فيلم "الدراما": عن قضم تفاحة المعرفة المسمومة
11 مايو 2026
هل سألتَ ذاتك مرةً عن معنى المعرفة، وما الذي تُحدِثه بوعيك ولاوعيك؟ هل سبق أن تساءلتَ إن كان باستطاعتك ألّا تعرف شيئًا ما بعد أن عرفته؟ أي أن تتجاهل ما عرفت، كونك واثقًا ومتأكدًا من حقائق أخرى أكثر حضورًا وواقعية وتأثيرًا في حياتك الآن، في الراهن، من تلك الحقيقة التي حدثت في ماضٍ لم تكن جزءًا منه.
يبدأ فيلم "الدراما" (The Drama)، كأي فيلم رومانسي، بمشهدٍ تسميه هوليوود (Meet cute)، حيث يُشاهد الشاب تشارلي طومسون (روبرت باتينسون) الفتاة الجميلة إيما هارود (زنديايا) دون درايتها، فيقرأ عنوان الكتاب الذي بين يديها، ويغالب خجله، فيحادثها حول الكتاب مدّعيًا معرفته، فتتجاهل كلامه، ليدرك بعد ثوانٍ أنها لا تتجاهله، بل هي صمّاء من جهة الأذن التي حدثها منها، بينما بالأخرى كانت تسمع الموسيقى.
الرومانسية وحماقة الحب
يجرّنا الفيلم في قسمه الأول نحو الرومانسية، نحو ابتذال الحب، نحو انغماسٍ لائق بالجسد وجاذبية عاشقين مهووسين ببعضهما. بالضبط في تلك اللحظة التي نبدأ فيها بالملل من تكرار الحياة، منذ أن يأخذ عرضُ الزواج الفيلمَ نحو كسل كتّاب السيناريو وروتينية مخيلتهم.
تأتي تلك اللعبة البريئة التي لا تقلب الطاولة على العروسين السعيدين فحسب، بل تقلب حياتهما، حتى لا يعودا قادرين على التعرف إلى بعضهما. والتفصيل الحساس، الذكي، الرومانسي، خفيف الظل، للعروس الصمّاء في أذنٍ واحدة، يصبح هو مدخلنا إلى معرفةٍ لا يمكن التراجع عنها.
هكذا، ومن سؤالٍ واحد بدا كما لو أنه لعبة بين دوائر المقرّبين والأصدقاء: ما هو أسوأ شيء قمتَ به في حياتك؟ يبدأ السواد، تبدأ الدراما الحقيقية، وتبدأ معضلة الأخلاق باكتساح شخصيات الفيلم، فتصيبهم بعَرَجٍ نفسيّ، وتأخذنا المعارف بعيدًا عن ذواتنا، وتغمسنا بلون العنف، برائحته، بدوافعه وتعقيداته.
يجرّنا الفيلم في قسمه الأول نحو الرومانسية، نحو ابتذال الحب، نحو انغماسٍ لائق بالجسد وجاذبية عاشقين مهووسين ببعضهما. بالضبط في تلك اللحظة التي نبدأ فيها بالملل من تكرار الحياة
الخطيئة والسقوط من جنة الحب
ما الذي يفعله الفيلم بنا حين يضعنا أمام هذه المعرفة؟ هل يحكي عن جريمة لم تُرتكب، أم عن المسافة الرفيعة والرهيبة بين أن نُخطط للشر وأن نُنفذه؟ هل اللاحدث، ذلك الذي لم يقع، يبقى حدثًا في وعي من خطط له، وفي وعي من أحبّه لاحقًا دون أن يعرف؟
المخرج النرويجي كريستوفر بورغلي، صاحب "سيناريو الحلم" (Dream Scenario)، و"سئمت من نفسي" (Sick of Myself)، يستعير قضية ثقيلة من القضايا الأميركية المعاصرة، لا ليحاكمها ولا ليقدم بيانًا أخلاقيًا بشأنها، بل ليجعل منها مدخلًا لنقاش معقد وصعب، يتحول فيه السرد إلى اختبار لسؤال أبسط وأعمق: كم من الأسرار يمكن أن نخفي عمّن نحب؟ وأين يقع الحد الفاصل بين الإنسان وما يمكن أن يفعله من شرور؟
ثم ماذا عن قدرتنا نحن المتفرجين على الإصغاء؟ هل نستطيع، بعد أن نسمع اعترافًا، أن نعود إلى المشهد الأول أنقياء؟ أن نرى لطف المقهى وتفصيلة الكتاب والأذن الصماء للجميلة كما كانت؟ أم أن التفاصيل الصغيرة تتحول إلى علامات مرهقة تكتسب وزنًا مختلفًا؟
هكذا يعيد بورغلي تعريف (Meet cute)، نفسه، فلم يعد لقاءً لطيفًا، بل لقاءً قائمًا على ما يجب ألّا يُعرف.
طوّر بورغلي الفيلم وكتبه بنفسه ضمن شركة (Square Peg)، بإنتاج مشترك مع (A24)، الاستوديو الذي بات يمثل اليوم تيارًا بديلًا داخل هوليوود. الميزانية بقيت متواضعة نسبيًا عند 28 مليون دولار، فيما تجاوزت الإيرادات 122 مليون دولار عالميًا، ليصبح "الدراما" خامس فيلم في تاريخ (A24) يتجاوز حاجز 100 مليون دولار.
دراما والاتكاء على القضايا الشائكة
أما الأداء، فتبدو زنديايا هنا في أحد أصعب أدوارها: عليها أن تحمل غموضًا متعمدًا، وأن تكون امرأة نحبها ونشكك فيها في الوقت نفسه، وأن تثير فينا الندم لا على أفعالها بل على نواياها أيضًا.
وروبيرت باتينسون، كما هو معتاد، يبدو ذكيًا ومتوازن الأداء، يبني الشخصية طبقة فوق طبقة، مانحًا فكرة العذاب وألم الحب معانيَ مختلفة، يصعب صيدها في مستنقع المشاعر المبتذلة لدى الممثلين المتواضعين، لكنها حاضرة بقوة لدى باتينسون.
وصف النقاد أداء الطاقم بأنه "في الذروة"، فيما حصد الفيلم 76% من المراجعات الإيجابية على موقع تجميع تقييمات ومراجعات النقاد (Rottenl Tomatoes)، مع تحفظات جدية، بعضها قاسٍ، سيُدرك من يشاهد الفيلم أسبابها.
ولتكتمل الفرجة بألقها، كانت الحملة الترويجية جزءًا من بنية العرض ذاته؛ ففي العروض الأولى في لوس أنجلوس وباريس وروما ونيويورك، صُممت لزنديايا أزياء تتبع التقليد الزفافي الإنجليزي، ما منح الافتتاحات طابعًا دعائيًا يحمل تناقضًا صارخًا بين الرومانسية في البداية والرعب والخسارة في النهاية.
هكذا بدا الترويج امتدادًا للنص نفسه: يُغري بالقشرة الرومانسية للحب قبل أن يكشف ما تحتها من عمى ورعب.
كلنا أشرار طالما لا يعلم أحد
في النهاية، يضعنا فيلم "الدراما" أمام مرآة لا نحب النظر إليها: فلا أحد يرغب في العيش تحت احتمال معرفة الشرور المخفية.
يذكّرنا الفيلم، بلا رحمة، بأن كل علاقة مبنية ليس فقط على ما نعرفه عن شريكنا، بل أيضًا — وبدرجة ما — على ما لا نعرفه، وما لا نريد أن نعرفه عن أنفسنا أولًا، وعن الآخرين لاحقًا.
يسأل الفيلم: أين يقيم الحب؟ هل في فجوة المعرفة حيث يبدو الجميع أبرياء وعاديين وطيبين؟ أم في لحظة الانكشاف التي تقود إلى الخوف والانهيار؟
الفيلم لا يجيب، ولا يدّعي كما تفعل بعض الأفلام الذكية أنه يملك الحقيقة. يكتفي بأن يضعنا حول طاولة واحدة، لنسأل من نحبهم: ما أسوأ فعل قمتم به في حياتكم؟