فيلم

فيلم "كوبا.. رحلة أفريقية".. على طريق الحرية

ملصقة الفيلم (IMDB)

مشهد احتفالي في العاصمة هافانا، جموع محتشدة تهتف وزعيمين يقومان بتحيتها، فيديل كاسترو ونيلسون مانديلا، الزعيم الأفريقي الذي خرج لتوه من السجن بعد 27 عامًا قضاها في زنازين نظام الفصل العنصري، العاصمة الكوبية كانت أول محطة في رحلته الخارجية الأولى لتقديم الشكر لكل من ساهم في إنهاء نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا.

لم يكن اختيار مانديلا لكوبا كمحطة أولى مصادفة، بل تلك قصة تعود بداياتها لمنتصف القرن الماضي، حين شارك فيديل كاسترو و500 ألف كوبي في حرب التحرير الأفريقية

لم يكن اختيار مانديلا لكوبا كمحطة أولى مصادفة، بل تلك قصة تعود بداياتها لمنتصف القرن الماضي، حين شارك فيديل كاسترو و500 ألف كوبي في حرب التحرير الأفريقية التي أنهت الاستعمار في تلك القارة.

اقرأ/ي أيضًا: قبل أن تتخلى الولايات المتحدة عن الرأسمالية.. رسائل تشي جيفارا غير المنشورة

بدأت الحكاية في ستينات القرن الماضي بعد سنة من انتصار الثورة الكوبية التي ألهمت مخيلة الأفارقة في خضم حربهم لنيل حريتهم، واعتبروا فيديل كاسترو وتشي غيفارا رمزيين لكفاح الشعوب من أجل نيل استقلالها.

"كوبا.. رحلة إفريقية" وثائقي للمخرجة الفرنكومصرية جيهان الطاهري تقدم فيه رؤية فريدة للقارة الأفريقية من خلال إعطاء صوت لأولئك الذين ساهموا في كتابة حقبة غير معروفة من تاريخها، وكانوا شهودًا مباشرين على تلك الأحداث، قصة هؤلاء "الأمميين" من حولوا الاحداث التي شاركوا فيها إلى ملحمة، انتصروا في المعارك لكن انتهى بهم الأمر إلى الخسارات التي لحقت بالمعسكر الاشتراكي.

تلك الأوديسة التي تعقبت أثار هؤلاء الثوريين دون أن تغرق في تقديسهم، بل على العكس من ذلك كان الوثائقي شهادة تاريخية مباشرة عن مرحلة مغيبة من التاريخ.

وثائقي طاهري ينقسم إلى قسمين ويغطي ثلاث ثورات في مرحلة كانت الحرب الباردة على أشدها بين الشرق والغرب، يتقصى الجزء الاول أثار رحلة تشي ورفاقه الكوبين إلى الكونغو في بداية ستينيات القرن الماضي، أين أصبحت القارة السمراء ساحة صراع للقوى الكبرى، أراد السوفييت توسيع نفوذهم بالدخول إلى مناطق جديدة وكانت أفريقيا بوابتهم، في حين أرادت الولايات المتحدة الاستيلاء على ثروات القارة الطبيعية، حين شعرت الإمبراطوريات القديمة أن قوتها الاستعمارية تتعثر وينتهي نفوذها، في المقابل تصاعد المد الثوري ودافعت الدول المستقلة حديثًا عن فرص بقائها بعيدًا عن سلطة نفوذ القوى الاستعمارية، لم يكن أمام الثوار الشباب رفاق باتريس لومومبا وأمريكال كابرال وأغوستينو نيتو إلا طلب يد المساعدة، ولم يلبِ الطلب سوى الثوار الكوبين الذين كانوا يشبهونهم لمساعدتهم في نضالهم التحرري.

يقدم فيلم "كوبا.. رحلة إفريقية" رؤية فريدة للقارة الأفريقية من خلال إعطاء صوت لأولئك الذين ساهموا في كتابة حقبة غير معروفة من تاريخها

لعبت كوبا بقيادة فيدل كاسترو دورًا مركزيًا في الاستراتيجية الثورية الجديدة لدول العالم الثالث ضد استعمار الإمبراطوريات القديمة والامبريالية الأمريكية التي حلت مكانها، أصبحت القارة ملعبًا للحرب الباردة وصراعاتها التي تقاد بالوكالة، أٌطلق على المقاتلين الكوبين الذين شاركوا في العديد من جبهات حرب العصابات الممتدة من أمريكا اللاتينية إلى أفريقيا اسم "الأمميين".

اقرأ/ي أيضًا: "قمر في سكايب" وسينما الوطن

في الكونغو، بعد وقت قصير من اغتيال زعيم الاستقلال باتريس لومومبا، أخذ رفاقه زمام المبادرة في حربهم للتخلص من نظام موبوتو المتحالف مع البلجيكيين والمرتزقة والمدعوم من قبل المخابرات الأمريكية، فسيطروا على ثلثي البلاد، تولى تشي غيفارا مهمة تقديم المساعدة للثوار الكونغولين اين وصل إليها قادمًا من تانزانيا عبر بحيرة "تنجنيقا" بهوية مزورة واسم مستعار "تاتو"، يرافقه حوالي 100 من الرفاق الكوبين الذين تم اختيارهم بعناية وكانت الميزة المشتركة بينهم أنهم من ذوي البشرة السوداء، حتى لا يتم تمييزهم عن الثوار المحليين، وفي الأمر رمزية تاريخية تحدث عنها فيديل في إحدى خطاباته وهو الذي تعود أصول ولديه إلى إسبانيا حين قال: "إن دماء أفريقيا تتغلغل في أعماق عروقنا".

أمضى تشي 7 شهور وهو يعمل في سرية تامة لتحريك المقاتلين الكونغولين، لكنه اكتشف حجم الهوة بين الفريقين، كان التواصل صعب والعمل اصبح في بيئة يغلب عليها الشك، لم تكن أولوية الكونغولين التنسيق مع الكوبين بل اعتبروا وجود تشي بينهم مسؤولية كبيرة ستكون عواقبها وخيمة ما إن تم اكتشاف وجوده هناك، ولمواجهة رغبة الكونغولين في التخلص من هذه المشكلة لم يحاول تشي أن يكون عبئًا، لكنه بالمقابل رفض المغادرة وبقي مؤمنًا أن التنظيم الجيد لصفوف الثوار سيحل الإشكال، لكن الحادثة التي أدت لإنهاء المهمة كان فشل الهجوم على معسكر لجيش موبوتو شرق البلاد أين قتل 4 من الكوبين وأدت معاينة جثثهم إلى اكتشاف أنهم ليسوا أفارقه، ربطت المخابرات الأمريكية بين غياب تشي عن الساحة الإعلامية في كوبا وجثث الكوبين في الكونغو، أصبحت المهمة في خطر، واقترب جنود موبوتو بدعم من وكالة المخابرات المركزية من تشي ورفاقه، أتت الأوامر من هافانا بضرورة إخلاء المنطقة والانسحاب، كان الإحباط كبيرًا، لم يتوقع أحد تلك النهاية وهم من كان على رأسهم أحد أفضل قادة الثورة الكوبية، ذهبوا هناك للمساعدة. لم يكونوا غزاة ولا مرتزقة. قاتلوا إلى جانب الكونغولين وساعدوهم لكن اتضح أن الكونغولين لم يكونوا مستعدين للقتال.

انتهت المغامرة الأولى بإخفاق عسكري، وغالبًا شعر الكوبين بخيبة أمل من هذه التجربة. لم يمنع فشل المهمة في الكونغو الكوبين من مواصلة دعمهم للثورات في أفريقيا، بالنسبة لكاسترو كان الخلل في الطريقة التي يجب مراجعتها، لتحديد مكامن الخطأ، ومن ندعم وكيف يتم ذلك.

في الكونغو، بعد اغتيال باتريس لومومبا، أخذ رفاقه زمام المبادرة في حربهم للتخلص من نظام موبوتو المتحالف مع البلجيكيين والمرتزقة والمدعوم من قبل المخابرات الأمريكية

في كانون ثاني/يناير 1966، بعد شهرين من مغادرة تشي للكونغو، نظمت كوبا مؤتمرًا غير مسبوق، جمعت فيه كل الحركات الثورية المسلحة من القارات الثلاث، حافظت الجزيرة على دورها كرائدة في قيادة النضال الأممي، بالنسبة لفيديل كانت الفرصة لاختبار من يمكن مساعدتهم من الثوريين، اسم أمريكال كابرال زعيم الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا بيساو والرأس الأخضر كان الأكثر تداولًا، إذ اعتبر نجم المؤتمر، قاد كابرال نضال تحرري ضد الاستعمار البرتغالي في إحدى أفقر الدول الأفريقية، قال عنه تشي في جولته المشهورة والتي قادته لزيارة عدد من الدول الأفريقية قبل رحلته إلى الكونغو، إن "كانت هناك حركة ثورية تتسم بالصرامة وتمتلك مقاومات النجاح فهي الحركة الثورية في غينيا بيساو والرأس الأخضر"، عالجت هافانا الفشل في الكونغو بدعم ثوار غينيا بيساو، لكن هذه المرة اقتصر الدعم على المستشارين والأطباء، بالإضافة للدعم الفني والتقني لقوات الثوار، لم تكن استراتيجية كابرال تستند على الهزيمة العسكرية للاستعمار البرتغالي، بل التشويش عليه وزعزعة استقراره لدفعه لطاولة المفاوضات.

اقرأ/ي أيضًا: 9 وثائقيات تناولت الحرب السورية

نجحت خطة كابرال، هذا التشويش خلق الكثير من الصعوبات والتذمر أدى إلى اندلاع "ثورة القرنفل"، حيث انقلب الجنود البرتغاليين الذين سئموا من الحرب الاستعمارية على الحكام الفاشيست في ليشبونة، وانتهى الكفاح الذي خاضه الغينين إلى استقلال بلادهم في عام 1974، لكن أمريكال كابرال لم يشهد هذا الانتصار فقد اغتيل من قبل الشرطة السرية لحكام لشبونة السابقين.

يعرض الوثائقي مشهد لوداع كابرال، يقف فيه فيديل وهو يوجه العسكرية الى جثمان القائد الغيني وإلى جانبه الثوري الأنغولي أغوستينو نيتو، نجحت الثورة في غينيا بيساو والتي خطت بداية النهاية لآخر الإمبراطوريات الاستعمارية، بالنسبة لكوبا كانت المرة الأولى التي تشهد انتصارّا جراء العملية التي قادتها بحنكة ومهارة، لتتضاعف المهمات العسكرية وتكون أنغولا هي ساحة الصراع القادمة والتي رسم التدخل فيها المعالم الخريطة السياسية في القارة السمراء.

خصّ الجزء الثاني من الوثائقي لأعظم عمل قام به الكوبين وهو النضال من أجل استقلال أنغولا، بعد "ثورة القرنفل" كان قرار الحكام اليساريين الجدد في ليشبونة حاسمًا في أن تنال المستعمرات البرتغالية استقلالها، في أنغولا كان المشهد معقد بين حركات التحرير الثلاث، كانت الحركة الشعبية لتحرير أنغولا وهى المدعومة من السوفييت والكوبين، بينما الاتحاد الوطني للاستقلال الكلي الأنغولي والجبهة الوطنية لتحرير أنغولا يتوصلان مع تحالف معقد يجمع بين الولايات المتحدة الأمريكية ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وبعض الدول الأوروبية من بينها فرنسا وبريطانيا، بالإضافة لصين ماو تسي تونغ التي كان يحركها حساباتها المعادية للسوفييت.

حاولت الجبهة الوطنية لتحرير أنغولا، بدعم من وكالة المخابرات المركزية وزائير موبوتو، الاستلاء على العاصمة لواندا زحفًا من الشمال، بينما شنت من الجنوب قوات الاتحاد الوطني للاستقلال الكلي الأنغولي مدعومة بالمركبات المدرعة الجنوب أفريقية لنفس الهدف، وحين اقتربت الدبابات من العاصمة الأنغولية لوندا أطلق فيديل كاسترو عملية "كارلوتا" التي سميت على اسم عبد أسود قاد تمردًا في كوبا عام 1843، وصل المستشارون الكوبيون وتتبعتهم الأسلحة ومن ثم تم إرسال أكثر من 30 ألف جندي كوبي من دون استشارة الاتحاد السوفييتي أو أخذ موافقته، أدى التدخل الكوبي إلى فشل الهجوم الذي شن من الشمال والجنوب على العاصمة لواندا في معركة "كيفا نغوندو"، واعلن عن تشكيل حكومة الاستقلال في 11 تشرين الأول/أكتوبر 1975 والتي نالت الاعتراف الدولي، كسب فيديل كاسترو الرهان وتمكنت الجزيرة الصغيرة من لعب دور مهم وأساسي في أن تكون طرفًا رئيسيًا في الحرب الباردة التي تشهدها القارة، أنقذ الكوبين حلفائهم في لوندا وأثبتوا أن قوات الأبارتهايد في جنوب أفريقيا معرضة للخطر، كان لفشل دولة الفصل العنصري في معركة الوصول إلى العاصمة الأنغولية تداعيات خطيرة، فقد بدأت تتشكل حركات ثورية في روديسيا التي أصبح اسمها فيما بعد زيمبابوي، وجنوب غرب أفريقيا والتي عرفت بعد الاستقلال باسم ناميبيا، وبعد بضعة أشهر اندلع تمرد في سويتو في ضواحي العاصمة جوهانسبرغ.  

المعركة من أجل تحرير أفريقيا من الاستعمار تمت بنجاح، لكن الحرب من أجل تحرر حقيقي لا زالت مستمرة ولم تنتهِ

لم تتوقف الحرب وبقيت البلاد ساحة صراع بين القوى الكبرى لتشهد البلاد آخر وأكبر معركة تعبر عن وصول الصدام في الحرب الباردة إلى حده الأقصى، ستشارك القوات الكوبية في الحرب الأنغولية وتحديدًا في بلدة "كويتو كنفال" في كانون ثاني/يناير 1988 أين شارك ما بين 20 ألف و40 ألف جندي كوبي إلى جانب 30 ألف جندي أنغولي و3000 ناميبي، مع دعم 600 دبابة، ومئات قطع المدفعية، و1000 مدفع مضاد للطائرات، مقابل جيش جنوب أفريقيا وقوات التمرد المدعومة من الولايات الأمريكية، كانت المعركة الأكبر على الأراضي الأفريقية منذ الحرب العالمية الثانية، استمرت لـ 6 شهور وكل طرف يعلن انتصاره، لكن لم يكن الأمر سوى بحث عن مخرج لتلك الحرب، وبعد عام شارك الكوبيون كطرف في المفاوضات التي انطلقت في القاهرة بين الأنغوليين والجنوب أفريقيين برعاية أمريكية لوضع حد للصراع المحتدم، وبعد أخذ ورد تم التوصل إلى صيغة حصلت بموجبها ناميبيا على استقلالها وقرار بإطلاق سراح نيلسون مانديلا من سجون نظام الفصل العنصري في حين تنسحب القوات الكوبية من أنغولا وفق خطة تمتد لـ 33 شهرًا، وستكون تلك هي آخر مساهمة كوبية في أفريقيا.

 اقرأ/ي أيضًا: فيلم Whitney.. كيف يخون الوثائقي موضوعه؟

انتهت الموجة الثورية التي بدأت مع رحلة تشي إلى الكونغو، وأبرز المشاركين في حروب التحرير الأفريقية المثل العليا لمناهضة الاستعمار، خسر الكوبيون في أنغولا وحدها 10 الاف مقاتل دفاعًا على القيم والقناعات التي آمنوا بها، ولم يكن هناك تلخيص لحكاية هذه الرحلة الأفريقية أفضل من كلام قائد البعثة الكوبية إلى أنغولا خورخي ريسكي حين قال في نهاية الوثائقي "لم نجلب من أنغولا لا النفط ولا الماس، جلبنا فقط رفات رفاقنا".

المعركة من أجل تحرير أفريقيا من الاستعمار تمت بنجاح، لكن الحرب من أجل تحرر حقيقي لا زالت مستمرة ولم تنتهِ، الثوريون مثل تشي غيفارا وباتريس لومومبا أمريكال كابرال وأغوستينو نيتو أصبحوا أيقونات في كل القارة السمراء، صدى أقوالهم لا يزال يسمع في بيوت الصفيح ولا تزال تلهم كل الأفارقة الباحثين عن حياة أفضل.

اقرأ/ي أيضًا:

الأب ميشيل صباح في فيلم "بطريرك الشعب".. أمل وبقاء ومقاومة

أشرف مروان "The Spy".. العميل المُحيّر