26-يوليو-2022
زوجة رجل مهم

فيلم زوجة رجل مهم

أفلام كثيرة تلك التي تُمسي أيقونية، لتناولها مواضيع لها راهنيتها في أي واقع ومحيط تُعرَض فيها. ويُمكن القول إنّ وصف أيقوني تحديدًا هو الوصف الملائم عند الحديث عن فيلم "زوجة رجل مهم"، فهذا الفيلم الذي أُنتج عام 1988، من إخراج محمد خان، أخذ أيقونيته من حساسية موضوعه في الواقع العربي القديم والحديث، وهو موضوع السلطة والتسلّط والتعطّش الدائم لهما عند أفراد الأجهزة والمنظومات السيادية في الدولة.

يتناول فيلم "زوجة رجل مهم" موضوع السلطة والتسلّط من خلال شخصية ضابط مقدّم في مباحث أمن الدولة يُدعى هشام أبو الوفا

 

وتبعًا لذلك، يٌمكن القول بأنّ الملامح الإبداعية في فيلم "زوجة رجل مهم" لا تقتصر فقط على مستوى كيفية عرض الموضوع الرئيس، بل تتعداها إلى مستوين آخرين هما؛ مستوى الإخراج والتقاطات الكاميرا للمخرج محمد خان، ومستوى أداء الممثلين.

وضمن الإطار السابق، فإنّ الفيلم يجيء ليتناول موضوع السلطة والتسلّط من خلال شخصية ضابط مقدّم في مباحث أمن الدولة يُدعى هشام أبو الوفا (أحمد زكي)، فهذا الضابط يظهر في الفيلم كما لو كان عنوانًا للسلطة والتسلّط، وإنّ الفيلم يجيء ليروي قصة تدرّج هذا الضابط في المناصب، حتى وصوله إلى تقلّد رتبة عالية في مباحث أمن الدولة.

وإنّ الفيلم بدايةً يأتي ليروي قصة صعود هشام في مناصب المنظومة الأمنية في الدولة المصرية إبان فترة السبعينيات عبر خطّ موازٍ يعرض فيه تطوّر علاقته مع زوجته "منى" (ميرفت أمين)، إذ يستعرض الفيلم ضمن هذا الإطار بدايات علاقته مع منى التي كان يبدو خلالها ودودًا معها، ويُوضّح الأساليب التي اتبعها للوصول إليها والارتباط بها، والتي لم تخرج عن أساليب ملاحقتها وتتبّع خطواتها، ومحاولة التواجد في كلّ الأمكنة التي توجد فيها، وإغوائها باستعراض سلطة نفوذه أمامها (يظهر ذلك في مشهد المطعم الذي كانت تجلس فيه منى مع عائلتها واستغلال هشام لنفوذه في تحسين جودة الطعام المقدّم لهم)، وهي في مجملتها أساليب تُظهر مدى تغلغل الحسّ التسلّطي في نفسه، فهذه الأساليب التي استخدمها يُمكن اعتبارها أساليب ضغط من أجل وضعها تحت الأمر الواقع وإجبارها على القبول به.

يُكمل الفيلم قصة صعود هشام في مناصب المنظومة الأمنية وصولًا إلى رتبة عميد في مباحث أمن الدولة، ويستعرض الكيفيات السلطوية والتسلّطية التي اتبعها في الارتقاء في سلّمه الوظيفي رغبةً منه في المزيد من السلطة، وهي كيفيات اتبعها مع مجتمعه وأفراده تارة ومع زوجته تارة أخرى، فعلى مستوى علاقته بمجتمعه وأفراده يُظهر الفيلم استخدام هشام أبشع طرق القمع والتنكيل مع المعارضين لنظام الحكم في الدولة إبان عهد السادات في فترة السبعينيات، سواء أكانوا كتابًا وصحفيين يعملون بشكل فردي أو كانوا مجموعات وحركات احتجاجية تعمل بشكل جماعي ومترابط، وعلى مستوى علاقته بزوجته يُظهر الفيلم محاولة هشام استغلالها من أجل توطيد علاقته بقادة منظومته الأمنية، عبر إجبارها على اتباع نمط حياتي معين، وعلى حضور حفلات ومناسبات مع الرجال القادة في هذه المنظومة وزوجاتهم، وعبر إملاء أوامره عليها فيما يتعلّق باختياراتها لصديقتها التي كان يريدهنّ من زوجات قادته.

ويُمكن القول بأنّ ما يُميّز الفيلم في عرضه لطرق القمع والتنكيل التي كان يستخدمها هشام والمنظومة الأمنية التي يعمل ضمنها في علاقتهما مع الحركات الاحتجاجية التي ظهرت إبان تلك الفترة، هو تركيزه على عرض أحداث انتفاضة عام 1977، وهي انتفاضة عرفت بـ"انتفاضة الخبز" وانطلقت احتجاجًا على القرارات التي أصدرتها الحكومة في 17 كانون الثاني/يناير عام 1977 وتضمنت رفع أسعار بعض السلع (سجائر، وبنزين، وغاز، وسكر)، وإلغاء دعم بعض أسعار السلع الأخرى (دقيق، وسمسم، وحلاوة، وطحينة، وفاصولياء، ولحوم)، كما تضمنت زيادة الرسوم الجمركية. كما يُظهر الفيلم في جزء فيه آليات الاعتقال وتلفيق التهم التي كان يتبعها هشام والمنظومة الأمنية التي يعمل ضمنها من أجل إيجاد مبرّر لاعتقال المشاركين في تلك الاحتجاجات، ويبيّن الفيلم بأنّ عدد المعتقلين جراء هذه الاحتجاجات وصل إلى بضعة مئات.

فيلم "زوجة رجل مهم" يروي علاقة الشعوب بالأنظمة الاستبدادية السلطوية من خلال رمزية علاقة الضابط بزوجته

 

وإنّ الفيلم يَأتي في نهايته ليستعرض المآل الأخير التي وصل إليه طموح هشام وتعطشه للسلطة، حيثُ يوضّح تخلي منظومته السلطوية الأمنية عنه واستخدامه ككبش فداء عبر إقالته هو ومجموعة من رفاقه العاملين معه في المباحث، وذلك في مسعى لتلك المنظومة لتبرئة نفسها أمام المحاكمة المجتمعية التي اشتعلت ضدها، واضطرت الحكومة لمسايرتها والانحاء لها، ويُبيّن الفيلم مدى تغلغل النزعة السلطوية والتسلّطية في نفس هشام حتى بعد إقالته، إذ يُظهر حرصه على بقاء المظاهر الاجتماعية التي كانت تُميزه في منصبه السابق كما هي، وأبرز تلك المظاهر سيارته الخاصة وسائقها، ويوضحّ الفيلم أنّ هشام قام بعد إقالته بشراء سيارة مطابقة تمامًا للسيارة التي كانت من عطايا وظيفته السابقة، واستئجار سائق خاصّ بها، ويودي به حرصه في الاستمرار على امتلاك تلك المظاهر، ورفضه البحث عن وظيفة أخرى تحت آمال إمكانية إعادته إلى وظيفته السابقة، إلى مرحلة الإفلاس الكامل.

على الرغمَ من أنّ الفيلم يروي في مضامينه قصة السلطة والتسلّط من خلال شخصية الضابط هشام أبو الوفا وعلاقته بزوجته منى، إلا أنّه يأتي كمن يروي علاقة الشعوب بالأنظمة الاستبدادية السلطوية عمومًا، ويُمكن قراءة شخصية هشام باعتبارها رمزًا لتلك الأنظمة الاستبدادية السلطوية، ويُمكن قراءة شخصية منى (زوجته) من خلال محاولتها لمقاومة تسلّطه وعربدته -على طول الفيلم- باعتبارها رمزًا للشعوب.

وأخيرًا، ما كان لهذا الفيلم أن يكون بهذا المستوى من الإبداع لولا جمالية التقاطات كاميرا محمد خان، التي كان حريصًا من خلالها على إظهار أدق تفاصيل شخصية هشام أبو الوفا، باعتبارها شخصية ذات نزعة سلطوية، فحرص خان على تتبّع حركات الأيدي والعيون والفمّ في هذه الشخصية، وحرصه على عرض انفعالاتها الحركية والعصبية هو الذي ساهم في إنجاح تقديمها للمشاهد في صورتها الأكثر سلطوية وتسلّطية، كما أنّ الآداء المبدع لكلٍّ من أحمد زكي وميرفت أمين في تقمّص شخصية المتسلِّط والمتسلَّط عليه يجيء كركيزة أساسية في عناصر نجاح الفيلم واستمرار راهنيته لهذا الزمن ولأزمان عديدة قادمة.