25-سبتمبر-2022
Al Dhakira al Khasba

من الفيلم

حب من أول نظرة

كان ذلك قبل عدة أشهر. لمحت اسمه في قائمة من أسماء عديدة أخرى. لم يبعث بي الاسم أي شي خاص. ولكن اللقاء الأول ثم النظرة الأولى غيرت الكثير. بعدها، طفقت أبحث عنه في أماكن عدة، ولكني لم أفلح في أن أجده أبدًا. ثم كانت الفرصة الجميلة التي أتاحت لي قبل أسابيع رؤيته بالكامل عبر منصة مؤسسة الفيلم الفلسطيني.

"الذاكرة الخصبة" للمخرج الفلسطيني ميشيل خليفي، فيلم يروي قصتي امرأتين فلسطينيتين، كل منها عاركت الحياة حتى استطاعت الوقوف على قدميها بثبات

فيلم "الذاكرة الخصبة"، للمخرج النصراوي الفلسطيني ميشيل خليفي، فيلم صُنع في بداية ثمانيات القرن الماضي (1981)، ونال العديد من الجوائز.

في المشهد الأول للفيلم تقف رومية - المرأة الخمسينية من يافا الناصرة - التي تعتبر امتدادًا حضريًا لمدينة الناصرة - بشعرها الفضي الأشيب وقامتها المتوسطة الممتلئة وفستانها الأزرق البسيط القريب من ركبة الساق، أمام درج طويل، بدى لي وكأنه واحد من تلك الأدراج العديدة في أحياء مدينة الناصرة. كانت مصطبات الدرج مستطيلة عريضة أسفلها فراغ، جعلت الدرج يبدو أنه جسر واه معلق فوق فراغ.

كان مشهد وقفة رومية عند نقطة الصعود إلى الدرج ذاك ساحرًا. أحسست أن رومية تقف أمام الحياة، أمام حياتها أو حياة الناصرة المعلقة فوق فراغ. كان ذلك هو المشهد الترويجي للفيلم.

وثائقي تسجيلي روائي

الفيلم يروي قصتي امرأتين فلسطينيتين، كل منها عاركت الحياة حتى استطاعت الوقوف على قدميها بثبات.

الأولى رومية، كما ذكرت أعلاه، ابنة يافا الناصرة الخمسينية، التي أعطت للفيلم بلهجتها النصراوية الخالصة وبساطة شخصيتها وتلقائيتها سحره الخاص. أما المرأة الأخرى التي يتنأولها الفيلم فهي قصة حياة الكاتبة الفلسطينية النابلسية الشهيرة: سحر خليفة. رغم اختلاف الشخصيتين، ما يربطهما هو كفاحهما، وأن اختلف فحواه، كما سنرى لاحقًا.

وثائقي تسجيلي روائي شعري

يبدأ الفيلم بلقطة لرومية وهي تلتقط حبات الفاكهة والخضار غير الطازجة من صحن صغير، تضعها في حقيبتها الصغيرة، وترشف الرشفة الأخيرة من فنجان قهوتها الصباحي، تحضر نفسها ليوم عمل طويل. كل شيء في هذا المشهد مصور بصورة طبيعية، أي حقيقية. فحبات البندورة والاسكدنيا في الصحن ذابلة وإبريق القهوة البرتقالي عتيق، والمطبخ والطباخ اللذان أعدت رومية عليه قهوتها قديمان. ومساحة البيت والمطبخ صغيرة أيضًا.

كما في معظم المشاهد اللاحقة، يأخذك المخرج بعدسته عبر تفاصيل البيت أو الحديقة أو الحائط أو الحارة أو الشجرة أو الحقول المحيطة في المدينة وكأن عدسته تكتب شعرًا. إذًا، هذه هي ميزة الفيلم: هو وثائقي روائي ولكنه شعري أيضًا.

ثم يأخذنا الفيلم إلى مشهد رومية داخل الباص الذي يعبر الناصرة في طريقه لعملها، حيث تبدأ رومية في رواية قصة حياتها، وكأن المخرج اختار حركة سير الباص عبر طريق داخلي في مدينة الناصرة للدلالة أن رومية تأخذنا في جولة عبر قصة حياتها. أو كأنه يقول لنا إن حياة رومية والناصرة قد تكونان حكايتان شبيهتان، إن لم تكونا نفس الحكاية.

أجمل ما ياخذ المشاهد في رواية رومية لحياتها هو بساطتها في السرد بلهجة نصراوية ريفية خالصة، بدون أي تنميق في اختيار الكلمات، وبدون أي ادعاء من طرف رومية أنها بطلة فيلم أو حتى بطلة حياة. فهي تسرد تمامًا منعطفات حياتها ببساطة شديدة: "لما أنا كنت 16 أو 17، بعرفش، اتوفى أبوي. بعد 8 أشهر توفت أمي، ضلينا أنا وإخوتي في الدار. بعدين بعد ثلاث أشهر خطب أخوي واتجوز. وبعد بشوي أنا اتجوزت، إجو هالختياري وكطعوا الحكي متل هالناس، وكان هو أكبر مني، أنا قلت لاخوي "بديش، بديش اتجوز". بس أخوي قال لا. اتجوزت كول في تشرين، بعد ثلاث سنين، أول أربع، ماكملتش الأربعة، وكأن هو مريض، واستحلت اليهود جديد، وراح هو على بيروت يتحكم، اتوفى جوزي. البنت كأن عمرها سنتين ونص والولد كأن عمرو سنة، كانت اليهود يعني مستحلة جديد، أخذو الأرض الناس وأنا لا. وضلت الارض متروكة، طب أنا فين بدي أروح، فين أعيش، فش أرض، ولا مصاري ولا صيغة. طلع لا الولد ما بيعرف أبوه ولا البنت بتعرف ابوها. هدول كبرو بعرفوش أبوهن".

بعد أن يخبرنا المخرج ما يكفي عن حياة رومية، يأخذنا إلى قصة حياة المرأة الأخرى في الفيلم: قصة حياة الكاتبة الفلسطينية النابلسية المشهورة: سحر خليفة

ثم ينقلنا الفيلم لرومية داخل دير من أديرة الناصرة، تقف تحت قوس من أقواسه الداخلية ورأسها مغطى بإشارب، كي تخبرنا كيف بدأت العمل في الدير وأمضت فيه أكثر من عشرين عامًا، كانت تقوم خلالها بكل مهمات الطبخ والغسل والتنظيف ونقل الماء من البير من أجل أن تعيل أسرتها الصغيرة. تقول: "الدير كان بيتي ولكن عملي في مصنع خياطة وفرلي دخل أكبر منشان أقدر أسد مصاريف الحياة". كان المخرج قبل ذلك قد وضعنا في مشهد لرومية مع نساء أخريات (عربيات ويهوديات) في مصنع خياطة، حيث تخيط لباس البحر (المايوه).

ذكورية ويتم وأرض مصادرة أيضًا

بعد أن يخبرنا المخرج ما يكفي عن حياة رومية، يأخذنا إلى قصة حياة المرأة الرئيسية الأخرى في الفيلم: قصة حياة الكاتبة الفلسطينية النابلسية المشهورة: سحر خليفة.

في تركيزة على حياة امرأتين مكافحتين فقط، يركز المخرج على إظهار ذكورية المجتمع الفلسطيني مدللًا عليها بصوت الديك على درج الدار، في واحد من أوائل المشاهد في الفيلم. ومدللًا عليها أيضًا في كلمات وغناء الغنية الشعبية "ياديك يا ابو الكنبرة عليش طلكت المرا" في المشاهد التي تتناول الروائية خليفة. موضوع الذكورية في الفيلم هو أكثر وضوحًا، في قصة حياة هذه الكاتبة النابلسية. فكفاح رومية كان مع اضطرارها للعمل 30 عامًا لإعالة طفليها بعد وفاة زوجها الذي كان يكبرها بسنوات كثيرة، وأيضًا كفاحها لاستعادة الأرض التي صادرها الاحتلال الاسرائيلي بعد قيام الدولة عام 1948.

أما كفاح الكاتبة خليفة فقد كان في صدامها مع مؤسسة الزواج، التي وجدت نفسها تلج إليها وهي في سن الثامنة عشرة، لتدرك بعد سنوات أن الزواج يخصر عالمها وحياتها في "عالم رجل واحد"، يحصر حياتها في "الأعمال المنزلية والأطفال،" الأمر الذي "يحد من عالم المراة وعقلها"، تخبرنا الروائية الفلسطينية.

تختار الروائية سحر الطلاق، وتختار أن تعيل ابنتيها لوحدها من اجل أن تدير دقة حياتها كما تريد، وليس كما يريد المجتمع أو العائلة. فتعود للجامعة ثم تكمل مشوارها ككاتبة وروائية. تشير خليفة، كيف أن توقعات المجتمع منها كمطلقة كانت تطلعات قاسية. فرغم أنها نالت ما تريد من الحرية بطلاقها، إلا أن هناك شيئًا ما افتقدته بزواجها قي الثامنة عشرة، شيء ما لا تستطيع حريتها الجديدة - التي نالتها بالطلاق - التعويض عنه. إنه "الوقت أو الزمن" كما نفهم من رواية الكاتبة للمخرج.

يتناول المخرج أيضًا موضوع الذكورية من خلال سرد ابنة رومية لمعاناتها مع انتقادات مجتمع الناصرة لها بعد ترملها واختيارها الزواج من رجل آخر، على خلاف والدتها رومية التي اختارت أن تربي أولادها بدل الزواج مرة أخرى. ينشب خلاف بين الأم رومية والابنة أثناء صنعهن كعك العيد مع نساء أخريات من العائلة. "حلي عني"، تقول البنت لأمها حينما تجدد رومية انتقادها الذي لا ينتهي لابنتها بسبب الزواج الثاني.

اختيار المخرج لامراتين من مدينتي الناصرة ونابلس لا يبدو صدفة، وفق اعتقادي، ذلك أنه يشهد لمجتمعي هاتين المدينتين الفلسطينيتين بتقليديتهما وتعصبهما فيما يتعلق بحرية المرأة.

تسجيلي ثقافي

تتخلل كل لقاءات النسوة مع رومية طقوس إعداد الاكلات الشعبية: كعك العيد، الشوشبرك، ورق العنب مع الكوسا، أو طقوس غسل صوف الخراف الضروري لفراش البيت في مجتمعنا العربي. كل ذلك في لقاءات عفوية بسيطة يتخللها حديث عن الفوارق بين الرجل والمرأة في مجتمعنا العربي، وعن اختلاف النساء الأصغر عن سابقاتهن كونهن أكثر جرأة وأكثر استقلالية.

إيقاع وموسيقى.. لغة سينمائية سمعية وبصرية

أما إيقاع معظم أحداث الفيلم فيتم عبر موسيقى الأغنية التراثية "هلا لا لا لايا"، التي تصور مشاهد الفيلم الخاصة برومية على إيقاعها الذي يتصاعد بوتيرة أسرع وأعمق في مشهد نرى فيه حقولًا خضراء وماعزًا يرعى، ونساء يرعين ويحصدن، وكأن المخرج يود أن يؤكد على أهمية الأرض وديمومتها للفلسطينيين.

في فيلم "الذاكرة الخصبة"، تتخلل كل لقاءات النسوة مع رومية طقوس إعداد الاكلات الشعبية: كعك العيد، الشوشبرك، ورق العنب مع الكوسا، أو طقوس غسل صوف الخراف الضروري لفراش البيت في مجتمعنا العربي

بينما الموسيقى المصاحبة للمشاهد المتعلقة بالروائبة سحر خليفة فتأتي على أنغام اغنية "يا ديك يابو الكنبرة عليش طلكت المرا"، أو على أنغام موسيقى كلاسيكية منبعثة من التلفزيون، أو على صوت الكاتبة نفسها تروي مقتطفات من كتاباتها.

تنبغي الإشارة إلى أن خليفي أثناء رواية رومية والروائية خليفة لقصتي حياتهما، يأخذنا في جولة بصرية لمدينة نابلس – سيما البلدة القديمة منها- وسهول مرج ابن عامر المحيط بمدينة الناصرة.

"الأرض بتروحش"

ولكن، كما ذكرت، القصة الأخرى لكفاح رومية هي كفاحها وعنادها من أجل المحافظة على أرض العائلة والأجداد الموجودة في محيط مدينة الناصرة، وحمايتها أمام إصرار الدولة على مصادرتها أو تبديلها أو بيعها. فلقد أمرت الدولة بالحجر على الأرض وأوكلت رومية لمحام أمر استعادتها. وفي الفيلم نرى ابن رومية وابنتها يحاولان إقناعها ببيع الأرض، أو قبول تعويض عنها أو تبديلها. ترفض رومية ذلك بعناد، "بديش، بديش أبيع الأرض". نفهم من خلال حوارها مع ابنتها وابنها أن رومية ترفض بيع الأرض لأنها تعتبرها مصدر عيش دائم للأسرة. "أنا ربيتكو وإنتو صغار، واشتغلت وتعبت وما بعت الأرض، خليها، الأرض بتروحش، الأرض بضل".

وعندما يأخذ الحوار بين رومية وابنها وبنتها مستوى آخر وحجة أخرى - أن الدولة تستطيع أن تفعل ما تريد، فهي احتلت الضفة وترفض للتخلي عنها، وهي صادرت أراضي حول مدينة الناصرة ولم يستطع أحد منعها- وعليها أن تقبل بتعويض أو بديل عنها لئلا تخسر كل شيء، ترد رومية "القصة مش قصة تعويض، القصة قصة حق".

أثناء هذا الحوار والتجوال في جوانب الحجة أو الادعاء الفلسطيني، يأخذنا المخرج في مشاهد ساحرة من مرج ابن عامر، الأرض المقسمة مربعات، خضراء وبنية ودرجات من البني الآخر، على صوت رومية وابنيها.

تعويذة مسيحية إسلامية

لكن المشهد المدهش - في رأيي - كان مشهد رومية أمام أحد الفتّاحين أو المشايخ الشعبيين المسلميين – كما يبدو- والذي ذهبت إليه رومية كي تصنع تعويذه تحمي لها أرضها من المصادرة وتمنحها هي نفسها الطمأنينة. هنا نرى الشيخ ذا الصوت الجهوري وذا البلاغة في الدعاء يخطئ في لفظ اسم رومية ويلفظه "روية". ولكن رومية تتجاهل الخطأ وتمضي ذاكرة رومية أثناء الدعاء. فنرى الشيخ يحث رومية بصوته الجهوري على أن تردد وراءه الآيات القرآنية والأدعية التي من الممكن أن تطرد شر الاحتلال وتمنحها الطمأنينة. ونجدها تردد وراءه الأدعية بطيبة وحكمة امرأة خمسينية أو ستينية تود أن تستعيذ من شيطان المصادرة بتعاويذ إسلامية أو مسيحية، لا فرق بينهما بالنسبة لها، كما يبدو.

موت وميلاد

تأخذنا كاميرا المخرج ميشيل خليفي إلى المقبرة، وهناك يستحوذ علينا مشهد ساحر. فترى رفيقات رومية المسيحيات، ورومية نفسها، في طريقهن للمقبرة مغطيات رؤوسهن بالإشارب، ومرتديات فساتين تصل إلى ركب سيقانهن، وهي فساتين قصيرة بمقاييس اليوم. وتشارك الراهبتان اللتان تظهران في المشهد النسوةَ الأخريات طراز لباسهن، رغم ارتدائهن لباس الرأس الأبيض الخاص بالراهبات. الطقس هنا شتوي وضبابي وبارد، ويرتفع بكاء إحداهن عاليًا منتحبة على الشخص الذي مضى.

تشارك النسوة المراة الفاقدة حزنها، فيضعن أيديهن على وجناتهن ساهمات، ويتناولن القهوة السمراء. ثم نرى قبرًا كبيرًا فوق حفنة التراب التي رقد فيها الميت. تحيط النسوة بضريح الميت، ونسمع صوت بكاء نسائي مرة أخرى.

تركيز ميشيل خليفي على مشاهد ثقافية تلك، من طقوس إعداد طعام وغيرها، جعل فيلم "الذاكرة الخصبة" وثيقة ثقافية جمالية

 

يلي مشهد النساء في المقبرة مشهد ظريف، كأن المخرج أراد للمشاهد أن يرى بعد مشهد الموت والفقد مشهد الميلاد والحياة. يأخذنا إلى نايفة، ابنة رومية، في غرفة نوم صغيرها الرضيع، تدلك جسده العاري بالزيت، بينما تهدهده باغنية أطفال شعبية "يا جارة خبي بنتك، ايد ابني طويلة، والرب جاد وعطى".

وكأن المخرج أراد أيضًا أن يرينا ليس فقط جماليات الممارسات الثقافية كما في تدليك جسد الرضيع بالزيت وهدهدته بالغناء له، بل كيف أن ثقافة مجتمعنا الذكورية تعزز تفوق الذكر على الأنثى، حتى أن الرضيع كذكر يده طويلة ويجب على الطفلة البنوتة أن تخشاه وتختبئ منه، وهو موضوع رئيسي في فيلم خليفي.

آخر المشاهد

مشهد الفيلم الأخير، يبدو أنه بيان للكاتبة سحر خليفة عن المرأة في المجتمع الفلسطيني ويحتوي على مقتطفات من روايتها تتأمل فيها وضع المرأة الفلسطينية أيضًا. بينما اللقطة الأخيرة لهذا المشهد نرى رومية منكبة على غسل صوف الخراف- ذلك العمل البيتي الموسمي المضني الذي تقوم به النساء الريفيات عادة لتوفير الفراش لبيوتهن - وكأن المخرج يود أن يشير للخيط المشترك الذي يربط قصتي هاتين المرأتين الفلسطينيتين، المختلفتين ظاهريًا والمنشابهتين في مضمون المعاناه والرغبة في الحرية والحق والعدالة: الروائية خليفة تبغي الحق والعدالة لنسويتها من المجتمع العربي، ورومية تبغاهما ضد الاحتلال الإسرائيلي لأرضها ومدينتها.

جمالية وأيضًا

تركيز خليفي على المشاهد الثقافية تلك - من طقوس إعداد طعام وغيرها- جعل الفيلم وثيقة ثقافية جمالية. أما تركيز عدسته على شقوق الجدران، وحائط المطبخ العتيق، وضيق مساحة البيوت الداخلية، وعلى الممرات الخلفية للبيوت والحدائق والحارات والشوارع التي تلعب بها البنات واليافعات، وعلى أصص الورد، والشجر والنوار، والكلب النائم في مدخل الدار.. كل ذلك يجعل من الفيلم وثيقة جمالية شعرية أيضًا.