فيلم "عطلة منتصف الشتاء".. الماضي يسافر معنا
11 سبتمبر 2026
شاهدت فيلم "عطلة منتصف الشتاء" (Midwinter Break). زوجان من أيرلندا الشمالية، كبرا وعاشا سنوات طويلة في اسكتلندا، يذهبان في عطلة إلى أمستردام عشية رأس السنة. لا يحدث، في الظاهر، شيء كبير. رجل وامرأة بلغا سنًا صار فيه الماضي أطول من المستقبل، ووجدا نفسيهما، بعد التقاعد، وحيدين أمام حياتهما. لكن شيئًا آخر يسافر معهما إلى أمستردام: الحرب التي تركاها وراءهما منذ زمن.
الفيلم جيد جدًا، بالنسبة لي على الأقل، لأنه لا يتحدث عن الحرب تقريبًا. لا يعيد سردها ولا يحولها إلى درس في السياسة أو التاريخ. يتركها تظهر في المكان الذي تستقر فيه الحروب بعد أن تنتهي، في الناس. في أجسادهم وذاكرتهم، في علاقتهم بمن يحبون، وفي الأشياء الصغيرة التي يظنون أنهم تجاوزوها، ثم يكتشفون، بعد عشرين أو ثلاثين أو أربعين عامًا، أنها لم تتجاوزهم.
الحرب بعد انتهائها
ربما لهذا وجدت نفسي أفكر، وأنا أشاهده، في هذه الحرب المجنونة التي نعيشها. فهي لم تترك أحدًا منا كما كان، لكنها فعلت شيئًا آخر أيضًا؛ أخرجت الماضي كله من مخبئه.
بالنسبة إلى جيل آبائنا، أعادت النكبة والهزائم والحروب القديمة إلى الحاضر، وبالنسبة إلينا نحن الأبناء، جعلت أشياء لم نعشها بأنفسنا تبدو فجأة جزءًا من سيرتنا. كأن هذه الحرب ليست قطيعة مع ما سبقها، بل واحد من أسوأ ارتدادات النكبة، فكأننا، بطريقة ما، لم نخرج منها أصلًا.
وهذا ربما أحد أوجاع الحرب التي لا نفهمها إلا متأخرين، أنها لا تنتهي حين تنتهي. فما كان عامًا في التاريخ يصير شأنًا شخصيًا، والهزيمة التي كنا نقرأ عنها تصبح هزيمتنا، والفشل العام يدخل حياتنا الخاصة، حتى نجد أنفسنا أبطالًا متأخرين في قصة بدأت قبل أن نولد. الحرب تفعل شيئًا غريبًا بالزمن، تجعل أجيالًا كاملة تصل مبكرًا إلى تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام حياته، وينظر إلى ما مضى منها ويسأل نفسه: أي جزء من هذا كان حياتي فعلًا، وأي جزء عاشه التاريخ بالنيابة عني؟
ربما هنا يصبح الفيلم أكثر من حكاية أيرلندية. فهو يذكّر بأن الحروب لا توزع آثارها بالتساوي، وأن من يبدو أكثر صمتًا ليس بالضرورة أقل جرحًا، وأن بعض الناس ينجون من الحرب بأن يرووها
الفيلم، بطبيعة الحال، لم يقل كل هذا، لكنني من يقوله. هو في جوهره سيرة زوجين وجدا نفسيهما، بعد التقاعد، وحدهما أمام ماض لا ينتهي، أو لا يريد أن ينتهي. قوته الأساسية أنه لا يحوّل الحرب إلى خطاب، ولا يشرحها أكثر مما ينبغي، بل يتركها تعمل في الخلفية، في الصمت، وفي الجسد، وفي المسافة التي تتكوّن ببطء بين شخصين عاشا طويلًا معًا. وهذا ذكاء واضح في الكتابة والإخراج، لكنه ليس بلا مخاطرة، فالفيلم يقترب أحيانًا من أن يجعل هذا الصمت نفسه أكثر أناقة مما ينبغي، كأن الألم كلما خفت صوته صار بالضرورة أعمق. ومع ذلك، ينجو غالبًا من هذا الفخ، لأن ما يهمه ليس الحرب بوصفها حدثًا، بل ما تتركه بعد أن تصبح حدثًا قديمًا.
ويحسب للفيلم أيضًا أنه يعكس، بطريقة هادئة، صورة ذكورة الحرب. الزوج أكثر سخرية وبرودًا، كأنه تعلم أن يضع مسافة بينه وبين ما حدث، بينما تبدو الزوجة هي التي حملت العبء في داخلها، لا بوصفه موقفًا سياسيًا أو ذكرى تاريخية، بل بوصفه شيئًا عاش في جسدها وذاكرتها وحياتها وبقي معها إلى الشيخوخة.
حين يعود الماضي
وربما هنا يصبح الفيلم أكثر من حكاية أيرلندية. فهو يذكّر بأن الحروب لا توزع آثارها بالتساوي، وأن من يبدو أكثر صمتًا ليس بالضرورة أقل جرحًا، وأن بعض الناس ينجون من الحرب بأن يرووها، بينما ينجو آخرون بأن يسخروا منها، فيما يحملها آخرون في أجسادهم حتى النهاية.
وهذا هو الجانب الذي بقي معي بعد الفيلم: أن الماضي لا يعود دائمًا في شكل ذكرى واضحة. أحيانًا يعود في نبرة صوت، أو في طريقة نوم، أو في خوف غير مفهوم، أو في علاقة لا تعرف لماذا صارت أثقل مما كانت. وربما لهذا بدت الشيخوخة هنا ليست نهاية العمر فقط، بل اللحظة التي يفقد فيها الإنسان القدرة على الهرب من كل ما ظن أنه تجاوزه.
ربما لهذا شعرت، وأنا أشاهد الفيلم، أنني أعرف شيئًا مما يعيشه هذان الاثنان؛ أعرف أسئلته وخيباته ومآلاته، بل أكاد أعرفهما نفسيهما، أو أعرف شيئًا منهما في الذين حولي: في آبائنا وأمهاتنا، وفي أنفسنا أيضًا، رغم أن حياتنا لم تلتقِ بحياتهما في لغة أو ثقافة أو جغرافيا.
وربما كانت مصادفة أن أصل إلى الفيلم أصلًا. فأنا، في العادة، أبحث عن أفلام خفيفة وتافهة بالمعنى الطيب للكلمة، أفلام لا تطلب مني شيئًا سوى أن أترك لها ساعتين من الوقت. لكن من سوء حظي أن هذا الفيلم جاء في لحظة لم أكن أريد فيها أن أرى شيئًا يشبهني إلى هذا الحد، ولا أن أجد نفسي، مصادفة، أمام رجل وامرأة يبدوان بعيدين عني بكل شيء، ثم أكتشف، كلما تقدّم الفيلم، أن المسافة بيننا أقل بكثير مما ظننت.
ربما لهذا تمنيت، بعد انتهاء الفيلم، أن أملك شيئًا من جيري: سخريته، بروده، وقدرته على أن يضع مسافة بينه وبين ماضٍ لم يختفِ، لكنه لم يعد يسمح له بأن يحتل كل شيء. ليس لأنه تجاوزه فعلًا، ولا لأن الفيلم يمنحه خلاصًا سهلًا، بل لأنه تعلّم، بطريقة ما، أن يعيش إلى جانبه.
وهذا ربما أقصى ما يستطيع الإنسان فعله مع الحروب التي لا تنتهي حين تنتهي: ألا ينتصر عليها، ولا ينساها، بل يمنعها فقط من أن تستولي على ما تبقى من حياته.