فيلم القداس الأسود.. للجريمة جذور

فيلم القداس الأسود.. للجريمة جذور

من الفيلم

حتى في أضعف أفلامه، أجد متعة في مشاهدة جوني ديب والإذعان للهوه وعبثه بشخصياته ومظهرها الخارجي، ولا عجب أنه تألق مجددًا في دوره الأخير في فيلم "القداس الأسود Black Mass" الذي قد يؤمن له ترشيحًا رابعًا للأوسكار.

في "القداس الأسود" كما في أفلامه الأخرى، يعبث جوني ديب بشخصياته ومظهرها الخارجي

لقد تمكن من استحضار كل الخوف والرعب الذي قد يتوقعه المرء من رجل عصابة من طراز جيمس "وايتي" بولجر، الرجل الذي تحكم بشوارع بوسطن الخلفية أثناء سبعينيات وثمانينيات والنصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، واستطاع الهرب من قبضة الإف بي آي لستة عشر عامًا حتى سنة اعتقاله في 2011.

يروي الفيلم فصولًا من حياة بولجر وعلاقاته مع الإف بي آي، التي اعتاد بولجر نفسه أن يدعوها "تحالفًا"، عن طريق ضابط إف بي آي فاسد هو جون كونلي (لعب دوره الأسترالي جولي إدغرتون) الذي ترعرع مع بولجر وشقيقه وكان صديقًا قريبًا منهما. هَرَم التحالف هذا لا يكتمل إلا مع شقيق جيمس رئيس مجلس الشيوخ في ماساشوستس بيللي بولجر (بينيدكت كامبرباتش).

عرض الفيلم أيضًا في بدايته جوانبًا من حياة بولجر الحميمة كعلاقته مع أمه وشقيقه، أو علاقته مع ابنه وحبيبته. من المؤسف أن كاتبي السيناريو مارك مالوك وجيز باتروورث والمخرج سكوت كوبر (القلب المجنون Crazy Heart، وخرج عن السيطرة Out of Furnace) لم يشعروا بأي حاجة إلى التركيز أكثر على الجوانب الحميمية والعائلية، وهكذا فقدنا فرصة الاستمتاع أكثر بأداء كامبرباتش وداكوتا جونسون التي لعبت دور حبيبة بولجر.

مع أن الكاميرا اقتربت وتلبثت أحيانًا على وجوه الشخصيات الثانوية إلا أن الفيلم وقع في الفخ ذاته الذي لا تستطيع الأفلام الحالية الخروج منه. الشخصيات الثانوية في السينما تفقد مع مرور الوقت ملامحها، وهذا ينطبق على فيلمنا هنا، وليس كافيًا تغطية هذا العيب مع طاقم التمثيل الممتاز الذي ضمّ، إضافة إلى الأسماء التي ورد ذكرها سابقًا، كيفن بيكون، بيتر سارسغارد، روري كوتشران، دافيد هاربور، جيسي بليمونز، جونو تيمبل، جوليان نيكولسون.

رجال العصابات لم يأتوا أو يُوجدوا من فراغ، بل هم نتيجة أسباب اجتماعية وسياسية واقتصادية

في هذا الفيلم، وخاصة في بدايته، لا يمكننا التوقف عن مقارنة كل مشهد فيه بأعمال مارتن سكورسيزي (الشوارع الوضيعة Mean Streets، الأصدقاء الطيبون Goodfellas) التي امتلأت بالمافيا الإيطالية، إلا أنه لاحقًا تمكن المخرج وكاتبو السيناريو مع حضور جيل جديد من الممثلين من إبعادنا عن عوالم سكورسيزي، ونجحوا في صناعة فيلم أصلي، ولكن كما ذكرت سابقًا افتقر الفيلم إلى ملامح مميزة وكافية لشخصياته الرئيسية ولجوانب عديدة فرعية من قصته.

ثمة وجه آخر يميز هذا الفيلم عن أفلام مارتن سكورسيزي في ما يتعلق بأصل الشر. يعرض لنا هذا الفيلم أن رجال العصابات لم يأتوا أو يُوجدوا من فراغ، بل هم نتيجة أسباب اجتماعية وسياسية واقتصادية، وقد ركّز هذا الفيلم خاصة على الفساد السياسي والمؤسساتي الذي سمح لبولجر وعصابته الإيرلندية أن تبرز وتحكم لعقدين.

بإمكاني القول إن هذا الجانب قد عُرض بطريقة دقيقة وحذرة، مع أنه من المشروع أن أعتقد أيضًا أن صنّاع الفيلم سعوا جاهدين كي يتجنبوا الخوض في هذا الأمر. يمكنني القول إن الأخ السيناتور نجح طوال الفيلم في إبعاد نفسه عن شؤون شقيقه، الأمر الذي يستدعي التساؤل عن حقيقة مستوى التعاون بين الشقيقين، ويمكنني أن أذكر أيضًا قدرة الإف بي آي على احتواء الفساد في المؤسسة وحصره في اثنين من أعضائها. لذلك أعتقد أن لدي الحق في التساؤل إن كان صناع الفيلم قد تعمدوا التملص عن الخوض أكثر في هرم الفساد هذا أم أنهم حاولوا تصوير ذلك بطريقة دقيقة وذكية. سأكون متفائلًا هذه المرة وأقول إني أميل إلى الاعتقاد بأنهم سلكوا الطريق الثاني.

اقرأ/ي أيضًا:

تالا حديد.. الشاعرية وحدها لا تكفي

10 أفلام نترقبها في كانون الأول/ ديسمبر 2015