فيلم

فيلم "بابيشة".. ألوان الحياة تتحدى عتمة الإرهاب

من الفيلم (IMDB)

لم تكن نجمة الشابة الجامعية تدرك أن ممارسة شغفها بتصميم الأزياء، سيفتح عليها وعلى رفيقاتها نيران الكره والغضب، وسيبدد طموحاتهن ويقتل أحلامهن بالحياة على مذبح التطرف الديني.

"بابيشة" تعني باللهجة الدارجة الجزائرية الفتاة الجميلة والأنيقة، وهكذا حقًا تظهر "نجمة"

"بابيشة" تعني باللهجة الدارجة الجزائرية، الفتاة الجميلة والأنيقة، وهكذا حقًا تظهر "نجمة" (لينا خُضري) بطلة هذا الفيلم المبدع الذي طرق كل أبواب العالمية. من اللقطات الأولى للفيلم تبدو بابيشة بكامل القوة والجمال وعنفوان الشباب، تملأها الرغبة الملحة للحياة والمرح والمغامرة حد الطيش في كثير من الأحيان، غير أن هذا الجمال تلوثه في كل مرة يد الإرهاب الطاغية. نراها تشتري حريتها بالقليل من المال الذي تدفعه لحارس السكن الجامعي حتى يسمح لها بالتسلل خارج أسواره، لكن هذه الحرية لا ثمن لها إلا حياتها عند الإرهابيين.

اقرأ/ي أيضًا: "العودة".. خيبة أمل جزائرية

يفتح فيلم "بابيشة" نافذة على فترة مأساوية في التاريخ الجزائري الحديث، وهي سنوات الحرب الأهلية التي اتسمت بالإرهاب والتطرف الديني في تسعينيات القرن الماضي، وسميت بالعشرية السوداء، كل ذلك من منظور الشابة الجامعية "نجمة" التي تعشق تصميم الأزياء. "بابيشة" إنتاج جزائري فرنسي بلجيكي مشترك، رُشح لنيل جائزة الأوسكار لأحسن فيلم أجنبي لسنة 2020، كما حصد جوائز في مهرجان "سيزار" الفرنسي، وجوائز عربية أخرى، كل ذلك رغم منع عرضه في الجزائر.

الفيلم الذي استغرق المخرجة والكاتبة مونية مدور ست سنوات من الإعداد والبحث، احتاج أكثر من ربع قرن لتتقبل مدور فكرة استرجاع الماضي الأليم ونكأ الجراح المندملة التي لم تشفيها السنين. لم يكن سهلًا استحضار سنوات من الذاكرة الجمعية عن الدم والدمار، لكن البوح بحقيقة ما جرى، كان بمثابة علاج نفسي واجتماعي لكل من عايش صدمات خلفتها سنوات طويلة من التيه والضياع والقتل المجاني. غير أن هذا الوجع لم يُقدم دفعة واحدة، فقد اختارت مدور أن تصعِّد الأحداث الدرامية شيئًا فشيئًا، فيظهر الفيلم في بدايته كبحر هادئ في ليال صيف دافئة، غير أنه ينقلب لعاصفة تطال كل شيء.

بطولة نسوية ونماذج المرأة في مجتمعات التطرف

يبدو في الظاهر أن المخرجة تناولت تلك الفترة من وجهة نظر خاصة بشابة حالمة وكيف انعكست على حياتها وطموحها، غير أن التأمل في ثنايا النص والمشاهد يكشف عن طبقات أكثر تعقيدًا عن شكل الحياة الاجتماعية في تلك الفترة الحساسة من تاريخ الجزائر، وعن شباب لا يرى أملًا إلا بالهجرة، وآخر يُستغل لحمل السلاح، وأخريات يكافحن لحماية أنفسهن وعائلاتهن. نسجت مدور مجموعة من حكايات الشابات التي تقاطعت مع تجربة نجمة، وقدمت نماذج للجزائريات في تلك الفترة، وحرصت على إظهار تفاصيلهن الإنسانية البسيطة، ورغباتهن المكبوتة والمصادرة؛ عبر شخصيات ذات دلالات واضحة وبأبعاد متوازية، فرصدت المرأة القوية والمرأة الضحية، وتلك التي كانت في صفوف النضال ضد الاستعمار.

اختارت مدور أن تركز على الأبعاد النفسية والشروخات المجتمعية التي أنتجتها تلك الفترة المظلمة على حياة النساء، دون محاكمات أو مواقف سياسية من الصراع الدائر آنذاك وأصل نشأته، بل حتى دون إظهار لدموية أعمال العنف وبشاعة المجازر المروعة التي ارتكبت بحق المدنيين، ومعظمهم من النساء والأطفال، واكتفت بالإشارة إليها في عناوين الأخبار كما وردت في شاشات التلفزة والمذياع.

يفتح فيلم "بابيشة" نافذة على فترة مأساوية في التاريخ الجزائري الحديث، وهي سنوات الحرب الأهلية

"أنت في حالة انتظار دائمة، تنتظر علاجًا.. تنتظر وظيفة.. تنتظر مكانًا لتعيش فيه.. الجزائر ليست سوى غرفة انتظار كبيرة"، هكذا عبرت كهينة صديقة نجمة عن حلمها بالهجرة، حتى لو اضطرت أن تنصب خيمة أمام السفارة الكندية لكي تحصل على الفيزا، أو تعلن إضرابًا مفتوحًا عن الطعام، أو حتى أن تقطع البحر سباحة إلى هناك، لكن رصاصات الغدر كانت أسرع إليها فأردتها قتيلة خلال عرض الأزياء الذي أصرت نجمة على تنفيذه بمساعدة صديقاتها كعارضات. نشهد أيضا معاناة سميرة الفتاة المحجبة، المقموعة والخائفة من الإفصاح عن رغباتها وأحلامها، والمحرومة أيضًا من غناء الراب الذي تحبه، وتحسد نجمة ووسيلة على حريتهن. شقيقها يسعى إلى تزويجها من شخص اختاره لها، فيما هي تحب زهير وتحمل منه، لكنه يتخلى عنها بنذالة. تنجو سميرة من قبضة الإرهابين وتهرب من سطوة أخيها للعيش مع نجمة وأمها بعد أن يتخلى عنها الجميع.

اقرأ/ي أيضًا: ​عصام تعشيت.. الحياة فيلم قصير

فيما تقدم مدور نماذج مخيبة للرجال في تلك الفترة، فهناك المتحرش، وآخر يفضل الهجرة على حبيبته، وآخر يتحول من بائع أقمشة عادي إلى إرهابي، فإنها تقدم نماذج مغايرة للنساء: نجمة التي تصر على البقاء في الوطن، وسيلة التي تُعنف من صديقها الذي يرفض تعليمها لأن سكن الجامعة الداخلي "بيت دعارة في الهواء الطلق" في نظره، وهكذا أخريات.

تواجه نجمه بكل طاقتها هذا السواد المحيط بها وترفض الاستسلام والانصياع له، غير أنها تضطر للانسحاب أو الانكفاء في بعض الأحيان تحت تهديد السلاح خوفًا على حياتها، ويظهر ذلك عندما تضطر لتغطية شعرها هي وصديقتها وسيلة، عندما تعترضهما مجموعة من الملثمين المسلحين.

سخريات الموت والحياة.. في زمن الحرب

تتصاعد في توازٍ ثوري تناقضات الفيلم عبر ما يقارب الساعتين من السرد الزمني، الجمال مقابل القبح، القوة مقابل الجُبن، الحرية مقابل القمع، الحب مقابل الكره، التسامح في مواجهة الانتقام، سواد الزي المفروض على المرأة مقابل بياض الحايك الزي التقليدي لها. إنه خليط المتضادات والصراعات التي يعيشها الفرد في وطن مزقته التجاذبات السياسية والمصالح التي تصارعت وأغرقت الجميع في مستنقع الدم والخراب.

هذه التناقضات بالنسبة لكثير من النساء في مجتمعات القمع هي "الحياة العادية اليومية"، فالفيلم في حقيقة الأمر ليس قصة جزائرية خاصة، بل قصة كل أولئك اللواتي لا يملكن الحق في التعبير عن رغباتهن، أو حتى أبسط القرارات المتعلقة فيهن كالتعليم أو العمل أو الزواج أو حتى اللباس. ذلك كله، يجب أن يندرج في إطار المعايير الخاصة للمجتمع القامع، أو للجماعات المتطرفة والتي تلبي بالأساس رغبات ذكورية باسم الدين. تعيش النساء هذه الصراعات الداخلية والازدواجية يومًا بعد يوم، بين الحياة التي يرغبن عيشها والحياة التي لا مفر من مجاراتها تحت تهديد السلاح.

فيلم "بابيشة" ليس قصة جزائرية خاصة، بل قصة كل اللواتي لا يملكن الحق في التعبير عن رغباتهن

"الحياة ليست بالصراع مع الآخر" هذا ما كان يشرحه أستاذ اللغة الفرنسية، قبل أن تقتحم المحاضرة قوة نسائية من الجماعة بالضرب والصراخ، تقول إحداهن: "لعن الله قومًا يتحدثون الأجنبية"، وسط ذهول وخوف الطالبات، اللواتي كن هدفًا لهؤلاء النسوة في كل مناسبة، فيقتحمن غرفهن وينتهجن بحقهن كل أساليب الترويع والتعنيف والضغط النفسي بكيل الإهانات والشتائم ووصفهن بالفسق والفجور. الإرهاب ليس فقط إراقة الدماء، هو أيضا إراقة الكرامة. إنه اعتقاد هؤلاء أن لا طريق إلى الله إلا طريقهم.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "البئر".. هل يمنح الجزائريين أوسكار؟

تتوالى الأحداث لتصل ذروتها عند مقتل أخت نجمة بدم بارد على مدخل منزلها، بعد أن تطلبها إحدى السيدات المنتميات للجماعة. ليندا الجميلة والحساسة والمؤمنة بموهبة اختها كانت تعمل صحفية، في وقت كان يتم فيه استهداف الصحفيين بالترويع والقتل. قُتلت وهي ترتدي زي "الحايك" التقليدي الذي أهدتها إياه إحدى السيدات التي ترغب بخطبتها لابنها. قبل لحظات من مقتلها كانت والدتها تعلمها طرق ارتدائه وكيف كانت الجزائريات يستخدمنه في تهريب السلاح للثوار خلال حقبة الاستعمار الفرنسي، لأنه مصنوع من خمسة أمتار من القماش الذي تلفه المرأة حول نفسها. إنه دلالة الموت المزدوج الذي شهدته المرأة مرة من الاستعمار وأخرى من التطرف الديني.

كيف يتحول العاديون إلى قتلة؟

كيف تُزرع الأفكار الضلالية في المجتمع وتنمو في عقول أفراده؟ كيف يتحول الناس العاديون إلى قتلة ومجرمون؟ وكيف يتغلغل الفكر المتطرف الإرهابي والإقصائي لرفض كل مختلف باسم الدين إلى البسطاء من الناس؟ سؤال لابد وأن يراود المشاهد الذي يرى صديق نجمة الشاب في مقتبل العمر، وهو يصرخ فيها طالبًا منها الالتزام اللباس الإسلامي الأسود قائلا لها: "إلبسيه قبل أن تلبسي الكفن"، ثم يمضي لتوزيع وإلصاق ملصقات هذا اللباس على جدران الجامعة، وهو يحمل السلاح. وآخر كانت تشتري منه ما يلزمها من أدوات الخياطة، فينقلب محله الذي كانت تملأه ألوان الأقمشة بأنواعها الشيفون والدانتيل والحرير، وتفاصيل الخياطة من خرز ولآلئ وغيرها، إلى الحجابات "المضادة للبكتيريا" والعباءات السوداء، تماشيًا مع التيار المتزايد في الطلب عليها. يدخل في جدال مع نجمة حول المرأة فيقول: "المرأة يجب أن تبقى في البيت حتى تظل قريبة من الله، ولا تخرج منه إلا بإذن زوجها أو أخيها أو أبيها"، لكن الالتباس والتحول المأساوي له عندما تلمحه نجمة لاحقًا وهو مسلح يبحث عنها لقتلها أثناء الهجوم الذي نفذه المسلحون على الفتيات في الجامعة.

تستند بيئة التطرف الديني إلى مجموعة من العوامل لتتشكل وتترسخ في المجتمعات الهشة التي ينخرها الفقر والجهل، وتجند الشباب بعد غسل دماغهم بالسواد، مستغلة البطالة والحاجة، والابتزاز الديني لتحقيق ذلك. يُضاف إليها في حالة الجزائر، التعبئة ضد شبهة الفرانكفونية والخوف من التماهي مع ثقافة المستعمر والدفاع الهوياتي عن العادات والتقاليد. ورغم أن المجتمعات العربية بشكل عام مجتمعات متدينة تدينًا قائمًا على الفهم الشعبوي للدين بأخلاقه وتسامحه، إلا أن الجماعات المتطرفة تسعى لاستبدال هذه القيم الإنسانية في الدين وتغيير التقاليد السائدة المحافظة أساسًا بأخرى متعصبة وإقصائية رافضة للاختلاف والتعدد.

تتوالى صدمات نجمة بما يجري حولها، لكنها تتحدى هذا التيار الجارف، ونظرة الآخرين من حولها بأنها متفرنسة أو أجنبية، وتصر على تنفيذ عرض للأزياء مستخدمة الحايك في تصاميمها، إكرامًا لأختها التي قتلت وهي ترتديه، الحايك نصفه صوف ونصفه حرير، هو رمز للنقاء والأنوثة والقوة.. هكذا تأتي الحياة كلها مناصفة. ووسط تصفيق وفرح الفتيات بالتصاميم والاحتفاء بنجمة، يقتحم الصالة مسلحون ملثمون يطلقون النار في كل الاتجاهات، وبذلك يتحول العرض إلى مجزرة، تموت فيه كهينة، فيما تنجو منه نجمة وصديقتيها سميرة ووسيلة بأعجوبة، وفي لحظة انهيار لاحقة تحطم نجمة كل تصاميمها، وتقص شعرها رمز جمالها بغضب هستيري.

تستند بيئة التطرف الديني إلى مجموعة من العوامل لتتشكل وتترسخ في المجتمعات الهشة التي ينخرها الفقر والجهل

تدفع النساء الثمن الأكبر للإرهاب والتطرف في كل المجتمعات، ولطالما سعت كل الجماعات الدينية المتطرفة لتحقيق مآربها وتجسيد بطشها عبر أجساد النساء. نجمة جسدت الإرادة الحرة للمرأة الجزائرية التي تحملت عقودا من العذابات، وكانت ولا تزال عماد المجتمع في التصدي للاستعمار والإرهاب والاستغلال والتعنيف الجندريّ والجنسانيّ، وهي ذاتها التي تتصدى في الجزائر المعاصر الذي يثور في الشوارع من أجل وطن حر ومواطنة حقيقة.

اقرأ/ي أيضًا: إعادة نظر: فيلم"تحقيق عن الجنة".. السؤال النسوي حينما يكون لصالح المجتمع

انقضت سنوات الرعب والدمار في الجزائر، وبقي أن نتعلم من الماضي للخلاص من أشكال وصيغ مختلفة لهذا الإرهاب في الوطن العربي، فالقمع والتطرف يخلق مجتمعات عاجزة ومقهورة ومتصدعة؛ شباب عاجز ومضطهد بعد سنوات من القتل والتشرذم والإفقار والتهميش، وليس إلا الثورة يقودها الناجون للخلاص من براثن هذا كله، أولئك الذين صمدوا، وأولئك المثقلات بالجراح المفتوحة، الثائرات اللواتي رفضن الاستسلام، بعد أن قُطعت الطرق نحو حرياتهن ووأدت أحلامهن، فحملنها وهنًا على وهن ووضعنها ترنيمة و"ابتسامة".

اقرأ/ي أيضًا:

وخز الجروح القديمة في فيلم "متاهة الأكاذيب"

"علي ونينو": روميو وجولييت في أذربيجان