فيلم فرنسي مستقل يثير جدلًا واسعًا قبيل الانتخابات

فيلم فرنسي مستقل يثير جدلًا واسعًا قبيل الانتخابات

لقطة من الفيلم

يقول النقاش حول الفيلم الفرنسي الجديد "هذه أرضنا" الكثير عن صعود اليمين المتطرف في فرنسا، مثلما هو الحال في الكثير من أنحاء أوروبا والولايات المتحدة، أصبح الجدل السياسي أكثر استقطابًا في الأعوام الأخيرة. كان التعافي من الركود الاقتصادي بطيئًا، لا تزال مشكلة البطالة حاضرة، ويستمر لاجئون جدد من أفريقيا والشرق الأوسط في الوصول بينما ما زال لدى بعض المهاجرين من الجيل الثاني مشكلاتٍ في الاندماج. ووسط خوفٍ حقيقي من الهجمات الإرهابية، يدور أحد النقاشات السياسية الرئيسية حول كيفية أن يظل مجتمعٌ ما منفتحًا بينما يحمي مواطنيه من التهديدات المحتملة في ذات الوقت، أو في بعض الأحيان ما إذا كان ذلك ممكنًا من الأساس.

في الأسابيع الأخيرة اشتعل الجدل مجددًا في فرنسا حول الفيلم المستقل الجديد هذه أرضنا (Chez nous). عُرض فيلم الدراما السياسية لأول مرة في أواخر فبراير، قبل شهرين فقط من اختيار رئيسٍ جديد للبلاد. يدور النقاش حول شخصية ثانوية تدعى أنيس دورجيل، وهي زعيمة شقراء لحزبٍ يميني متطرف يتبنى مواقف قومية ومعادية للهجرة، فيما يشبه كثيرًا السياسية والمرشحة الرئاسية مارين لوبان. يتناول هذا التقرير لمجلة ذي أتلانتك الأمريكية محتوى الفيلم الفرنسي الجديد وردود الفعل التي رافقته.

الأسئلة الأكثر إلحاحًا التي أثارها الفيلم، مثل "هل هذه أرضنا" معادٍ بالفعل لحزب الجبهة الوطنية؟ هل يحتمل أن يؤثر على الانتخابات؟

سارع أعضاء حزب لوبان، الجبهة الوطنية، إلى إدانة الفيلم قبل مشاهدته، حيث اعترف فلوريان فيليبو، أحد نواب رئيسة الحزب، في مقابلةٍ لمحطةٍ إذاعية في الأول من يناير أنه لم يشاهد سوى العرض المختصر للفيلم لكنه أصر أن الفيلم "يعادي بوضوح الجبهة الوطنية" وأنه لا ينبغي أن يصدر في وقتٍ قريب بذلك الشكل من موعد الانتخابات. في مواجهة ذلك، قال مخرج الفيلم بلجيكي المولد، لوكاس بيلفاكس، إن هذه أرضنا يركز أكثر على "المسار الشعبوي" على العموم وليس فيلمًا موجهًا ضد الجبهة الوطنية.

وأخيرًا تمكن الفرنسيون من مشاهدة الفيلم بأنفسهم في الأسبوعين الأخيرين، حيث حظي بردود فعل إيجابية من أغلب النقاد في مراجعاتهم للفيلم. لكن العديد من تلك المراجعات لم تتناول بعض الأسئلة الأكثر إلحاحًا التي أثارها الفيلم، مثل هل هذه أرضنا معادٍ بالفعل لحزب الجبهة الوطنية؟ هل يحتمل أن يؤثر على الانتخابات؟ وما هو تقييمه كصورةٍ ثابتة لاتجاه المجال السياسي الفرنسي اليوم؟

اقرأ/ي أيضًا: الإنسانية المأزومة بين ميلر وفرهادي

أول ما يجب الإشارة إليه بشأن هذه أرضنا، يتابع التقرير، هو أنه بينما تشكل السياسة بوضوح جزءًا من سياق وخلفية قصة الفيلم، إلا أن الفيلم هو دراسة شخصية إلى حدٍ كبير. بطلة الفيلم هي باولين، ممرضة وأم عزباء لطفلين تعتني أيضًا بوالدها المسن، وهو عامل شيوعي سابق. إنها امرأة عطوفة من الطبقة العاملة في شمال فرنسا تعاني، مثل ملايين الآخرين، للوفاء بمتطلبات الحياة اليومية وتأمل في مستقبلٍ أفضل.

ينتشل طبيب محبوب أكبر سنًا يدعى برتييه باولين من حياتها المغمورة نسبيًا. كما يشير بيلفاكس عدة مرات فإن الألفة مهمة في السياسة وفي تشكيل تعاطف الناخب. يرى برتيه في باولين مرشحًا مناسبًا لانتخابات العمدة المقبلة في مدينتهم الخيالية لحزبهم الخيالي، التجمع الشعبي الوطني (وهو اسم مستعار بالصدفة من حزبٍ مؤيد للنازية تأسس عام 1941 ولم يستمر طويلًا). تعرف باولين بسمعة برتييه كـ"فاشي قديم" لكن مهنته أكسبته نوعًا من التقدير، وقد ساعد والدة باولين في صراعها مع مرض السرطان قبل وفاتها.

رغم أن باولين كانت في البداية غير مسيسة، يسطر بيلفاكس صحوتها السياسية -رغم أن "خداعها" قد يكون لفظًا أكثر دقة، يشير التقرير- تحت تأثير برتييه في البداية ثم دورجيل الشبيهة بلوبان، والتي تساندها في حملتها لنيل منصب عمدة المدينة.

أحد الأسباب التي تجعل هذه أرضنا فيلمًا شديد الجاذبية هي أنه يظهر كيف يمكن لشخصٍ عادي أن يصبح مرتبطًا بقضية لا يبدو أنه يؤمن بها إذا شعر أن مشاركته يمكن أن تحدث فارقًا حقيقيًا. ورغم أن انخراط باولين السياسي المفاجئ شديد السرعة، إلا أنه من الصعب مشاهدة الفيلم دون تذكر سيل المقالات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية الأمريكية في محاولةٍ لفهم حماس ناخبي ترامب.

كتب بيلفاكس الفيلم بالاشتراك مع الروائي جيرون ليروي، والذي قدم كتابه الصادر عام 2011 بعنوان الكتلة العديد من الأفكار والشخصيات التي يعالجها الفيلم. في كلا القصتين، تجد باولين نفسها معلقة بين قطبين سياسيين متقابلين. من جانب، يمثل برتييه المثقف اليميني الميسور، ومن جانبٍ آخر هناك ستيفان، وهو شخص كانت باولين تكن له مشاعر عاطفية في الطفولة، والذي يمثل القاعدة الشعبية الوحشية التي تكاد تكون نازية للحزب. يمارس ستيفان (والذي يلقّب بستانكو، وهو اسم مشتق من اسم عائلته) الملاكمة ويقضي وقتًا مع حثالات يزعجون ويعتدون على الأشخاص الذين يبدون كأجانب.

اقرأ/ي أيضًا: "باترسون".. أغنية هادئة عن النثر

يبدو برتييه العقل الذي يقف وراء جميع الخطوات السياسية الضرورية بدرجةٍ أكبر من دورجيل، على المستوى الإقليمي على الأقل. ورغم أن الطبيب كان فيما مضى في جانب ستانكو وقد يكون إلى جانبه أيديولوجيًا، إلا أنه أصبح على دراية بكيفية سير الأمور في المجال السياسي على المستويين المحلي والوطني. يفهم برتييه أن حسًا معينًا من الانضباط ضروري لانتخاب المرء، لذا فهو يحاول أن يبقي ستانكو بعيدًا عن باولين، فتاة دعاية الحزب التي يجب الإبقاء على صورتها براقة. هناك أيضًا مشهدٌ صادم حيث يتم تعليم المنضمين الجدد للحزب كيفية التعامل مع المحتجين والصحفيين الذين يسألون أسئلة مزعجة، وما يمكنهم وما لا يمكنهم قوله (يتم توجيههم إلى تجنب كلمة "عرب" واستخدام "رعاع" بدلًا منها).

السبب الذي يجعل "هذه أرضنا" فيلمًا شديد الجاذبية أنه يُظهر كيف يمكن لشخص عادي أن يصبح ذا قضية إذا شعر أن مشاركته قد تحدث فارقًا

بينما اتهم البعض، ومن بينهم أحد نواب رئيسة حزب الجبهة الوطنية، بيلفاكس بتصوير حزبٍ يميني متطرف بصورةٍ كاريكاتيرية، إلا أن الصورة التي يرسمها المخرج هي في الواقع لحزبٍ ذكي، يدرك كيف يلعب اللعبة السياسية ولم يعد يرغب في البقاء على الهامش. من خلال شخصيات مثل ستانكو العنيف والمتعصب، يشير هذه أرضنا إلى مخاطر نمو شعبية السياسات اليمينية المتطرفة بوجهٍ عام، لكن أغلب أعضاء حزب دورجيل هم أشخاص عاديون جذبهم السطح الأكثر هدوءًا وصقلًا لحزب التجمع الشعبي الوطني، والذي يتحدث عن القيم والتقدم والهوية الوطنية ويزن كلماته بحرص.

ويلفت التقرير إلى أن رؤى هذه أرضنا للكيفية التي يمكن بها لحزب يميني متطرف الحصول على دعم الطبقة العاملة تتجاوز حزب الجبهة الوطنية بل وفرنسا أو أوروبا (بعض أوجه التشابه مع صعود الترامبية غريبة)، لكن بالرغم من ذلك فإن زعم بيلفاكس بأن الفيلم ليس عن الجبهة الوطنية بالتحديد به قدرٍ من المخادعة. لا تبدو دورجيل الشقراء فقط مثل لوبان، لكن والدها أيضًا هو من أسس الحزب الخيالي بالفيلم، تمامًا مثلما فعل والد لوبان، جان ماري لوبان. قد يكون هناك الكثير من تلك المصادفات التي لا تدعم بالكامل فكرة أن دورجيل تمثل فقط أي زعيم يميني فرنسي.

وجه تشابه آخر: كانت لوبان مسؤولة عن تلطيف صورة حزب الجبهة الوطنية بقدرٍ ما، ليترك العنصرية الصريحة إلى أنواعٍ أكثر مقبولية من رهاب الأجانب (حتى أنها أطاحت بوالدها عام 2015 كي تجعل الحزب أكثر جاذبية للمزيد من الأشخاص). يشير فيلم بيلفاكس إلى ما قد يكون يحدث خلف الكواليس لإحداث ذلك التغيير وإلى الحد الذي قد يصل إليه غير المسيسين في تبني خطابٍ تمت صياغته بعناية. رغم ذلك، تظل دورجيل شخصية ثانوية طوال الفيلم، وهي لا تنال مصيرًا عادلًا أو انتصارًا. تركز نهاية هذه أرضنا فقط على باولين وصراعها الداخلي أكثر من أي شيء سياسي.

لا يقدم الفيلم مرشحًا يساريًا يحمل نوعية الأفكار والصفات التي ينبغي أن يشعر الجمهور أنها تلهمهم، وهو ما يحسب لصالحه. بدلًا من ذلك، يلفت بيلفاكس النظر باستمرار إلى مدى تعارض القومية والانعزالية مع العالم المترابط الذي يزداد انفتاحًا.

اقرأ/ي أيضًا:
سينما هيتشكوك.. التأسيس لتشويق مبتكر
أفلام كلاسيكية لن تصدق أنها لم تحصل على الأوسكار