11-نوفمبر-2018

من الفيلم

فلنتوقف قليلًا ونتذكر تلك الصحافية الأمريكية التي قتلت في مدينة حمص بسوريا. ربما قد يبقى مثل هذا الحدث موجودًا في ذاكرة الكثيرين ممن تابعوا الحرب في سوريا بتفاصيلها آنذاك، لكنه ليس كذلك عند الجميع. من أجل هذا، في الأخير، تأتي السينما لتمنح للمشاهد فرصة إعادة التعرف من جديد على أسماء قد تغيب مع تسارع أحداث عالمية ويومية مغايرة.

تأتي السينما لتمنح للمشاهد فرصة إعادة التعرف من جديد على أسماء قد تغيب مع تسارع أحداث

صورة عامة ترتفع شيئًا فشيئًا بتقنية التصوير بالدرون عن خراب شامل. هكذا يبدأ الفيلم البيوغرافي "حرب خاصة" وينتهي أيضا بنفس صورة الدمار. لكن شعار الفيلم سريعًا ما يذكرنا ببعض التفاؤل الحقيقي "أقوى سلاح.. هو الحقيقة".

اقرأ/ي أيضًا: سكارليت جوهانسون لابن سلمان: تمويلك مرفوض

يحكي الفيلم قصة ماري كولفن (في دور أتقنته النجمة البريطانية روزاموند بايك) واحدة من أكثر مراسلي الحروب شهرة في عصرنا، هي الصحافية الأمريكية التي اشتغلت مع "صنداي تايمز" البريطانية على مدى عقدين من الزمن، متموقعة بكل شجاعة في أكثر مناطق العالم شراسة وصراعًا. تبحث دومًا عن قصة إنسانية وسط الخراب الذي تخلفه النزاعات المسلحة، تسأل الثكلى واليتامى وتنقل بأسلوبها الخاص حيوات أناس عاشوا الفقد والوجع بكل تفاصيله، حتى أنها تنصح زملاءها بضرورة نقل صوت الناس أكثر من الحديث عن وقائع الحروب والصراعات، أو عن نوع الأسلحة والطائرات التي استخدمت في القصف، ليكونوا صوتًا لمن لا صوت لهم.

في تسلسل زمني مبعثر أحيانًا، لتغطياتها الجريئة والمميزة للحروب، يظهر الفيلم حادثة فقدها عينها اليسرى إثر انفجار قنبلة يدوية خلال تواجدها بسيرلانكا لإجراء مقابلة مع زعيم النمور التاميل في صراعهم مع الحكومة. تضطر لتغطية عينها برقعة سوداء وتضحك على نفسها بألم، كونها القرصان الجديد. تصرّ دومًا على التواجد في بؤر صراع وحروب حية، هي لا تهادن ولا تهدأ، تصنع السيناريوهات وتتحايل خلال تواجدها في أمكنة الحرب لتخرج عن الطوق الذي يفرضه المسلحون (جيوشًا أو جماعات) على الصحفيين لتوجيه عملهم، فتصل إلى حيث يجب ألا تكون في نظر أطراف الحرب فيما هي تعتقد أنه المكان الذي تركت من أجله دف شقته في لندن، لأن فيه يوجد الإنسان الذي تطحنه الحرب من دون أن ينتبه له أحد لأنه أصبح مجرد رقم، فتدّون حقائق يتوانى الكثيرون عن تتبعها. تبحث خلف التفاصيل الإنسانية وتروي حكايات ضحايا الحروب. وتنجح ببراعة قلمها أن تجعل منها السبق الصحفي للحرب وليس ما يجري وراءه زملاء آخرون من إحراز معلومات خاصة عن تقدم الوحدات ومسارات القتال.

لم تكن سعيدة بما يكفي في حياتها العاطفية، هي التي أجهضت مرتين واقتنعت بحزن بالغ أنه لا يمكن لها أن تكون أمًّا. تدخل في صدمات عصبية جراء المشاهد المرعبة والقاسية التي كانت على تماس متواصل معها، وتسكن الكوابيس لياليها. ترفض أن تذهب للعلاج، وتغرق في حالة من الهروب نحو الأمام. أن تكون هناك، في المكان الذي تراه يناديها دائمًا رغم كل المخاطر والمخاوف والتحذيرات. هي تضحك مع أصدقائها وتتعايش معهم، لكنها غائبة.

سيختصر المخرج ماثيو هاينمان قليلًا حيرة المشاهد، في الانتقال من صور جميلة في لندن نظيفة، ليضعه فجأة وسط خراب كامل لا يفهمه سريعًا، في انتقال سينمائي يكشف فداحة الوضع في مناطق الحروب.

تضطر في الأخير إلى دخول مصحة نفسية للعلاج، غير أنها سرعان ما تشعر كأنها في سجن وتطلب من رئيس تحريرها العودة مجددًا إلى الميدان.

ليس مهمًا لاحقًا أين نحن: أفغانستان أو الفلوجة، ليبيا أو حمص.. فلسطين، الشيشان، كوسوفو أو زيمبابوي.. الأكيد فقط أنّ صور الخراب مفجعة، وملامح الفقد والألم في أوجه صحفيي الحرب تختصر كل الحكاية، في الفلوجة تهرب بذكاء من خلال إظهار بطاقة اشتراكها في ناي صحي بلندن، وتقول إنها من فرق الإغاثة، وبعد دخولها المنطقة المحضورة تكشف عن إحدى أكبر المقابر الجماعية وقتها.

تلتقي لاحقًا بمعمر القذافي وتغطي أحداث الثورة الليبية، وتلتقط تفاصيل الصراع المسلح، وقبلها أفغانستان والعراق. أما سوريا فستكون نقطة محورية بالنسبة لها، وتراها الحرب الأكثر شراسة والأفظع على المدنيين من كل ما رأته سابقًا في تغطياتها. هنا "البيوت المحروقة، الأجساد المشوهة، النساء الباكيات على أطفالهن وأزواجهن، والرجال الباكون على زوجاتهم".

الفيلم هو حرب ماري كولفن الخاصة مع نفسها، ومع ذاك الخيط الرفيع الذي يسحبها دومًا نحو الخطوط الأمامية للصراعات عبر العالم لإيصال صوت الحقيقة، وتظل تكرّر جملتها المتلازمة: "إنهم يقترفون أشياء بشعة هناك، يجب أن نكون هناك". وهناك هي كل مكان تخيّم عليه الحروب. يظهر لنا لاحقًا زميلها مصور الحرب الشهير بول كونروي (جيمي دورنان) وظلا معًا إلى أن فرقهما الموت في حرب سوريا بحمص.

صور الخراب مفجعة، وملامح الفقد والألم في أوجه صحفيي الحرب تختصر كل الحكاية

ساعات قليلة بعد تدخلها عبر السكايب في عدة قنوات عالمية في فبراير/شباط 2012 لتنقل حقيقة القصف الهمجي الذي يمارسه النظام السوري ضد المدنيين في حمص وتدحض ادعاءاته بأنه يقصف "جماعات إرهابية"، مقدمة صور الضحايا من الأطفال والنساء والمدنيين، وكانت المراسلة الغربية الوحيدة التي ظلت في حمص بعد الحصار وبداية القصف، يتم استهداف مكان تواجدها والمصورين الصحفيين، وتقتل هناك رفقة المصور الفرنسي ريمي أوشليك.

اقرأ/ي أيضًا: "اصطياد أشباح".. الحياة هي في مكان آخر

حرب ماري كولفن الخاصة كانت متكررة مع هاجس نقل الحقيقة من مناطق الحروب في الوقت الذي عرض عليها رئيس تحريرها أن تستريح وتشرف على تنسيق الحدائق في ذات الجريدة، لكنها أصرت على أن تواجه بشاعة كل تلك الحروب بحذاقة عين واحدة بصيرة تمامًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

آلام اللاجئين بعدسة لينا دونهام.. كل شيء "أبيض"؟!

قريبًا.. فيلم "بريكنغ باد" بمشاركة أبطال المسلسل الأصلي!