فيلم

فيلم "الزوجة الثانية".. القصة كتراث إنساني

لقطة من الفيلم

تحويل حكايات التراث الشعبي إلى سينما أشبه بالترجمة الدقيقة لنص معقد، يجب أن تكون احترافية ويجب أن يكون مترجمها فنانًا أولًا وعلى قدر عالٍ من الحساسية ثانيًا. والحكاية هي في النهاية أهم ما نملك لنمنح.

ولكن كيف تمثل على الشاشة قصة من التراث الشعبي الإنساني دون أن تعظ؟ كيف تنتقل بين المشاهد وتؤثِّر وتُمتِّع؟ وماهو التكنيك؟

فيلم الزوجة الثانية حكاية شعبية من حكايات التراث الشعبي الإنساني، صراع بين القوة والحيلة، بدأ منذ شهرزاد ولم ينتهِ حتى اليوم

في فيلم الزوجة الثانية نجد الكتالوج المناسب للإجابة عما سبق، الفيلم حكاية شعبية من حكايات التراث الشعبي الإنساني، صراع بين القوة والحيلة، بدأ منذ شهرزاد ولم ينتهِ حتى اليوم.

القصة في فيلم الزوجة الثانية قصة شعبية عادية، لعالم القرية المصري الذي لم يتحدد باسم قرية معينة ولا في أي مكان هي، وإنما بها كل ملامح القرية في مصر، أهل القرية الفقراء الراضون بالحال في الغالب، عمدة له أطماع وتطلعات وزوجة تعينه عليها، صراع بين الخير والشر لا تعقيد فيه، لكنه يجسد الظلم ومنطقه القاسي، بطل القصة الذي يحاول التغلب على الملك "القاسي" أو العمدة، والبطلة الجميلة التي يحاول البطل إنقاذها.

اقرأ/ي أيضًا: 6 أفلام هوليوودية يجب أن تشاهدها في عيد الأم

يتدخل السامر الشعبي في "الأراجوز" في المشهد بصفته عامل طبيعي جدًا في مشهد شعبي ومصدر إلهام لفتاة ريفية رقيقة الحال لا تملك إلا الحيلة لإنقاذ نفسها من العمدة، الذي يريد أن يطلقها من زوجها ليأخذها لنفسه. الحيلة محرك أساسي قديم يمتد إلى "شهرزاد" و"كليلة ودمنة"، وفي كتب تراثية قديمة مثل "سراج الملوك" للطرطوشي.

ورغم أنني لست بصدد الحديث عن مشروع صلاح أبو سيف السينمائي، إلا أننا يمكن أن نضع أيدينا على بعض اللمحات من "تكنيك" عمله في الزوجة الثانية، ولتكن زاوية التركيز على الرمزية، الذي هو أستاذ فيها.

صلاح أبو سيف معروف بكادراته الضيقة ومشاهده القصيرة المركزة. في هذا الفيلم مثل مشهدًا بأكمله من خلال "كوة" أو فتحة في جدار، تبادل من خلالها عتمان "العمدة" و"حفيظة" زوجته الآراء بخصوص الزوجة الثانية التي سيتزوجها، وستكون "الجاموسة العُشر" التي تلد خليفة للعمدة، دون أن يكون بينهما حياة زوجية حقيقية أوحتى تستحوذ على مكانتها. مشهد بأكمله جرى من خلال ثقب كبير في جدار!

المشهد الثاني كان مشهد محاولة تلفيق تهمة لزوج "فاطمة" التي أدت دورها سعاد حسني، والإسقاط السياسي الذي قام به أبو سيف على أهم السلطات المسيطرة على المجتمع حين تتآمر على إرادة الإنسان وجسده، وهي السلطة الدينية متمثلة في الشيخ الذي لعب دوره حسن البارودي بصوته الخاشع وجملته التي باتت من أشهر الجمل في السينما المصرية، حيث مثلت التجسيد الكامل لتوظيف الدين من أجل السُلطة "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".

أما السلطة القانونية فتمثلت في المأمور الذي لعب دوره "إبراهيم الشامي" الذي كان يُلفق التهمة وهو يزدرد طعام العمدة السمين، والخفر وهم السلطة التنفيذية الغشيمة أو ذراع السلطة القانونية في تنفيذ الظلم على الأرض.

الزاوية الأخرى للرمزية في أعمال صلاح أبوسيف كانت في المكان، فهو أستاذ في الإسقاطات السياسية وأستاذ في رمزية المكان، زوجة الابن "سهير المرشدي" التي كانت دومًا ما تطل من الأعلى كإسقاط لامتيازالإنجاب الذي امتازت به عن زوج العمدة العقيم "سناء يونس".

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Life".. أحد أكثر أفلام 2017 المنتظرة

ولطالما كانت "كادرات" صلاح أبو سيف إحدى مفردات الصورة واستخدامه فيها لعناصر التراث "كتابة الحوائط" استخدامًا فاعلًا، ففي أكثر من مشهد كان الحائط المواجه لظهر العمدة عليه كلمات مثل "اللهم اغننا بحلالك"، وهو الغني بالحرام حتى في زوجه.

وفي مشاهد في أفلام أخرى مثل فيلم "بداية ونهاية" كانت خلفية المكان الذي تجلس فيه الأخت التي ضحت بشرفها من أجل إطعام إخوتها الرجال عبارة "اتقِ شر من أحسنت إليه".

لطالما كانت "كادرات" صلاح أبو سيف إحدى مفردات الصورة واستخدامه فيها لعناصر التراث "كتابة الحوائط" استخدامًا فاعلًا

مشهد السرير الخالي ليلة زفاف فاطمة على العمدة كدليل على أنها لم تمارس الجنس معه، بينما في فيلم "القاهرة 30" ترقد صورة الباشا "أحمد مظهر"، على طاولة جوار سرير الزوج الذي يشترك معه في زوجه كمراقب سلطوي على زواج صوري.

العناية بالتفاصيل تنتج فيلمًا جيدًا، وعدم العناية بها تنتج فيلمًا عاديًا، فالكل ذات يوم تحدث عن مشهد سعاد حسني في فيلم "الكرنك" حين كانت تتابع بعينيها ورقة مهملة على الطريق تدوسها السيارات العابرة، أو تنورتها المقطوعة من أسفل الذيل في ذات الفيلم دليلًا على الشقاء والبؤس وانتهاك الشرف. ورغم أن الفيلم للمخرج علي بدرخان إلا أنه يتقاطع في الاهتمام بالتفاصيل مع صلاح أبو سيف.

الطاحونة التي طحنت جسد الحسناء القاسية في فيلم "شباب امرأة" أيضًا نهاية شديدة الرمزية تفتح الباب لكل التأويلات الممكنة عن نهاية القوة والسطوة، بطاحونة الانتقام والثورة والغضب المكتوم.

مشاهدة أفلام صلاح أبو سيف لا يجب أبدًا أن تتم على عجل، بل بتأنٍ تام لأنها مواد للدراسة أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا:
تجارة قرصنة الأفلام.. سينما بالمجان!
فيلم "Fences".. لعبة البيسبول الثقيلة