فيلم

فيلم "بلاهيبة".. التنمر في بعده السياسي

من ملصق الفيلم (فيسبوك)

يطرح فيلم "بلاهيبة" قضية التنمر، وسرعان ما يتبادر إلى الذهن موضوع التنمر بين الأطفال في المدرسة وأثناء اللعب في الحي. لكن رافي وهبي، ككاتب ومخرج، يطرح ما هو أكثر من ذلك في قالب كوميدي، وهنا مكمن الصعوبة، إذ يتجاوز مضمون النص القالب الكوميدي الموضوع فيه أو الذي يحتويه ويحمله. ففي أغلب الأحيان تقترن العبثية بواقع معاش، ذلك أن الإنسان يمكن أن تنتهك حقوقه لأتفه الأسباب ويزج به في السجون ويتم تعذيبه ونفيه. فهل يقتصر التنمر على بعده الفردي أم أنه يطال أبعاد اجتماعية وسياسية أوسع؟

قصة الفيلم

محسن (عباس جعفر)، أو "بلاهيبة" كما ينادونه ويسخرون منه في قريته "رأس التلة"، شاب عشريني يحب الفتاة "هيفا" ويسعى للزواج منها، لكن أخاها يرفض ذلك نظرًا لأنه يعتبر محسن شخصًا غبيًا. في المقابل يحكم رأس التلة الختيار، وهو زعيم العشيرة ولديه عدد من الفتيات والأصهرة والأحفاد. محسن واحد من أحفاده.

هل يقتصر التنمر على بعده الفردي أم أنه يمتد إلى أبعاد اجتماعية وسياسية أوسع؟

يحلم الختيار أن أحد أحفاده سخر منه في المنام وأضحك الناس عليه وقد وقعت عباءته عن كتفه مما أثار القلق بداخله من مخطط فتنوي للإطاحة به. ومن أجل ذلك يسعى إلى اكتشاف من هو الشخص الذي رآه في منامه وأضحك الناس عليه، فيتبين له أن "بلاهيبة" هو ذلك الشخص. ويتم سجنه في "بيت الحبس"، وهو سجن مرادف لغرفة الجرادين التي كانوا يخيفوننا بوضعنا داخلها حين كنا صغارًا كعقاب لنا. ففي رأس التلة مجرد ذكر "بيت الحبس" كفيل بإثارة الرعب في النفوس.

اقرأ/ي أيضًا: Once Upon A Time in Hollywood.. حنين تارانتينو إلى زمن ضائع

في حديث مع "ألترا صوت"، قال الكاتب والمخرج السوري رافي وهبي: "كان الأساس مركزًا على بناء حكاية بسيطة وقادرة أن تحدث تأثيرًا عاليًا، وأن تستهدف فئات عمرية مختلفة، وأن تكون مشوقة، وتستند إلى الواقع وتعتمد على مفارقات، وأن تحوي تيمة الحب التي تعتبر أساسية في هكذا أنواع من الأفلام".

وأضاف: "حاولت تقديم صورة بسيطة للغاية وواقعية للغاية ولها دلالاتها وإسقاطاتها مهما أخذتها الكوميديا بعيدًا في المبالغة".

التنمر السياسي!

يطرح نص رافي وهبي قضية التنمر السياسي في مجتمع متخيل، كالمجتمع العشائري في "رأس التلة"، القائم على الأبوية والاستبداد، حيث تنشأ الشخصيات المقهورة. ثنائية القاهر والمقهور متواجدة دائمًا ولكنها ليست ثنائية شخصانية بين البطل "محسن" ذي الصفات الخيرة وبين غريمه "عبسي" الشرير ذي الصفات السلبية. إنما التنمر مطروح بكونه قائمًا بين محسن في مواجهة عبسي، وفي مواجهة السلطة المتمثلة بالختيار والزعماء وأصحاب المناصب ومجتمعه ككل، وبالتالي عمومية التنمر بكونها حالة اجتماعية عابرة وضاغطة على الأفراد والجماعات.

من هنا يتخذ الفيلم المنحى السياسي غير المباشر في نص وهبي، إذ يمكن القول إن غالبية عظمى ممن يعيشون في مجتمعات مستبدة يعانون من حالات التنمر، سواء كان مصدر الاستبداد الأصدقاء أو المؤسسات الاجتماعية أو السياسية.

شخصية "بهيجة"، وهي شقيقة الختيار وعمة البطل محسن، تعيش كالدجاجة في كنف أخيها الختيار بعد أن منعها من الزواج بمن تحب وقص لها أجنحتها. بهيجة التي تربي دجاجًا وحمامة لا تطير في ذات القن! لقد سرق منها التنمر الاجتماعي والسياسي المستبد صباها وأحلامها. من هنا لا يبدو غريبًا حينما يحاكم إنسان طيب مثل بلاهيبة لأن صورته مرت في حلم شيخ العشيرة الختيار، الحاكم الأول والأخير، بل تغدو المحاكمة عبثية وظالمة، إذ هل يعقل أن يسجن شخص لأنه أضحك الناس في منام الزعيم؟ هل يعقل أن تسقط جلابية الختيار عن كتفه أثناء حلمه؟ لا بد من وجود مسؤول عن التخطيط لهذا الانقلاب. وفي خضم البحث عن الفاعل تتوالى الأحداث والمفارقات الدرامية.

التنمر كأداة للخصي

مجرد افتراض أن هذا البطل ذا الشخصية الضعيفة والطيبة والذي يتم التنمر عليه والسخرية منه ويضطهد اجتماعيًا وتُمارس عليه كافة أشكال العنف.. مجرد افتراض أن يصبح زعيم ضيعة رأس التلة فلا بد أن يمر بمجموعة كبيرة من المفارقات والأحداث الدرامية.

يقول وهبي: "شخصية البطل غير قادرة على اتخاذ قرار وتسأل باستمرار (لو كنت مطرحي شو بتعمل؟) وبالتالي هي شخصية فاقدة للفعل". ويضيف: "أما الختيار فهو شخص لديه هوس بالسلطة ونتيجة حلم ما يبدأ بالبحث عمن يريد أن يسلبه الزعامة والكرسي والعباءة وكلها رموز سلطته".

يرصد فيلم "بلا هيبة" شخصية فاقدة للقدرة على الفعل نتيجة تنمر السلطة الاجتماعية

يصف وهبي بلاهيبة على أنه فيلم فيه "جماهيري جذاب، لكن على مستوى ثان هناك معالجات يجب التوقف عندها". فهناك شخصية الزعيم الذي يمارس الاستبداد السياسي والمجتمع الذي يمارس التنمر على البطل محسن، وبذلك تصبح الشخصية مضطهدة على المستويين الإجتماعي والسياسي وبذلك يصبح التنمر ذات بعد سياسي ويصبح الاستبداد شكلًا من أشكال التنمر الجماعي على كل مخالف.

اقرأ/ي أيضًا: أشرف مروان "The Spy".. العميل المُحيّر

الاستبداد السياسي والتنمر الاجتماعي في الحالتين يعتبران اضطهادًا، ويساهمان في خلق أشخاص فاقدين للثقة بأنفسهم واتكاليين وعاجزين عن اتخاذ القرار. بالمحصلة ينتج الاستبداد السياسي شعوبًا مخصية على صعيد الفعل.

دوامة الاستبداد

يرى وهبي أن هناك حاجة في العالم العربي عمومًا لتكريس مفهوم البطل الإيجابي، وهذه واحدة من رسائل الفيلم، ومن هنا جاء الدفاع عن هذا النوع من الشخصيات اللطيفة المحببة، وللقول إنه ليس بالضرورة أن تكون هذه الشخصيات خاسرة، بل ربما تنجح في الوصول إلى مراكز الحكم، والكوميديا تسمح بذلك عن طريق الصدفة.

يعبر وهبي عن أن الفيلم لم ينتصر للبطل "بلاهيبة" كزعيم وإنما انتصر له كإنسان، وصحيح أنه ليس الشخص المناسب للحكم، ولكنّ جزءًا من وصوله لأخذ مكان الختيار هو الختيار نفسه بسبب استبداده.

يرى أنه منذ 2011 وحتى اليوم كشفت أحداث الربيع العربي والتحولات الخطيرة في الدول العربية عن تمسك أصحاب السلطة بسلطتهم مهما كانت الفاتورة غالية الثمن. وأضاف: "صحيح أن الفيلم لا يشكّل سوى موازي بسيط للأحداث، ولكن على بساطته استطاع الفيلم أن يحمل هذه الرمزية".

فالختيار حتى في أحلامه يمنع أحد من الجلوس مكانه على كرسي الزعامة ولبس عباءته. وبالتالي يطرح الفيلم كيف تتحول مصائر المحيطين بالزعيم بناء على هذا الحلم، هؤلاء الذين لا دخل لهم لا من قريب ولا من بعيد، وكيف أن تمسكه بالسلطة هو من أحد أهم أسباب خسارته لها.

ينتج الاستبداد السياسي شعوبًا مخصية على صعيد الفعل، ويساهم في خلق أشخاص عاجزين عن اتخاذ القرار

الختيار بمثابة الإله الذي لا يموت ولا ينتهي حكمه، وهو متربع على عرش المكان والزمان في ضيعة راس التلة، ومن هنا رمزية علاقته مع السلاحف وتربيته لهم، فنجد السلاحف في أغلب المشاهد التي يتواجد فيها لتعبر عن لانهائية مطلقة لحكمه كونها حيوان معمر ولديها هذا البقاء الطويل، وكونها تتصف بإيقاع بطيء مترهل كحال معظم الحكام المستبدين الذين يرفضون مبدأ تداول السلطات.

اقرأ/ي أيضًا: خارج حدود السينما.. داخل حدود السياسة

ليست "رأس التلة" سوى نموذج مصغر لمجتمعاتنا العربية حيث كل شيء يجب أن يمشي كعقارب الساعة بانتظام تام، ومن ثم يأتي شخص "هبيلة" ليهدم أركان هذا النظام الهش. في "رأس التلة" كل من يخالف السائد مصيره التعذيب في بيت الحبس. إنه مجتمع يغيب عنه كل منطق ولكنه في الوقت ذاته يعبر عن حال وأحوال المنطق السائد في مجتمعاتنا.

اقرأ/ي أيضًا:

5 من أفلام فؤاد المهندس.. الكوميديا لا تموت أبدًا

5 أفلام مصرية ممنوعة من العرض.. نماذج من تاريخ الرقابة