فيلم سوري بدون مخرج

فيلم سوري بدون مخرج

شخصيات من أفلام تناولت العرب (The Ringer)

قبل أن ننتهي لخلاصة القول، فلنسرد لكم قصة المخرج السينمائي الشهير آلان سميثي، صاحب العشرات من الأفلام السينمائية التي سجل بعضها حضورًا لافتًا على الصعيد النقدي، وللدقة، فقد أخرج السيد آلان مائة وفيلمين للشاشة الكبيرة.

المشهد السوري مشهد حي وواقعي، لا ينقصه كومبارسات ولا زعران ولا عصابات كـ"عصابات نيويورك" لسكورسيزي

غير أن الجاهل بشخصية هذا الأمريكي الشهير سيفاجأ حين يعلم بأن المخرج المذكور هو مخرج شبح، لا قيد له ولا نفوس، وأنه مجرد اسم قد ابتكر في هوليوود، بعد أن وافقت نقابة المخرجين الأمريكيين DGA على وضع اسمه المختلق على فيلم ابتدأه المخرج روبرت توتن ولم ينهه، وذلك بسبب شجارات متكررة مع بطل الفيلم الممثل ريتشارد ويدمارك، فآثر ترك العمل، ليكمله المخرج دون سيغال، غير أن المخرجين رفضا أن يوقّعا الفيلم باسميهما، الأول رفض ذلك لأنه لم ينه العمل، والثاني رفض أن يستلب جهد الأول، وهكذا ولد آلان سميثي.

اقرأ/ي أيضًا: الفن بين انتحار تربيليف وموت هاملت

منذ ذلك الوقت، في العام 1969 وبعد فيلم "Death Fighter"، اصطلح على وضع اسم آلان سميثي على كل فيلم لا يقبل صاحبه لاحقًا بالاعتراف به، بعد عرض القضية على النقابة، وهذا ما حدث فعلًا مع مخرجين كبار مثل غود تايلور الذي طالب استبدال اسمه عن فيلمين باسم آلان سميثي بسبب عدم رضاه عن مستوهما الإبداعي، وكان الفيلمان: "City of Fire" و"Fide in".

تطورت الأمور لاحقًا، وتحول الاسم لعلامة مهمة تدل على الاحتجاج، واستخدمها كل فنان لا يقبل بتسلط المنتج أو الجهة التنفيذية لعمل ما وتفرض وصايتها، ولذلك انتهت الأمور لإصدار النقابة قرارًا في عام 2000 بإيقاف العمل بالاسم وإطلاق حكم الموت عليه.

كل ما سبق ورغم طرافته، يذكر بقصتنا في سوريا، فبعد مرور تسع سنوات على المذبحة الرهيبة التي وضع كل من هبّ ودبّ لمساته الإخراجية فيها، لا يمكن بحال من الأحوال لأي مشاهد أن يفهم أو يحكم لمن يعود الفضل في تنفيذ هذا الفيلم الأكثر رعبا في التاريخ!

فالكل ساهم بإعداد السيناريو، بالرغم من معرفتنا بأن باب الارتجال بقي مفتوحًا لكل السيناريستات المشاركين، ليظل الفيلم حافلًا باللامتوقع من المستجدات وبالتشويق الكبير، ويالها من مشاهد زاخرة بالتارانتينويهييات وبالتفنن بالقتل، حرقًا، شنقًا، سلخًا، جوعًا، كيماويًا، تلك التي لا يزال العالم كله يشاهدها دون ملل، بسعر تذاكر بخسة.

المشهد السوري مشهد حي وواقعي، لا ينقصه كومبارسات ولا زعران ولا عصابات كـ"عصابات نيويورك" لسكورسيزي، لقد أتقنوا تعدد اللهجات السورية ووجدوا لغة للتفاهم فيما بينهم هي لغة القتل، فمن جهة ستجد داعش والبغدادي، ومن جهة ثانية ستشاهد فيالق القدس وميليشيات حزب الله، بل إنك ستضع يدك على رأسك وكأنك تشاهد نفس الرعب في فيلم "مدينة الله".

صنّاع "الفيلم" السوري أتقنوا تعدد اللهجات ووجدوا لغة للتفاهم فيما بينهم هي لغة القتل

الراعي والمنتج الدولي لم يعد يأبه أو أنه لم يكن أصلًا ليأبه بمقتل عشرات الآلاف، لأن شباك التذاكر يحقق المزيد من الأرباح. وهو يدرك جيدًا بأننا في زمن سينمائي هابط، جمهوره يقبل بالغث ولا يعنيه الثمين، ولن يجد بحال من الأحوال استديوهات أفضل من الأرض السورية لتحقيق كل ما يمكن تحقيقه من فائدة خلال عرض هذا الفيلم الإرهابي التاريخي.

اقرأ/ي أيضًا: أربع ستات

مرت تسعة أعوام تقريبًا، ومخرجو الفيلم يتقاذفونه فيما بينهم، ولما يتفق الممولون على نهاية لأحداثه المريرة، ولا على مصير أبطاله أو أشراره، لكن الواضح تمامًا، أنه سيسجل لاحقًا باسم وهمي كما سجلت أفلام كثيرة باسم آلان سميثي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

وداعًا أيها الصيف.. أهلًا يا شتاء

الجانب الأكثر مأساوية في مأساة الأمازون