخ السينما العالمية.

اقرأ/ي أيضًا:

هوامش بدائية عن السينما الصهيونية

فيلم "أنسين" لسودربيرغ.. تشويق عبر عدسة الهاتف