فيلم "العميل السري": البرازيل كدولة للكرنفالات والرعب
6 فبراير 2026
تمارس الأفلام أدوارًا كثيرة، تمنحنا بُعدًا ومسافة ارتقائية عن حياتنا، مساحة للنسيان والتسامي على اعتيادية تلك الحياة، وعن أنماط وأشكال أجسادنا المدورة، القصيرة، أو تلك النحيلة المرتبكة بطحن وتكسّر عظامها الظاهرة. قد تشبع الأفلام أعيننا بمناظر تشتهيها مخيلتنا، قد تضاهي تصوراتنا عن الجنة، وتزيدها هناءً ورفاهية. قد ترينا حياة لا تمت لحياتنا بصلة، لا بنوع أسئلتها، ولا بهمومها. لهذه السينما عشاق وراغبون، وقد نكون منهم أحيانًا إن أردنا أن ننسى، وندوخ، ونبتعد قدر الإمكان عما نعرف، أو عما يذكرنا بذواتنا.
هناك السينما الأخرى في "العميل السري" (The Secret Agent)، تلك التي يلاحقها آخرون، هؤلاء الذين يبحثون في الأفلام عن ذواتهم، عن ذاك الطعم الخاص للعلقم، أو للسعادات الصغيرة، حيث يبحث المشاهدون عن بشر يشبهونهم، عن أوزان غير بروتوكولية لأجساد تشبه أجسادهم، تشبههم ببقع العرق على ملابسهم، والتعب على وجوههم، والغبار العالق بشعورهم الشعثة في صيف قائظ لا يترك لهم إلا كروشًا متهدلة بفعل لهيب الشمس. قد يبحث هؤلاء في الأفلام عن ابتسامات تشبه ابتسامتهم الكسولة المتمطية في الفراغ، تشبع الفرح الهارب من بين أسنانهم غير المصنّعة في العيادات الفاخرة لهوليوود. فهم، كمحبين للحقيقة ولصورتها التي يعرفونها عن أنفسهم، لا يحملون في أرواحهم المرهقة تلك الابتسامات الميتة التي سُمِّيت باسم مدينة السينما تلك.
هناك السينما الأخرى في "العميل السري"، تلك التي يلاحقها آخرون، هؤلاء الذين يبحثون في الأفلام عن ذواتهم، عن ذاك الطعم الخاص للعلقم، أو للسعادات الصغيرة
السينما مرآة وجوهنا التعبة
الفيلم يقدم هذه السينما، الفيلم الذي يشبه صورتنا كما لو أنه مرآة. هناك حكاية هائلة، وإحالات سياسية وإنسانية لبلاد تشبه بلادنا كثيرًا. هناك الفوضى السياسية، العبث، الضحك، والجنس المرمي على قارعة الطريق وفي الزوايا المخفية للدوائر الحكومية، وبالطبع في قاعات السينما. هناك أيضًا الدكتاتورية، وكما دائمًا، هناك العنف. لكن فوق كل هذا، أو بالإضافة لكل هذا، هناك الصدق الشديد، الصورة المرآة لوجوه بشر يشبهوننا، لا نجوم سينمائيين، لا تصنيع محسوب لمهندسين رقميين، فقط تلك الروح العتيقة لسينما السبعينات التي ألفناها.
الممثلون يظهرون كما لو أنهم التُقطوا ليقفوا أمام الكاميرا من زاوية الشارع القريب. حكاية أصلية عن القمع لا تنتهي نهاية سعيدة، بل نهاية تأملية.
تدور الحكاية حول رجل أربعيني يعيش بهوية شبه مخفية في البرازيل أواخر العام 1977، في ذروة الحكم العسكري. يصل إلى مدينة ساحلية خلال أجواء كرنفالية صاخبة، تلك العلامة التي يحملها البرازيل فوق قلبه كوشم أو جرح جمال لا يندمل، كرنفال مختلط بالفقر والحر المترّب، حيث تحت السطح الاحتفالي يتحرك عالم آخر: مراقبة، خوف، أرشيف مخفي لسلطة قاتلة، واقتفاء أثر لموتى، بالأحرى لمعارضين اختفوا كما لو أنهم لم يجودوا قد.
الصحفي الذي تتبعه حكاية الفيلم ليس بطلاً تقليديًا ولا جاسوسًا خارقًا، بل إنسان عادي تحاصره شبكة غير مرئية من سلطات جاثمة الحضور. والبطل، باسمه الحقيقي والمستعار، لا يستطيع أن يفعل شيئًا هنا سوى النجاة، أن يحمي ما تبقى من حياته، أن يلتحق بعائلته، وأن يبقى متماسكًا في واقع يتفتت من حوله. تتشابك خيوط حياته كما الأفلام العالية الجودة بتاريخ القمع في البلاد، ويصبح مصيره جزءًا من حكاية أوسع عن أناس ابتلعتهم الأنظمة ثم أنكرتهم. لكن لطالما تركوا أثرًا ما يدل عليهم، كما لو أنها شامة حفظتها الأم في ابنها. وهكذا، حتى لو رميت الجثث في المحيط، ستأتي البرازيل الأم، وتبعث رسائل الموتى في البحر عبر أسماك القرش، وبعبثية منحت العبث اسمه، يحمل أسماك القرش أشلاء الضحايا في فمها، وتعيدها إلى الشاطئ لتروي حكايات الرعب.
السينما والبحث عن الزمن المفقود
منذ لقطته الأولى، يشتغل "العميل السري" كما لو أنه في بحث حثيث لاستعادة زمنٍ لم ينقضِ، بل ظلّ معلقًا في طبقات الذاكرة السياسية الأشد أسى ودموية في تاريخ البلاد. يوقّع المخرج البرازيلي كليبر ميدونسا فيليو (Kleber Mendonça Filho) عملًا مشبعًا بالقلق، لكن واقعيته هي مصدر قوته لا الحكائية بل البصرية، حيث تتحوّل المدينة إلى أرشيف من ظلال، لأشباح موتى لا يعرف أحد أين يجدهم، فتغدو جدران المدينة كما لو أنها حاملة لأسرار الدولة أكثر مما تحمله من أسرار الأفراد والعصابات.
عُرض الفيلم للمرة الأولى عالميًا في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي في 18 أيار/مايو 2025، وهناك بدا كأنه يفتح ممرًا سريًا بين الأفلام المتنافسة، ممرًّا يقود بتؤدة مشاهديه إلى سبعينيات البرازيل، بلد حي وحيوي، مرح بكرنفالات طقسية ربما، لكنه يعيش مع كل هذا سنوات من دم وخوف واختفاء قسري تحت الحكم العسكري.
منذ لقطته الأولى، يشتغل "العميل السري" كما لو أنه في بحث حثيث لاستعادة زمنٍ لم ينقضِ، بل ظلّ معلقًا في طبقات الذاكرة السياسية الأشد أسى ودموية في تاريخ البلاد
لكل حكاية بطل، ولكل مدينة حكاء
البطل الرئيسي في "العميل السري"، من أداء فاغنر مورا (Wagner Moura)، أداء يترك الانفعال وراءه كما لو أنه خيار الكسولين من الممثلين، وهو حكمًا ليس كذلك، إذ يعتمد على الانضباط والكاريزما الطاغية، لاعبًا ثلاثة أمزجة تمثيلية، جسده يبدو كأنه يحمل تاريخًا سريًا يأبى الإفصاح السهل، ووجهه مساحة عبور غير آمنة أو مستقرة، مترنح بين مشاعر الذنب أو الرغبة بالنجاة. هذا الاقتصاد في التعبير الذي اعتنقه الممثل يتناغم مع إخراج ينبض حياة، بحيث لا نحتاج من الممثل الرئيسي أن يملأ الفضاء حركة، بينما الحركة تنضح من كل زاوية من زوايا الكادر، ما يجعل الفيلم أقرب إلى تجربة حسّية عن العيش داخل عيون مخابراتية، لا تكل عن التقاط كل ذبذبة حياة، لا مجرد حكاية عنها.
في كان، تُوّج الفيلم بجوائز كبرى شملت أفضل مخرج لكليبر ميدونسا فيليو وأفضل ممثل لفاغنر مورا، إلى جانب جوائز نقدية عززت حضوره، قبل أن يواصل مسيرته في موسم الجوائز عبر ترشيحات بارزة في جوائز "الغولدن غلوب" (Golden Globe Awards) وجوائز الأوسكار (Academy Awards). غير أن القيمة الأعمق للفيلم لا تُقاس بالجوائز المستحقة فقط، بل في قدرته على تحويل الذاكرة السياسية من وثيقة إلى إحساس ديناميكي آخاذ، أخذه كتجربة ليحلق، لا كحدث تاريخي فقط، بل كأجوء تلمس ويُعاش؛ كما لو أن السينما هنا لا تروي فقط ما حدث، بل تُعيدنا إلى الحالة الشعورية لمن عاشوا تلك الرواية، أو ذاك الحدث، هناك في تلك المدينة حيث يكون الخطر كامنًا في كل منعطف، غير مرئي حقًا، لكن حضوره أثقل من أي رعب.