فيلم حكاية الحكايات.. الواقع بعيون أسطورية

فيلم حكاية الحكايات.. الواقع بعيون أسطورية

مشهد من فيلم حكاية الحكايات انتاج عام 2015 للمخرج ماتيو جاروني

شغف، رغبة، نهم، تملك، إشباع، حقد، كراهية، تضحية، انتقام، حياة، عدم، حياة، جمود، جميعها معان تجتمع في فيلم حكاية الحكايات أو "Tale Of Tales". الذي كما يشير اسمه يحيل المشاهد إلى عالم من المغامرة والمتابعة الشيقة لأحداث تعود إلى عالم الخيال والخرافة، مع هذا يحافظ الفيلم على عالم الإنسان وتقلباته من خلال شخوص يسعون وراء مشاعر متباينة.

يحافظ الفيلم على عالم الإنسان وتقلباته من خلال شخوص يسعون وراء مشاعر متباينة

من وحي واحد من أشهر الكتب الخرافية الأوروبية يستحضر المخرج الإيطالي ماثيو غاروني عالم فيلمه وحكاياته الجديدة التي تحظى باهتمام عالمي واضح. حكاية الحكايات فيلم يستوحى حكاياته من رواية جيامباتيستا بازيلي والتي تحمل العنوان نفسه، غاروني المعروف بأنه أحد رواد السينما الواقعية الإيطالية المعاصرة يستحضر من خلال حكاية بازيلي ثلاث حكايات من أصل 50 حكاية بالكتاب، ليعبر بها عن عالم الإنسان وما يحمله من مشاعر تنقله من حال إلى حال، فبعد النهم يأتي الإشباع، وبعد الانتقام يأتي الاستسلام، وبعد التملك تأتي التضحية. تلك المشاعر الإنسانية الخاصة التي تراوغ عقل المشاهد مع تتابع مشاهد الفيلم وتتجاوز الساعتين من الزمن.

تواز وتلاق

يعتمد الفيلم في حبكته على ثلاث حكايات متوازية لثلاث ممالك متجاورة، لكل منها حكاياتها الخاصة التي تمثل خصوصيتها وطابعها، فالحكاية الأولى لمملكة يأتي على رأسها حاكم مولع بالنساء ومتعدد العلاقات، حتى توقعه شهواته للهواية، ولا يميز بين الأصيل والزائف. والثانية لملك يكرس حياته لحشرة برغوث عملاقة ويهمل الاعتناء بابنته الوحيدة. أما المملكة الثالثة فتعود إلى ملك وملكة لا ينجبان وتظل الملكة عابثة في انتظار تحقق المعجزة التي تجعلها أمًا.

اقرأ/ي أيضًا: الفيل الأسود.. أوان الحنين للسينما السودانية

تتلاقى الحكايات الثلاث في النهاية بصورة خاصة لتكشف عن عالم جديد مليء بالأحداث التي لم تروَ على أعين المشاهدين من خلال الصورة السينمائية، ولكنها تحضر بقوة على أذهان المشاهدين لما بعد انتهاء المشاهدة.

نزعة نسوية

تتضح من ملامح العمل الذي كرس أربعة من كتاب السيناريو -إدواردو ألبيناتي، يوغو تشيتي، ماسيمو غوديوزو وغاروني- جهدهم لتشكيله بأن الفيلم يحمل نزعة نسوية، إذ إن المرأة تلعب دورًا أساسيًا في تسيير الأحداث. فالمملكة الأولى يأتي دور العجوز ذات الصوت العذب لتسحر الملك ويعتبرها عذراء فاتنة يصلح أن ينالها، حتى تكون نهايته على يديها هي وأختها العجوز الحقودة.

كما تأتي ابنة ملك المملكة الثانية الذي يسفر انتباهه عن ابنته ويهتم بشأن حشرة كانت السبب في عبوس مصير حياة ابنته بتزويجها لغول حتى استطاعت التخلص منه واستعادة حريتها ونالت على هذا شرف أن تكون حاكمة المملكة بدلًا من أبيها، كما يختتم العمل بحكاية مأساوية لملكة تحاول تحقيق حلم أي امرأة بأن تنجب طفلًا يترجم مشاعر الأمومة التي تقطع وجدانها، وتضحي بالغالي والنفيس لنيل هذا الشرف، حتى أنها تضحي بزوجها بكل برود من أجل الحصول على طفل يحولها لقلب وحش.

كما هو واضح، فلتلك المرأة دور المحور الرئيس في بعض الحكايات أو المحرك لها في حكايات أخرى، ويقدم الفيلم فهمًا خاصًا لمعاني تقبع في جذور الثقافة العالمية: كون المرأة هي أصل الغواية كما هو حال الحكاية الأولى، وأنها أصل البقاء كما في الحكاية الثانية، وهي أصل الحياة وهو ما حضر في الحكاية الثالثة.

كما تدين تدان

لا تسير الحياة على وتيرة واحدة وكما تدين تدان. استطاع المخرج أن يترجم تلك الجملة بطريقة السهل الممتنع، فدورا التي تنال شرف الزواج من ملك المملكة الأولى، تترك أختها تتشرد لحماية نفسها، فتعاقب على فعلتها بالكشف عن عجزها أمام زوجها، والفتاة الأميرة التي حاربت الغول وأثبتت أن الشجاعة تكافئها الحياة بعيشة رغدة وحكمة بعد حياة الشقاء، أما ملكة المملكة الثالثة التي تأمل في الولد تحرم منه بموتها بعد تفريقها للأصدقاء.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "خوليتا".. رحلة الصمت والقدرية

خصوصية الصورة

لا تعنى السينما بتتابع المشاهد بقدر الربط بينها، وهو الحال في فيلم حكاية الحكايات

على الرغم من أن أحداث الفيلم تتوزع على حكايات متفرقة وتسير في خط متوازي إلا أنها تلتقي، فقد مثلت الصورة السينمائية خصوصية وشاعرية مميزة لكل حكاية، من حيث الإضاءة ونمط التصوير وكذلك تعبيرات الوجه.

من الوهلة الأولى لمتابعة الفيلم يجد المشاهد نفسه أمام فيلم منسوج من الخيال وكأنه في عالم ألف ليلة وليلة الذي تحفه المخاطر بقدر المغامرة، فلكل شيء ثمنه. تقاطع الحكايات سرد الأحداث، وقد استخدم المخرج لذلك تقنية التتابع في التعريف بالحكايات، وهو ما خلق انسيابية في إيقاع الفيلم فضلًا عن مونتاج/توليف الإيطالي ماركو سبولتيني الذي عمل مع غاروني بأكثر من فيلم قبلًا، والذي كان مونتاجه يحقق حالة الشعور بالتنقل بين الحكايات وكأن المشاهد يطوي صفحات من كتاب يقرأه قبل النوم بشغف بالغ.

أما عن الموسيقى التي تعود إلى الباريسي المخضرم ألكسندر دوسبيله صاحب الإبداعات الموسيقية والحائز على واحدة من الجوائز الأربعة التي نالها فيلم The Grand Budapest Hotel، فقد غلفت عالم الحكايات بأنغام تلائم عالم الأسطورة، كما كان حال التصوير للبولندي بيتر سوزشستكي، إذ تميزت زواياه بشاعرية الحكايات وذلك في حركاتها المتنوعة، والتي ساهمت في خلق إيقاع خاص للمشاهد. كذلك اختيار مواقع التصوير التي جعلت المشاهد يعيش حالة أسطورية خاصة بعيدة كل البعد عن المحيط الواقعي.

قراءة للواقع

التمثيل بالفيلم كان واحدًا ضمن مجموع الإتقانات بالفيلم، فلم يكن فقط واقعيًا ولكنه معايش، كما كان التركيز الأكثر للمشاهد مع مسار الأحداث. حضرت سلمى حايك لدور الملكة العابثة حتى يأتي لها الولد وتميز فينسينت كاسيل حقيقةً بدور الرجل النهم للنساء.

واللافت أكثر ليس التمثيل بقدر اختيار الممثلين، كل في مكانه بصورة دقيقة، تدفع لتصور أن تلك حياة أخرى يتم تصويرها، فالمشاهد يقع بين عالم من ملامح الممثلين وعالم الأقزام والوحوش والخيال العلمي.

بالعودة إلى خلفية المخرج ماثيو غاروني نجد أنه يمثل وجه للسينما الواقعية المعتمدة على الأحداث الحياتية، فيحضر على ذلك تساؤل خاص: "هل يجسد غاروني روح الواقع الجشع بملامحه الأسطورية؟!" الإجابة هنا لدى المشاهد نفسه.

اقرأ/ي أيضًا:

المرأة في السينما.. نمذجة وتنميط

أليس" على طرف الجحيم"