فيلم

فيلم "بين المؤمنين".. صناعة التطرف في باكستان

من الفيلم

 

"بين المؤمنين" فيلم وثائقي للمخرجين محمد على نجفي وأمل تريفيدي يقدم نظرة متفحصة لصعود التطرف الديني في باكستان، من تتبعه لمجموعة من الأطفال الذين يتم دفعهم باتجاه اعتناق شكل راديكالي للإسلام من قبل مدارس "كتاتيب" أصولية تقدم الطعام والتعليم والإقامة والرعاية الطبية لفقراء هذا البلد، وهو أمر لم تقم به الحكومة الباكستانية ونفضت يديها منه سابقًا. 

"بين المؤمنين" فيلم وثائقي يقدم نظرة متفحصة لصعود التطرف الديني في باكستان

يقوم بناء الفيلم على سلسلة من المقابلات نتابع فيها الطلاب، ومعلميهم، وزعيم جماعة "المسجد الأحمر"، وهي مجموعة من المؤسسات التعليمية سيئة السمعة مرتبطة بعدد كبير من الهجمات الإرهابية محليًا ودوليًا، كذلك مقابلات مع هؤلاء الذين يحاولون التقليل من سرعة انتشار المد الأصولي في باكستان (لاحظ أن هؤلاء الإصلاحيين لا يسعون إلى تجفيف منابع الأصولية مثلا ولكن تقليل سرعة انتشارها، ولك أن تتخيل مقدار البؤس المحتوم في بلد مثل باكستان).

اقرأ/ي أيضًا: بيتر دنكليج.. لا أعرّف نفسي بناء على حجمي

من هذه المقابلات نستطيع تكوين انطباع معايش عن المناخ السوسيو-سياسي الراهن في باكستان، وهو في الواقع لا يختلف كثيرًا عن مثيله في البلدان الغربية: غالبية المسلمين من الباكستانيين هم متدينون بنفس قدر تدين غالبية الغربيين؛ حيث حضور الكنيسة يكون في المناسبات الدينية الكبرى مثل عيد الميلاد وأبدًا لا يتبعون أيًا مما في النصوص الدينية بصورة متشددة. واحدة من أكبر نقاط قوة الفيلم هي تبديد الفكرة الغربية عن باكستان كدولة فاشلة وكبقعة ملتهبة للتطرف الديني المدعوم حكوميًا، يريد كل واحد من مواطنيها أن يقتل غير المسلمين. بدلًا من ذلك نرى مقاربة أكثر دقة للبلد يكون فيها شكل معين من التطرف ذي المرجعية الدينية يعيث في الأرض فسادًا ويلقى هوى في نفوس البعض (مثلما يحدث مع بعض الحركات المختلفة والغريبة في الدول الغربية) ويغسل عقول الشباب الصغار بوعود من الغذاء والمأوى في الحياة والجنة ونعيمها في الحياة الآخرة لهم ولعشرة من أفراد عائلاتهم، إذا كرّسوا شبابهم لتحفيظ القرآن، وللثقة في رجل لا يريد شيئًا أكثر من إعادتهم ثانية إلى العصور الوسطى.

من السهل رؤية لماذا يلجأ الناس في باكستان إلى هذا المسار حين تفاجئنا البدائل المتاحة؛ فالعيش كطفل باكستاني فقير يعني حياة متقشفة للغاية لا تدفع الجوع بعيدًا وتعني أيضًا زواجًا مرتبًا في سن مبكرة جدًا (12 بالنسبة للفتيات و14 بالنسبة للأولاد مثلًا). 

حين نضع في الاعتبار الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي سمحت لهذه "المدارس" الدينية بالازدهار (الظروف التي تم وضعها وتشريحها بشكل ممتاز في هذا الفيلم)، لا عجب إذا أن نجد الآباء والأمهات ممن يواجهون صعوبة كبيرة في توفير حياة كريمة لأنفسهم، ناهيك عن أبنائهم، يقدمون أولادهم فريسة سهلة ومجانية لهذه المدارس المتطرفة من أجل توفير المسكن والتعليم لهم، خصوصًا حين نعلم أن التعليم الأساسي في باكستان ليس مجانيًا، وأن الدولة لا تضع التعليم في سلم اهتماماتها الأولى بالدعم. 

"بين المؤمنين" يقول أيضًا إن القراءة المتشددة للقرآن المتبوعة بالتنشئة في "المسجد الأحمر" هي قراءة أصولية ومتطرفة في طبيعتها، وأن هذه ليست هي القراءة التي يتبعها أغلبية سكان باكستان المسلمين، ومرة أخرى يقوم الفيلم بذلك بطريقة تبيِّن مدى تشابه ذلك السيناريو مع الكيفية التي يتبع بها المسيحيون الكتاب المقدس في أمريكا.

في أحد مشاهده، يؤكد "بين المؤمنين" بأن مشكلة باكستان مع التطرف وليدة سياسات الولايات المتحدة

وفي الوقت الذي يوضح فيه الفيلم ببراعة كيف ارتفعت مؤسسات مثل "المسجد الأحمر" إلى السلطة والانتشار، وببراعة كذلك يبيّن فكرة أن باكستان ليست في حد ذاتها دولة متطرفة، إلا أنه يبدو سطحيًا قليلًا مع عدم وجود شيء آخر يقدّمه للمشاهدين حتى نهاية مدته التي تبلغ 84 دقيقة. 

اقرأ/ي أيضًا: حمزة نمرة.. راوٍ يتجول بالأغاني

هناك مشهد رائع يلخص تمامًا الفكرة القائلة بأن مشكلة باكستان مع التطرف هي وليدة سياسات الولايات المتحدة، من خلال عروجه على الطريقة التي قدمت بها الحكومة الدعم المالي لـ"المسجد الأحمر" خلال الحرب الباردة من أجل محاربة الروس في أفغانستان إلى جانب (أو بدلًا من) الولايات المتحدة كقوة عسكرية. 

وبعد انتهاء الحرب الباردة بين القطبين الأمريكي والسوفيتي انسحبت أمريكا من تمويل ودعم المؤسسة، والتي بدورها وجدت حليفًا وداعمًا جديدًا اسمه أسامة بن لادن. يترك الفيلم نقده للولايات المتحدة عند هذه النقطة، في محاولة منه لئلا يُنفّر جمهوره الغربي -الذي يخاطبه بالأساس- من حملته ضد كراهية الأجانب (xenophobia). وبينما تلك المحاولة يمكن اعتبارها هدفًا نبيلًا من صانعي الفيلم، إلا أنه هدف مخادع نوعًا ما ويواصل حملة التضليل التي تقودها حكومة الولايات المتحدة، التي لا تريد بالضرورة الحصول على ملكية أفعالها وقراراتها أو مسئوليتها الجزئية والأساسية عن هذه المشكلة المزمنة التي تعاني منها دولة باكستان الحديثة. 

أفلام وثائقية أخرى خرجت من أمريكا نفسها، مثل "فهرنهايت 11-9" لمايكل مور، ذهبت عميقًا في نقدها لسياسة الولايات المتحدة من قبل، لذا ربما يمكن القول، على سبيل الدفاع، أنه ليس ضروريًا لهذا الفيلم (بين المؤمنين) أن يقوم بفعل ذلك مرة أخرى، فالفيلم يجعل تركيزه منصبًا على الشأن الباكستاني من الداخل ومع ذلك فإن قليلًا من التركيز على صعود المؤسسة المتطرفة قبل الانتشار الواسع والناجح لتكتيكاتها التلقينية كان سيبدو مفيدًا وكاشفًا أكثر.

إجمالًا، فيلم جيد، وعرض لطيف للمهارة السردية لمخرجيه. وبينما نعلم جميعًا أن الإسلام الراديكالي لن يختفي قريبًا (وربما لن يختفي أبدًا)، فإن محاولة إخبار الغربيين حول ما يحدث في باكستان من خلال فيلم وثائقي هي خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح لدرء كراهية الأجانب المتفشية مؤخرًا كوباء في الغرب.

اقرأ/ي أيضًا:

المغرب.. هل تنفع برامج "التوطين" مع جمهور المسرح؟

"وجهة سفر".. براويز معلقة للثورة