فيلم

فيلم "الحياة حلوة".. نعامات تطمس رؤوسها في رمال التفاهة

من الفيلم (IMDB)

إنه العام 1991 في بريطانيا، معدلات البطالة ترتفع والاقتصاد ليس بأفضل حالاته. يضع مايك لي كاميراته في بيت إنجليزي صغير لإيجاد حلاوة الحياة.

تمثّل الشيكولاتة التي يلتهمها الأب في فيلم "Life is sweet" رمزية لحلاوة الحياة، مرحها وسعادتها البسيطة

يفتتح فيلم" الحياة حلوة" (Life is sweet) بالأم ويندي وهي تعلم الأطفال الرقص، افتتاحية لطيفة بالنسبة لفيلم بتوقيع مايك لي. هذه الافتتاحية منحتنا الانطباع الذي ينشده لي عن ويندي المرحة المليئة بالحياة، ترتدي قميصًا زهريًا وتتحرك برشاقة بين الأطفال، تضحك طوال الفيلم لأبسط الأسباب حتى التي لا تستوجب الضحك، لكنها ليست شخصية جامدة، إنها شخصية تتطور.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Love Like the Falling Rain".. العذوبة المدوخة لـ"أنا أحبك" الصغيرة

الاب آندي هو رجل طيب ووديع بتاريخ صعب الآن يعمل كبير الطهاة في مطبخ أحد المطاعم، مدمن على الشيكولاتة كما تخبره زوجته لكنه يقول بأنه يستطيع الإقلاع عنها بالغد. إن الشيكولاتة برمزيتها العالية تشكل خلال الفيلم حلاوة الحياة، مرحها وسعادتها البسيطة.

لدى آندي وويندي توأم، هي نيكولا الثورية المتذمرة طوال الوقت، تطلق تعليقات سلبية على كل شيء، سلوكها لئيم ولا تفعل شيء سوى الجلوس على مؤخرتها طوال النهار كما يخبرها آندي الأب لكن هناك حزن يخبو خلف شعرها المنكوش ونظاراتها الكبيرة. على الجانب الآخر توجد ناتالي تعمل مساعدة سباك، مطيعة وهادئة، سلوكها رزين أقرب إلى المثالية بالنسبة لتوأمها، تكاد تكون النقيض لنيكولا.

إنها عائلة أخرى من عائلات مايك لي، وكالعادة منح الممثلين رؤوس خيوط فقط وراحوا جميعًا ينسجون بقية خيوط شخصياتهم بفعل ارتجالي يقدم الواقعية بلا توجيه ولا سيناريو مسبق، بشكل لا يوجد في سينما أخرى غير سينما مايك لي.

الأحداث اليومية التافهة برتابتها التي نعتقد أنها مملة يعرضها المخرج بزوايا ملونة، تحمل أسئلة بسيطة عن المعنى ومكان وجوده، كل شخصية في الفيلم تبحث عن معنى يصل إلى درجة التفاهة لبساطته. آندي يفاجئ عائلته بعربة الطعام المتهرئة بعد أن أقنعه باتسي السكير أنها "شرارة الثورة التي ستقدح"، لكن واقع الحال أنها كومة خردة تحتاج منه إصلاحًا كبيرًا، يعيد لها معناها المفقود ويكتسب منها معناه أيضًا، إنه يأمل الخلاص من عمله اليومي، إنه يحلم.

ليس آندي الوحيد الذي يحلم، لدينا أوبري صديق العائلة يعمل على افتتاح مطعمه الفرنسي، بلا أي خبرة يغامر من أجل تحقيق معناه، إنه بالنهاية الفتى السمين الذي يحاول لكنه لا يؤخذ على محمل الجد. لكل واحد في الفيلم لحظته الداخلية، أسميتها الداخلية، لأنه تفرج عن شيء محبوس في داخل الشخصية.

تشكّل الأم في فيلم "Life is sweet" الضمير الناطق للشخصيات، والذي يصرخ حين يحتاج الأمر ويصدم بصراحته ومكاشفاته

احتاج أوبري في لحظته إلى زجاجة كحول كاملة لأجل أن يصدق مأساته التافهة، فلن تسير الأمور كما يريد لها مع قائمة الطعام الغريبة لمطعمه الخالي من الزبائن في يوم افتتاحه، يشكّل المطعم خيبة صريحة ستوجب عليه ألا يبالغ في تقدير ذاته، أما نادلته التي تشبه الراهبات ستكون سببًا دائمًا لتذكيره بذلك.

اقرأ/ي أيضًا: The Three Identical Strangers.. حكاية التوائم الأشهر في أمريكا

كذلك آندي احتاج حادثة سقوط بسيطة من أجل لحظته الداخلية، حين أخبر ابنته بأن هذه الملعقة المصنوعة في 1975 ليست عادية فقد غيرت مسار حياة رجل. وهنا إشارة إلى الاستفتاء الشهير حول بقاء بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي، الذي أجري في عام 1975. كانت لحظة آندي الداخلية قطعة جمالية حزينة قال خلالها أحلى نكتة في الفيلم حين علقت ناتالي الملعقة الشريرة على الحائط، لكن آندي بعدها رغم الحزن البادي في عينيه طلب قليلًا من الشيكولاتة، مؤكدًا أن حلاوة الحياة تأتي بعد مرارتها.

الأم ويندي هي المعادل الذي يحفظ التوازن، إنها توبخ أوبري عند الضرورة وكذلك عند الضرورة تقف أمام نزق نيكولا وتلقي خطابها الأمومي والذي يكشف لنا عن تاريخٍ ليس سهلًا لنشوء عائلتها الصغيرة، خطاب عن أبوين صغيرين يكافحان من أجل العائلة. تشكّل ويندي الضمير الناطق لشخصيات الفيلم والذي يصرخ حين يحتاج الأمر، بل أحيانًا يصدم المقابل بصراحته وهو يكاشفه حتى يضع النقاط على الحروف لكنه بعد ذلك يخلف راحة وطمأنينة، وهذا يتمثل بالحضن الذي قدمته لنيكولا بعد خطابها القوي، وكذلك بالتفهم الكبير الذي أبدته لحماقة أوبري وتعاسته.

نصل أخيرًا إلى التوأم في لحظتيهما الداخلية، نيكولا التي تريد أن تكتب قصتها الخالية من ذكور تكرههم، لكنها تخشى مصارحة نفسها بأنها تحتاج العائلة، وأن ثورتها هذه يجب أن تكون على نفسها بالدرجة الأولى، إنها تفشل في لحظتها الداخلية لكن صديقها الحميم يواجهها بزيفها وافتقادها المواهب بل لكل شيء، لكنها تستمتع أخيرًا لصوت عارف، هو صوت توأمها، ناتالي، التي ستسافر مع بعض الأحلام الصغيرة، يجلس التوأم في الفناء الخلفي ويسحب مايك لي كاميراته بهدوء من منزل العائلة البسيطة.

إنها كوميديا واقعية عن الطبقة المتوسطة الدنيا، مليئة بالمشاعر وبمستوى مضبوط من الحساسية العاطفية، مع شخصيات عادية يصفهم الناقد ديسون هاو (Desson Howe) بأنهم "نعامات وجودية، تطمس رؤوسها في رمال التفاهة".

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "Love".. الجنس مكملًا رومانسيًّا