فيلم "السِتْ".. أو كيف يكون الرقص على السلالم؟
13 ديسمبر 2025
في حفلة العاشرة مساءً بسينما "التحرير" في القاهرة، شاهدت فيلم "السِتْ" في اليوم الثاني لعرضه التجاري بمصر؛ الغريب في الأمر بالنسبة لي أن الحفل امتلأ عن آخره ليس بكبار السن، بل بشباب لم يتجاوزوا الثلاثين عامًا. توقعت أنني لن أستمتع بمشاهدة الفيلم، وسيمتلأ بالضحكات الساخرة، لكن ذلك لم يحدث، بل العكس تمامًا. انتهى الفيلم بالتصفيق وبالترديد مع سُومة "يا حبيبي يالا نعيش في عيون الليل/ ونقول للشمس تعالي تعالي".
كنت أتربّص مع المتربصين بالفيلم، بعد مشاهدتي للـ "تريلر"، إذ أنني استغربت اللهجة التي تتحدث بها الممثلة منى زكي، في أدائها لدور أم كلثوم. فقد كانت لهجة ريفية، على عكس اللهجة التي تتحدث بها كوكب الشرق. كذلك المكياج المصنوع لها في أدائها لمراحل عُمرية متقدمة. وبعد وقتٍ مضى، قررت أنفّض عنّي تلك الأحكام المُّسبقة، لأشاهد الفيلم كي أستطيع تكوين وجهة نظر حقيقية.
كانت بداية الفيلم هو الحفل الشهير لأم كلثوم على مسرح "الأولمبيا" بباريس، في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 1967، فقد كان ذلك الحفل بمثابة نقطة تحوّل في شُهرة أم كلثوم، وتحوّلها إلى أسطورةٍ فنية. اتخذ الفيلم من الحفل نقطة ارتكاز يذهب ويجيء منها وإليها، ليبدأ بعدها سرد الفيلم منذ طفولتها وحتى النهاية.
ربما كانت نقطة اختيار ذلك الحفل جيّدة، للتأكيد على مدى شهرة وقوة أم كلثوم. لكن أحداث الفيلم نفسه لم تكن بتلك القوة؛ إذ أنّه تاه وسط "الحدوتة" الكبيرة. وانتقل عبر محطاتٍ في حياة السِتْ، دون وجود خطٍ واضح يربط بينها، سوى التأكيد على قوة شخصية أم كلثوم أو ليقل لنا بنبرةٍ حداثية: "إنها كانت سيدة مُستقلِة تحارب التقاليد".
تلك النظرة يؤكدها اختيار محطاتٍ بعينها في حياة أم كلثوم؛ مثل ارتدائها لفُستان للمرة الأولى بعد الزي الرجالي الذي كانت تتخفى من خلاله، ومفاوضاتها على النِسبة المالية التي تحصل عليها في تعاونها مع شركة "جرامافون" للأسطوانات، وكذلك رفضها للزواج من الشاعر أحمد رامي بسبب حُبِها للفن، وتقدمها لانتخابات النقابة الموسيقية كأول امرأة تتقدم لذلك المنصب، ثم كتابتها للمقالات الصحفية، وبعدها دعمها للمجهود الحربي بعد نكسة 1967.
ربما كانت نقطة اختيار الحفل الشهير على مسرح "الأولمبيا" جيّدة، للتأكيد على مدى شهرة وقوة أم كلثوم. لكن أحداث الفيلم نفسه لم تكن بتلك القوة؛ إذ أنّه تاه وسط "الحدوتة" الكبيرة
اعتمد الفيلم على خط سرد غير تقليدي، مما جعل المشاهدة لفيلم مدته 160 دقيقة ممتعة ومسلية، لكنّها لم تكن مشاهدة عميقة. ولم يحتوِ الفيلم على مشاهد قوية أو مؤثرة. وما يُحسب للفيلم هو تسليطه الضوء على أم كلثوم "الإنسانة"؛ إذ أنّ منى زكي نجحت في التعبير عن ضعفها وتوترها، وظهرت أيضًا في مشاهد غاضبة ومسيطرة، وهي صورة حقيقية عن أم كلثوم لم تُقدّم من قبل. فقد كان المعتاد هو تقديم الشخصيات الشهيرة في صورةٍ ملائكية، وكأنهم لا يخطؤون؛ مثلما قدّمت الممثلة صابرين شخصية أم كلثوم في المسلسل الشهير عام 1999.
ضاع الفيلم حين لم يعرف ماذا يقول. فلم أعرف: هل يريد أن يحكي عن علاقة أم كلثوم بالرجال والحُب في حياتها؟ أم علاقتها بأبيها؟ أم علاقتها بنفسها؟ فاضطر للعب على كل تلك الخطوط. لا توجد مواجهات قوية بينها وبين أبيها؛ إذ نرى الكلمة الأخيرة لها في التفاوض مع شركة "جرامافون" وأبيها – الممثل سيد رجب – يعتريه الاستياء. وذلك دون أن نرى مواجهة حقيقية بينهما. كذلك مع أخيها – الممثل أحمد خالد صالح – فكانت مشاهد المواجهات معه نادرة جدًّا. وكذلك في علاقتها بالشاعر أحمد رامي الذي أدى دوره الممثل محمد فراج، فلا توجد مشاهد قوية بينهما سوى المشهد الذي اختمته برفض الزواج منه، دون أن نعرف وقع ذلك على رامي.
كان أداء منى زكي لدور أم كلثوم إلى حدٍ ما جيّد؛ إذ اعتمدت على التعبير الداخلي، وليس على الأداء الحركي. ربما تأثرتُ بها في لحظات ضعفها وهشاشتها، خاصة مع مشهد السرقة الذي تعرضت له خلال إقامتها في مسكنها وحيدة، لكن المكياج كان غير موفق، خاصة في المراحل العمرية المتقدمة لأم كلثوم. وكذلك أداء مُنى زكي للهجة لم يكن موفقًا وغريبًا في بعض الأحيان. وقد أعجبني بدرجة أكبر، أداء محمد فراج لشخصية الشاعر أحمد رامي، حيث استطاع بطريقته الخاصة أن يريني أحمد رامي من خلاله. أما أداء سيد رجب لشخصية الوالد الشيخ إبراهيم البلتاجي فكان جيدًا.
في حين أنني أرى ظلمًا شديدًا لأحمد خالد صالح في أداء دور الأخ؛ إذ ظهر في أداء صامت أغلب الوقت، دون وجود اشتباك حقيقي في الفيلم. أما بقية الممثلين من ضيوف الشرف مثل: أمينة خليل ونيللي كريم وكريم عبد العزيز، فقد كان أداؤهم متوسطًا. وظهر ضيوف شرف آخرون مثل: طه دسوقي وعلي صبحي في مشاهد قليلة جدًا، وجاء أداء أحمد حلمي في دور ضابط الشرطة خفيفًا ومُضحكًا في فيلم لم يعتمد أبدًا على الإضحاك.
للأسف لم تكن الموسيقى في صالح الفيلم. كانت موسيقى هشام نزيه غربية في فيلم من المُفترض أن يتحدث عن أسطورة شرقية. وكان استخدامه للآلات صاخبًا، ويطغى على أصوات الشخصيات.
يُحسب للفيلم أنه يؤسس لمرحلةٍ جديدة في أفلام السيرة المصرية، فلم نرى منذ أعوامًا طوال فيلم سيرة. وربما يُحمّس صُناع الأفلام لعمل سير لشخصياتٍ أخرى، وأتمنى أن تكون أكثر قوة وتأثيرًا. كما يُحسب للفيلم أيضًا إظهار شخصية أم كلثوم بشكل إنساني، وليس تقديسها، وتعريفه بها للأجيال الجديدة.
بالصُدفة البحتة كنت قد رأيت قبل فيلم "الست"، فيلم "jay kelly" من بطولة جورج كلوني، وهو ليس فيلم سيرة، لكنّه يتحدث عن شخصيةٍ متخيلةٍ تعمل كنجم سينما، وعن العلاقات التي أهدرها في سبيل الشهرة. كان الفيلم له خط سردي واضح، وأحداثه تصب في صالح الفكرة الأساسية، وهو ما أهدره صُناع فيلم "السِتْ" للأسف.







