فيلم

فيلم "شيخ جاكسون".. لم يجب أن نمنح عمرو سلامة فرصة أخرى؟

لقطة من كواليس الفيلم

يبدو فيلم شيخ جاكسون، أحد أكثر الأفلام المصرية إثارة للجدل منذ عرضه بمهرجان الجونة السينمائي، وبعدها، منذ قرار ترشيحه ليكون هو الفيلم الذي تختاره مصر ليمثلها بجائزة الأوسكار. أحد أسباب إثارته للجدل بالطبع هو قصته، قصة الشاب المصري السلفي، الذي كان في صغره مغرمًا بالمغني العالمي مايكل جاكسون، وكيف أنه عندما سمع بخبر وفاته في طوره السلفي، أثر فيه الخبر، وجعله يتذكر كل أفكار وتصرفات مراهقته، والمؤثرات المحيطة التي جعلته عاشقًا لمايكل جاكسون لهذه الدرجة، التي بات معها يقلد شكله وملابسه ويحترف الرقص بطريقته.

ساعد الماضي الدعوي المتدين لأحمد الفيشاوي، على جعله أول ممثل تقريبًا يمثل شخصية السلفي في فيلم شيخ جاكسون دون ابتذال أو مبالغة

هذه القصة التي تبدو درامية ربما، للمشاهد الغربي، إلا أن المشاهد المصري، وخاصة المشاهدين من أبناء جيل الثمانينات، لن تكون بالنسبة لهم قصة الفيلم درامية بقدر ما ستكون سيرة ذاتية لكثير من أبناء هذا الجيل، فلم يكن هناك شارع مصري وقتها يخلو من شاب يحمل نفس صفات أحمد مالك، ومن بعده أحمد الفيشاوي -بطلي الفيلم.

فإن لم تكن القصة -إلى الآن- هي السبب الرئيسي في إثارة الجدل -إذ لم يمض على عرض الفيلم أكثر من 10 أيام في دور العرض المصرية، ولم تُجرَ النقاشات حول الفيلم بشكل كافٍ لنقده- فهناك سببان رئيسيان آخران لاعتباره فيلمًا مثيرًا للجدل: أولهما، اختياره ليكون الممثل المصري بمسابقة الأوسكار، حيث اعترض كثير من الكتاب والنقاد المصريين، على أن يكون فيلم "شيخ جاكسون" هو المرشح هذا العام، بعضهم بحجة أنه لم يعرض جماهيريًا 7 أيام متواصلة قبل إعلان ترشيحه -كما تتطلب شروط الأكاديمية- وبعضهم لعدم اقتناعه بأنه الفيلم الأحق والأفضل.

اقرأ/ي أيضًا: 12 فيلمًا مرشحًا لأوسكار 2018 في فئة الأفلام الأجنبية

أما السبب الثاني فيعود بشكل رئيسي، إلى مخرج الفيلم، عمرو سلامة، وآرائه ومواقفه، وكتاباته عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، وقناعته التي كثيرًا ما يعبر عنها، ما وضعه -وفيلمه- محل مسؤولية عن جزء كبير من الجدل المثار حول الفيلم. فعمرو سلامة، بقصة نجاحه والتحديات التي لاقاها منذ قراره باحتراف الإخراج السينمائي، وأفلامه، وضع نفسه -للأسف- بمحاولاته التوفيقية الدائمة، لجمع كل الآراء، والظهور كالحكيم الذي لا يكره أحد، والمحترف الذي وقت الثورة يثور كالنشطاء، ووقت العمل يعمل، كمدرب تنمية بشرية بشكل ما، مدرب تنمية بشرية غير حكيم بالمرة إزاء الكثير من المواقف والظروف السياسية والاجتماعية غالبًا، والسينمائية أحيانًا.

ونتيجة كل هذا، أصبح الجمهور، وخاصة من أبناء ثورة يناير، المتابعين له على السوشيال ميديا، يترقبون أعماله، بعضهم يرونه محدود الإمكانيات والموهبة، ويبدؤون الهجوم عليه وعلى أفلامه حتى بدون أن يشاهدونها، وآخرون يشاهدون أفلامه فعلًا، لكن بعين الرقيب، الباحث دائمًا عن عمق وخلاص القصة المُقدمة، حتى يخرج من الفيلم ليقول أنه فيلم: "سطحي" ربما، أو "فيلم تنمية بشرية ناتج من المدرسة التي تنبع منها أفكار مخرجه".

لكن الحقيقة، ورغم هذه الرؤية التي تبدو قاصرة، ورغم الهجوم الواسع الذي يلقاه الرجل، يبدو أن هناك اتفاقًا بين مشاهديه، وحتى متابعيه على السوشيال ميديا، أن أفلامه ليست ضعيفة على مستوى الفنيات، ولا مبتذلة على مستوى القصة.

بالطبع الأمر لا يصل حد الإجماع على هاتين النقطتين، لكن، يبدو دائمًا من النقد الذي ينتشر عقب صدور أي فيلم جديد له أن الاختلاف يكون على ثلاث درجات من 10، في حين تتفق الأغلبية على استحقاقه السبع درجات الأساسية. وهو ما ظهر جليًا مع فيلم عمرو سلامة الثاني الطويل "أسماء"، والخامس الطويل "لامؤاخذة". ثم الآن مع فيلم "شيخ جاكسون". لم يحدث هذا، بنفس السيناريو ربما، مع فيلمه الأول "زي النهارده" الذي اتفق الكثيرون على جودته، وأن هذا الشاب الذي يحلم بأن يدخل هذا المجال، كما يردد دائمًا، يستحق أن ينال ما يتمنى.

وفيلم "شيخ جاكسون" -بوضع يدينا على بعض النقاط فيه- قد نصل للطريقة التي يفكر ويصنع بها سلامة أفلامه، وربما نتلمس له بعض الأعذار فيما يقال ويشاع عنه.

بداية هذه النقاط -كما في أغلب أفلام عمرو سلامة- هو تماس فيلم "شيخ جاكسون" مع مشكلة إنسانية واجتماعية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأبناء جيله، وهو الملعب المريح الذي يسهل على عمرو سلامة الكثير من الأمور، بداية من الكتابة، من خلال كثير مما يُكتب من مواد النوستالجيا المنتشرة على الإنترنت، مثلما فعل مع فيلمه "لامؤاخذة" الذي اعتبره البعض تجميعًا لتغريدات نشرت عبر أحد الوسوم على تويتر. ونقطة أخرى هي الدعاية التي تعرف، بعد إنتاج الفيلم، طريقها وجمهورها بسهولة.

يليها، الاختيار الجيد للممثلين: بسمة وآسر ياسين في فيلم "زي النهاردة"، وهند صبري وماجد الكدواني في فيلم "أسماء"، وأحمد حلمي وياسمين رئيس في فيلم "صنع في مصر"، وكندة علوش وهاني عادل في فيلم "لامؤاخذة"، وأحمد الفيشاوي وأحمد مالك وماجد الكدواني وبسمة من جديد في "شيخ جاكسون"، هي كلها أسماء يسهل الاعتماد عليها وعلى كفاءتها في حمل الأدوار من ناحية، وعلى البيع بأسمائهم من أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Grave of the Fireflies": آلام الحرب وذنوبها

لكن، ما الذي يجعل عمرو سلامة هذه المرة مختلف ويستحق الإشادة؟

في رأيي، لم يستسلم عمرو سلامة هذه المرة لكثير من الأخطاء والتساهل كما فعل قبل ذلك، فخاطر مثلًا بالثقة والاعتماد على أحمد الفيشاوي، وهو ممثل هناك اختلاف شديد على جرأته من ناحية، ومن أخرى على موهبته واستعداده لحمل دور ثقيل، وعلى العكس، ساعد الماضي الدعوي المتدين لأحمد الفيشاوي، على جعله أول ممثل تقريبًا يمثل شخصية السلفي دون ابتذال أو مبالغة في التجسيد، وربما كان أول ممثل يؤدي شخصية السلفي حقًا، دون أن يخطئ في قراءة الآيات والأحاديث.

اجتهد عمرو سلامة في هذا الفيلم، وكان قراره من البداية، أنه يصنع فيلمًا متماسًا مع جيله وزمنه، لكنه أيضًا يصلح للتمثيل بأي جائزة ومهرجان، فلم يعتمد على موسيقى مسروقة مثلًا، وبدلًا من استخدام أغاني مايكل جاكسون، حيث ميزانية الفيلم لم تمكنه من ذلك، فعوض عن ذلك بمشاهد استعراضية، وخدع تمثلية، وموسيقى تصويرية، اجتهد بها كثيرًا في إيصالنا إلى الحالة والأجواء المطلوبة.

أجاد عمرو سلامة هذه المرة في فيلم شيخ جاكسون تقديم قصة مصرية حقيقة، ذات صلة تفرضها القصة -لا هو- بالغرب

طوال فيلم "الشيخ جاكسون" وعلى خلاف فيلم "لا مؤاخذة" -مثلًا- كان العمل يحمل تعمقًا في شخصية "الرجل السلفي" وعقله وطريقة تفكيره، وإدراكه وتعامله مع الواقع. لم يكن عمرو سلامة هذه المرة يرغب في التلقين والتوجيه، كما اعتاد، كان حقًا ينقل لنا صراعًا ربما عاشه المخرج وبطل الفيلم أحمد الفيشاوي أنفسهما، لهذا ظهر العمل صادقًا كثيرًا، أو حتى عاشه أصدقاؤهما وأبناء جيلهما. لذلك، ما زلت أنتظر مشاهدة أي من سلفيي مصر للفيلم، وكتابته لرأيه فيه، فهو فيلم موجه -أعتقد- لهم، كما هو موجه للأجانب والمهرجانات، بنفس المقدار.

أجاد عمرو سلامة هذه المرة تقديم قصة مصرية حقيقة، ذات صلة تفرضها القصة -لا هو- بالغرب، قصة تم تنفيذها في رأيي، بممثلين، أجادوا أدوارهم على أفضل ما يكون، فليس هناك ممثل واحد يمكن أن نقول أن دوره كان ضعيفًا، وبأدوات تنفيذية (تصوير وإضاءة وديكور ومونتاج) طوعها عمرو سلامة، لتخدم قصته، فكانت الـ93 دقيقة، مدة عرض الفيلم، في أغلبها ممتعة بصريًا، وغير متكلفة، وأيضًا في عمومها، تدل على ذكاء مخرج العمل وتحكمه بعناصره الأساسية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رضوان الكاشف.. قصة "فيلسوف" السينما المصرية

7 أفلام مميزة شاركت في النسخة الأخيرة من مهرجان البندقية ننتظر عرضها بالسينمات