فيلم "السيد لا أحد": جحيم الاختيار وسيرة الحيوات التي لم نعشها
5 سبتمبر 2026
لعلّ من أصعب اللحظات التي يواجهها الإنسان في حياته هي لحظة الاختيار بين مجموعة من الأشياء، تلك اللحظة التي تصاحبها الإرادة الحرة واتخاذ القرار الحاسم.
عندما يكون الإنسان في منعطف مصيري في الحياة، عادةً ما يتجنب الخيارات التي تسبب له ألمًا ومعاناة، ويلجأ ظاهريًا إلى ما يمكن أن يمنحه الطمأنينة واليقين في حياته المقبلة.
وهناك من يرفض مبدأ الاختيار، لأن الانسلاخ عن الروتين والحياة اليومية قد يتسبب له بشعور من عدم الأمان وانهيار سقف الحماية، مع المخاوف المتكررة من عدم التأقلم والانسجام في واقعه الجديد.
إن الإنسان الذي يكون واقعًا أمام دوامة من الاختيارات والاحتمالات اللانهائية عادةً ما يصاب بقلق، وهذا القلق يطلق عليه الفيلسوف الدنماركي الوجودي سورن كيركيغورد مصطلح "دوار الحرية"، وهو شعور ينتاب الإنسان عندما يكون واقفًا أمام هاوية من الاحتمالات اللامتناهية لاختياراته. إن تصور الحرية هو الذي يوقظ فينا الفزع أو القلق وفقًا لكيركيغورد.
إن كل اختيار يتضمن نبذ الممكنات المتاحة في الاختيارات الأخرى، وبالتالي نبذ حيوات أخرى كان ممكنًا للإنسان أن يحياها. بهذه الطريقة نبني جدرانًا بيننا وبين العوالم المحيطة، ويتسلل العدم إلى كل حياة نختارها بتصميمنا ومحض إرادتنا.
أما سارتر، في مبدأ "الوجود يسبق الماهية"، فيرى أن الإنسان يوجد أولًا ثم يريد أن يكون، وهو من يحدد ماهيته عبر خياراته وأفعاله في الحياة. والإنسان محكوم عليه بالحرية وهو مسؤول عنها من خلال الاختيار، فحتى عدم الاختيار هو اختيار أيضًا. وقلق الحرية هو جزء من كينونة الإنسان الواقعة أمام مجموعة من الاختيارات التي سيكون مسؤولًا عنها في المستقبل.
إن الإنسان ليس ما كانه أو ما يكونه الآن، وإنما ما سيكونه دائمًا في الغد. إنه كائن مثقل بالاحتمالات والحيوات اللامتناهية، وكينونته تتجه دائمًا إلى المستقبل.
لكن لنتأمل قليلًا حيواتنا الماضية لو اتخذنا القرار بالمضي بها بدلًا من حياتنا الحالية.
الطبيب الذي كان من الممكن أن يصبح شاعرًا، والسياسي الذي كان من الممكن أن يصبح رسامًا، ورجل الأعمال الذي كان من الممكن أن يصبح موسيقيًا، أو العكس لكل ما تم ذكره سابقًا. ماذا لو تزوجت مثلًا المرأة الفلانية بدلًا من زوجتك الحالية؟ هل ستكون الحياة محتملة وأقل ألمًا؟ هل سنندم على أي قرار غيّر مسار حياتنا إلى الأبد؟ ما الذي ممكن أن تكون عليه حياتنا لو لم نختر هذه الحياة؟ ومن يتحكم بمساراتنا وتشكيل كينونتنا؟
إن الإنسان ليس ما كانه أو ما يكونه الآن، وإنما ما سيكونه دائمًا في الغد. إنه كائن مثقل بالاحتمالات والحيوات اللامتناهية، وكينونته تتجه دائمًا إلى المستقبل
"السيد لا أحد": الكائن المثقل بالحيوات والعوالم الموازية
يُعتبر فيلم "السيد لا أحد" الذي تم إنتاجه عام 2009، من تأليف وإخراج البلجيكي جاكو فان دورميل، أيقونة فلسفية وعلمية لتجسيد معضلة الوجود الإنساني في هذا العالم.
إن الفيلم، وإن استخدم رمزية الخيال العلمي في العوالم الموازية وميكانيكا الكم وعشوائية النظام الذي نعيشه من خلال جزئيات صغيرة لا مرئية، إلا أنه في الوقت نفسه يعيد مساءلة مفاهيم مترسخة ومتأصلة فينا مثل الهوية والذاكرة والزمن والاختيار والتكرار.
فنيمو في الفيلم هو الشخص الوحيد الذي يمتلك ذاكرة عن حيواته المستقبلية، ذاكرة تتجه إلى الأمام دائمًا، الأمر الذي يجعلنا نعتقد أن نيمو يتنبأ بالمستقبل. لكن الفيلم يطرح فكرة نسخنا العديدة في العوالم الموازية، فكل قرار أو حدث كمومي يؤدي إلى انقسام الكون إلى خيارات مختلفة. والاختيار الذي نتخذه لا يمحو الاحتمالات الأخرى، بل يجعلنا نتخيل أنها تستمر في أكوان موازية أخرى. فمثلًا حياتك الحالية كتاجر كان يمكن أن تتغير باحتمال تم نبذه في الاختيارات لتكون قائدًا عسكريًا أو سياسيًا، لكن هذا الاحتمال يستمر في كون موازٍ آخر.
في الفيلم نلاحظ أن هناك نسخًا متعددة من نيمو، فنرى نيمو المتزوج من آنا في أحد العوالم، وفي عالم آخر يتزوج من إليزا، وفي آخر يكون متزوجًا من الفتاة الصينية جين، وفي عوالم أخرى نراه وحيدًا أو مشرّدًا أو مجنونًا، وحتى ميتًا أيضًا.
وفكرة العوالم المتعددة في الفيلم قد تكون رمزية لخياراتنا وحيواتنا التي كان يمكن أن تكون، فنحن لسنا شخصًا واحدًا بقدر ما نحن مجموع الأشخاص الذين كان يمكن أن نصبحهم. فعادةً نحيا في المخيلة والحلم والرغبة أكثر مما نحيا في هذا العالم؛ فنحن الأسماء التي لم نخترها، والبلاد التي لم نسكنها، والحكايات التي لم نعشها. هذا هو الإنسان: شبح يحوم حول سرابه البعيد، ويبقى دائمًا عالقًا في حيواته اللامرئية وفي أحلامه، وفي كل ما ظل ممكنًا ولم يتحقق.
إن ذاكرة نيمو ترهقها رؤى المستقبل والتشابك الدائري والكمي للذكريات، ليفتح الفيلم نافذة على تصور مختلف للزمن؛ فالزمن لا يسير هنا بشكل كرونولوجي ومستقيم من الماضي إلى المستقبل، وإنما يبدو كشبكة هائلة من الإمكانات تجمع بداخلها الأبعاد الزمنية الثلاث. وهذه الرؤية تستلهم على المستوى الفني أفكار نسبية أينشتاين وميكانيكا الكم، حيث يتحول العالم إلى فضاء تتجاور فيه الاحتمالات قبل أن يفرض الواقع أحدها على الآخر.
هناك ما يمكن أن نسميه التجسيد الصوري والحسي لنظرية الفوضى أو "أثر الفراشة"، التي ترى في الأحداث التافهة والصغيرة واللامرئية سببًا في تحولات كبرى، والولوج إلى مسارات بديلة في الوجود. مثل ورقة شجر متطايرة، وسقوط قطرة مطر، ثم انقطاع رباط حذاء الطفل نيمو على الرصيف وتأخره عن القطار. إن هذه الأحداث التي بالكاد نراها أو نلاحظها في حياتنا اليوم يمكنها أن تتحول إلى كوارث طبيعية كبرى، ثم إلى أسباب جوهرية تؤدي إلى تغيير مصيري لحيوات كاملة. وهكذا ينهار من حولنا وهم كبير من أوهام السيطرة المطلقة، ويظهر لنا الوجود بوصفه نسيجًا دقيقًا بالغ الحساسية تتشابك فيه الضرورة والصدفة على نحو يستحيل فصله.
"الزيغزوانغ" في لعبة الشطرنج بوصفه مفهومًا فلسفيًا
تعتمد لعبة الشطرنج في نقلاتها على مجموعة من الاختيارات التي تفتح أمامها كمًا هائلًا لا يُحصى من الاحتمالات، وعلميًا تتفوق الاحتمالات في الشطرنج على عدد ذرات الكون.
إن الخيار المترادف مع كل نقلة منجزة على رقعة الشطرنج يؤدي بنا إلى مواقف جديدة وحياة جديدة للمعركة باحتمالاتها الصحيحة والخاطئة واللامرئية.
لكن في لعبة الشطرنج تضيق الاختيارات والاحتمالات على اللاعب الذي يعاني من موقف سيئ، والذي سيؤدي به إلى خسارة محتّمة. ومن أهم هذه المواقف حالة "الزيغزوانغ"، التي يكون فيها الخصم مجبرًا على الحركة التي ستؤدي إلى خسارته، أي انعدام النقلات التي تنقذ الموقف، والإجبار على لعب النقلات الوحيدة التي ستؤدي إلى الخسارة.
في عام 2092، يظهر نيمو العجوز وقد بلغ من العمر 118 عامًا، وقد شارف على الموت. يظهر نيمو في حضارة بشرية متطورة تغلبت على الموت بخاصية تجديد الخلايا، حضارة استطاعت أن تستعمر المريخ برحلات فضائية سياحية.
نيمو العجوز يبدو للآخرين كدليل أثري لآخر البشر الفانين في عالم الخلود، إذ يصبح محط الأنظار والاهتمام والدعايات على الشاشات العملاقة في المدينة. ويتحول الموت إلى حدث غريب وجذاب للناس، فنيمو يستمد قيمته من موته المحتّم، والإعلام يبدأ بالترويج لكلام نيمو وذكرياته في المشفى بطريقة دعائية آلية خالية من الحرارة والتعاطف والمشاعر البشرية.
يأتي الموت هنا بوصفه الشرط الذي يمنح الحياة معناها؛ ففي عالم أصبح فيه البشر خالدين، يغدو آخر إنسان يموت هو الكائن الوحيد الذي ما زال يحمل قيمة الزمن.
إن نيمو، الذي يبدأ بسرد تفاصيل حياته وذكرياته للصحفي، كان قد استنفد جميع حيواته وخياراته، ولم يبقَ له سوى خيار الموت، وهو يقول للصحفي: "في الشطرنج يُطلق عليه اسم الزيغزوانغ، عندما لا تملك سوى نقلة وحيدة ممكنة، وهي عدم التحرك".
وهنا يدخل الصحفي في دوامة من الحيرة والقلق عندما يبدأ بالسؤال عن هوية نيمو وحقيقته وماهيته.
هل هو نيمو المتزوج من إليزا أم الأرمل الذي فقدها في حادث؟
هل هو نيمو الذي فقد حبيبته آنا إلى الأبد أم الذي التقى بها بعد حين؟
هل هو نيمو زوج اليابانية الثرية جين أم نيمو المجنون المشرد على أرصفة الطرقات؟
هل ممكن أن يكون نيمو هو الحي والميت في الوقت نفسه داخل كل هذه العوالم والحيوات؟
هنا يقول نيمو: "كل طريق صحيح، وكل اختيار صائب حتى لو كان خطأً".
الوجودية الكونية
يقترب الفيلم من وجودية سارتر، لكنه يتجاوزها إلى مفاهيم كونية أعمق وأشمل. وهنا تستحضرنا عبارة الفيلسوف الروسي الوجودي نيكولاي برديائيف: "إن الإنسان كائن يحيا في أبعاد متعددة".
لا يعيد الفيلم تعريف الحرية على الطريقة الوجودية فقط، لكنه يؤسس أيضًا لسؤال أنطولوجي عميق: هل خلق ماهية الإنسان وكينونته يتأسس على ضياع الهويات البديلة؟ ماذا لو كان هناك نمط من الحياة الشمولية التي يمكن أن يحياها الإنسان؟ ماذا لو استطاع الإنسان أن يجرب جميع الاختيارات بكامل حيواتها وأشخاصها، بألمها ومعاناتها ورعبها المجهول؟
ومن هنا يتحول الفيلم من قصة فرد ومعاناته الشخصية إلى معجم وجودي بصري يكتب سيرة البشرية بأكملها؛ فمنذ أن لمعت شرارة الوعي الأولى في الوجدان الإنساني، والإنسان يعيش مغتربًا بين ما كان، وما هو كائن، وما يمكن أن يكون. وبين هذه الأزمنة الثلاثة يولد القلق والأمل والندم، ويولد المعنى أيضًا.
أنا أختار إذن أنا موجود
يطرح الفيلم فكرة أن نيمو ليس حقيقيًا، وقد يكون مجرد احتمال في ذهن نيمو الطفل ذي التسع سنوات، الواقف على رصيف محطة القطار. فبسبب قدرة الطفل على رؤية المستقبل، فإنه يعجز عن اتخاذ القرار بين اللحاق بوالدته أو البقاء مع والده، لأن اختيار أي مسار يعني تدمير المسارات الأخرى.
وهنا يكمن الوجود في الاختيار؛ فالاختيار هو الذي يحدد نمط الكينونة وتحولاتها ورؤيتها للعالم. لكن طالما لم يتخذ الطفل قرارًا، فإن كل الحيوات المحتملة تظل قائمة وممكنة في آن واحد، وبمجرد أن يتم الاختيار تموت بقية الاحتمالات، وهكذا يصبح جزءًا من نسيج الوجود.
لكن نيمو هو التجسيد المرئي لذلك العدم الذي يعكس من حوله مرايا العالم وأنماط الوجود المحتملة؛ فنيمو هو السيد "لا أحد" الذي يمثل مجموع كل الاحتمالات التي لم تتحقق في الواقع بعد.
يتحول الفيلم من قصة فرد ومعاناته الشخصية إلى معجم وجودي بصري يكتب سيرة البشرية بأكملها؛ فمنذ أن لمعت شرارة الوعي الأولى في الوجدان الإنساني، والإنسان يعيش مغتربًا بين ما كان، وما هو كائن، وما يمكن أن يكون
يأخذنا الفيلم إلى فكرة العود الأبدي المعكوس، لكن مجردة من التكرار، ومضافًا إليها الاختلاف وتصحيح الأخطاء من خلال الانسحاق الشديد والزمن العكسي. ففي نهاية الأحداث يتوقف الزمن، ويبدأ نيمو في السير إلى الخلف.
إن الرجوع بالزمن سمح للطفل بالهروب من الخيارين المفروضين عليه، وابتكار مسار ثالث تمامًا، وهو الركض بعيدًا عن القطار وعن الوالدين معًا نحو مستقبله الخاص وغير المتوقع.
وهذا ما يمنحنا التحرر من جبرية الاختيارات المتاحة أمامنا والمفروضة علينا من المجتمع والسلطة والعادات.
إن نيمو هو السيد لا أحد، وهو كل أحد في الوقت نفسه؛ هو العدم والوجود، والعبودية والحرية.
إنه كل الهويات الممكنة في الوقت نفسه، وكون مفتوح من الدروب المتوازية، كل درب منها يحكي احتمالًا لوجوده دون أن يلغيه. فنيمو هو الوعي الذي احتفظ بذاكرة جميع الحيوات الممكنة، الكائن الذي سبق الاختيار حين كانت جميع المصائر متجاورة، وجميع النهايات مؤجلة، وكان الوجود ما يزال يتردد في أن يصبح شيئًا واحدًا أو يبقى اتساعًا لا نهائيًا من الإمكانات.
ربما لم يكن الإنسان كائنًا قد عاش حياة واحدة أبدًا، بل كان صدى لعشرات الحيوات الممكنة، وجذرًا ظل يمد أغصانه في جهات عدة. وما نسميه حياة ليس إلا خيطًا واحدًا اخترناه من نسيج كوني واسع، ونسينا أننا في لحظة ما كنا جميع تلك الخيوط.
أخيرًا.. ما الإنسان؟ أليس ذلك الشبح السائر في أحلامه، الذي ينتظر أن يصحو على بياض الحقيقة، أو تلك الجثة الملقاة فوق أنقاض الاحتمالات الصامتة؟
ربما كان المصير الذي ظلّ معلقًا في منطقة الاحتمال، أو الأثر الذي كان من الممكن أن يكونه.
لكن ربما لم يكن الإنسان شيئًا سوى ومضة خاطفة عبرت ثم انطفأت، أو ذلك الناجي الوحيد من اختياراته ومن حيوات عديدة ابتلعها الزمن.