فيلم

فيلم "إبراهيم إلى أجل غير مسمى".. العائد إلى دير أبو مشعل

المخرجة تحمل ملصق الفيلم (فيسبوك)

يحمل تاريخ الثورة الفلسطينية الكثير من القصص التي لفّها الصمت، حيث وُضعت أحداث ووقائع عديدة في خانة المسكوت عنه، رغم أنها شكلت تغيرًا تراجيديًا لحياة عائلات فلسطينية وعربية شارك أبناؤها في غمار الثورة، الحديث عنها كان ممنوعًا ولا أحد يجرؤ على الاقتراب منها. تجربة تنظيم المجلس الثوري بقيادة أبو نضال من أكثر التجارب الإشكالية والدموية بكل ما تحمله من نهايات دراماتيكية، إلا أن الكشف على تلك القصص لا يزال يحاط بالكثير من الغموض.

"إبراهيم إلى أجل غير مسمى" عنوان الوثائقي للمخرجة الفلسطينية لينا العبد، الذي يتقصى تاريخ والدها الشخصي في رحلة البحث عن مصيره وما حدث معه

"إبراهيم إلى أجل غير مسمى" عنوان الوثائقي للمخرجة الفلسطينية لينا العبد، الذي يتقصى تاريخ والدها الشخصي في رحلة البحث عن مصيره وما حدث معه، في تلك المحاكاة تتبع لينا خيط اختفاء والدها، الكادر في الإدارة المالية بتنظيم بالمجلس الثوري، وفي طريق بحثها تصادفها الكثير من القصص والحكايات تختزل الخاص في الفضاء العام.

اقرأ/ي أيضًا: "حب وسرقة ومشاكل أخرى".. ملهاة فلسطينية

الاقتراب من التاريخ المنسي يحمل في طياته الكثير من الرهبة في التعامل معه وسبر أغواره، البحث عن إبراهيم كان بمثابة مغامرة لتجاوز تلك الرهبة، تقصي الحقيقة المدفونة بتلك الزوايا المعتمة من وراء الجدران، بملفات أجهزة الأمن بأدوار أشخاص غيّروا مسار حياة الكثير من العائلات، في أماكن شهدت أحداث فارقة، كل تلك التفاصيل لعبت دورًا مهمًا في إضفاء هذا الغموض..

"كنت أصغر من إني أتذكر وجودك لأنتبه لغيابك، أول من وعيت على القصة وعيت على أنه ممنوع نحكى فيها"، هنا تتضح صعوبة التعامل مع هذا الغياب وحساسية الموقف، نتلمس الحدود المرسومة للحديث بالموضوع بين أفراد العائلة، الثابت أن هذا الغياب هو الحقيقة الوحيدة المعلومة لكن الخوض فيها بقي مؤجلًا لاعتبارات عدة سياسية وعائلية، فكانت الجملة المتداولة على لسان أفراد العائلة "بابا تاجر ومسافر".

شبح الغياب حاضر من البداية، بتفاصيل حياة العائلة اليومية. تتحدث الأم: "في البداية، كان الخوف، وكنت أجبر جميع الأطفال بما فيهم أنا على النوم في غرفة واحدة". هذا الخوف خلق نوعًا من اللوم من خيارات إبراهيم السياسية. "هذا اللي أعتب فيه على إبراهيم، إنو دخلت على جماعة، على رأسي أنت تحب فلسطين بس ليش ما أحسنت الاختيار ليش أنا أدفع الثمن؟".

يتكرّر هذا اللوم بمشهد نجوى الابنة الكبرى وبكثير من الحسرة: "أنا كرهت السياسة والانتماءات والأحزاب. انضحك علينا، أقصد علينا كلنا كشعب. منذ العام 1984 وهم يقولون عشر سنوات وتتحرر فلسطين، ولم يحدث هذا حتى الآن".

التصالح مع هذا الغياب دفع لينا لمطاردته بدلًا من أن يطاردها، من هنا تبدأ الرحلة في اقتفاء أثر إبراهيم وما الذي حدث معه، محملة بمعلومة وحيدة ومباشرة قرأتها بعمر 18 سنة في كتاب الصحفي البريطاني باتريك سيل، أبو نضال بندقية للإيجار. "إبراهيم العبد الكادر الكفوء في الإدارة المالية، أدار شركة تجارية في زيورخ، ألقى القبض عليه سنه 87 واتهم أنه عميل للمخابرات الامريكية والموساد، أعدم بعدها".

التصالح مع هذا الغياب دفع لينا العبد لمطاردته بدلًا من أن يطاردها، من هنا تبدأ الرحلة في اقتفاء أثر والدها الغائب

بداية تقصى أثر الحكاية من لبنان، المعلومات متضاربة لكن طيف إبراهيم حاضر بقوة، المقبرة الجماعية في البقاع، القصف الإسرائيلي لمعسكر التنظيم، الانتقال إلى ليبيا ثم العودة للشام، ثم العودة مره أخرى إلى ليبيا بحسب كلام المسؤول الأمني للتنظيم في بيروت، كلها أسئِلة لم تقدم إجابات قاطعة وحاسمة بل كل إجابة كانت تتحول إلى سؤال جديد، يتضح أن الحقيقة بعيدة بل مدفونة وليست في المتناول.

اقرأ/ي أيضًا: 3 أفلام أساسية في السينما الفلسطينية

تصل لينا إلى قناعة أن الأوان قد فات، فبعد أكثر من 30 سنة من الغياب لا وجود لجواب حاسم، الإمساك بالماضي شبه مستحيل، أصبح المهم الآن هو محاولة فهم لماذا أخذ إبراهيم تلك الخيارات وكيف؟

تستمر الرحلة بين مدن عربية وأوروبية. في الإسكندرية حكايات اللقاء الأول، وعلاقة الحب بين الأب والأم، واستعادة تلك البدايات والوقوف عليها. في القاهرة حيث الأخت الكبرى نجوى القادمة حديثًا إليها، الحديث عن تجاوز هذا الغياب، الاندماج في العمل والحياة اليومية لتستمر الحياة، عن خياراتها فيما يتعلق بالرجال، عن الموقف القاسي والسلبي في كل ما يتعلق بالقضية بالسياسة ورجالها، هنا نلمس بوضوح تأثير هذا الغياب.

البحث عن ملء الفراغ، والإجابة عن الأسئلة يقودنا إلى عمان حيث الأهل والأقارب "لما كنت صغيرة كنت مفكر أنك تركتنا حتى تعيش مع أهلك بفلسطين، ولما كنا نيجي نزور قرايبك بعمان كنت أتوقع أني لاقيك عايش بيناتهم لوقت ما فهمت أنهم هما كمان لاجئين بس بالأردن". اللقاءات معهم لم تتجاوز حالة الغموض والتعاطي في النقاش بحذر، في كل ما يتعلق باختفاء إبراهيم، حتى اللقاء مع فريد صديق الطفولة ورفيق التنظيم، لم يستحضر سوى مآسي تلك الفترة وما حدث فيها من فضائع وجرائم، لكن الأسئلة باقية من دون إجابة شافية، مفتوحة على كل الاحتمالات.

في ألمانيا، تتابع لينا الحكاية حيث الأخ إياد، تقتفي مسارها وتحاول من خلالها الإمساك أكثر بالتفاصيل، يقودها ذلك إلى الشركة التي كان يديرها إبراهيم، وثائق تتعلق بالحساب البنكي في زيورخ السويسرية، شهادة صديقه خليل وتحذيره من الرحلة الأخيرة والمصير المشؤوم بعد انكشاف الدور المشبوه للقيادة المتحكمة في التنظيم لكن لا شيء مؤكد عن الوالد أو بالأحرى الحقيقة صعب الإمساك بها، فيما يبدو أن إياد كان الأقرب لوالده، تفاصيل الحياة العائلية، حضور الأب وغيابه، انتظاره، والفرحة الكبيرة بعودته من السفر، الحزن والاحتجاج على سفره وتأثير ذلك بعلاقته بمحيطه كردة فعل عن غياب الاب.

لا حضور مادي لإبراهيم في فيلم ابنته لينا العبد، لكن وجوده كان في السعي إلى تحرير أرضه، وفي خياره في العودة إلى فلسطين

تلك الثنائيات خلقت هذا الحضور الطاغي، والتعلق بالأب رافق إياد طيلة سنين الغياب، رافقه في بلاد الاغتراب لدرجة تمنى أن تكون لإبراهيم حياة أخرى، يعثروا عليه فاقد الذاكرة في مكان ما، على شاطئ البحر، فتجمعها الصدفة من جديد، لكن هي أمنيات وخواطر ناتجة عن حالة الشوق التي تتحول إلى حالة من الغضب والعتب الكبيرين، ذهبت بالابن عكس خيارات الأب، يخاطب الأخ اخته احتجاجًا: "أنا ما عندي استعداد اموت منشان فلسطين، عندي استعداد موت منشانك منشان ابني إبراهيم، ما فكرت للحظة بس ما عندي استعداد موت منشان فلسطين".

اقرأ/ي أيضًا: "اصطياد أشباح".. الحياة هي في مكان آخر

ليضيف: "فلسطين شيء جميل أرض وبلد، لكن موت منشان بلد لا بكل بساطة".

إياد صوت الاحتجاج الفلسطيني الذي يعبر عن المآلات القاسية والانكسار، صوت الفلسطيني الذي عايش الخسارات وشعر بطعم الهزيمة، كان هذا الغياب قاسم لأب مناضل وبطل، وأصبح الحلم عبارة عن سراب "بتذكر أني كنت بالأردن لما سلّم عرفات على رابين، صرت أبكي لأني وقتها حسيت إنو أبوي راح بلاش وكنت أتوقع أنو هالنتائج راح تصير".

هذا يدفع لينا للسؤال: "بسال حالي شو هي هاي فلسطين لكثار يموتو كرمالها؟ كيف قدرت تختزل حكايتنا الشخصية بحكايتها الطويلة ولي ما نعرف كيف لازم ننهيها؟".

لكل حكاية نهايتها واللحظة المفصلية كانت زيارة فلسطين في دير "أبو مشعل" مسقط رأس إبراهيم، لقاء العم والأهل، الجولة في البلدة، الوقوف بين أشجار الزيتون، التوقف عند المدرسة عند بركة السباحة، زيارة قبور العائلة بدد الشعور الداخلي بالغضب تجاه ابراهيم وتجاه خياراته.

لا حضور مادي لإبراهيم، لكن وجوده كان في السعي إلى تحرير أرضه، كان بخياره في العودة إلى فلسطين، هذا ما أعطى لموته معنى، غيابه يشكل حضورًا كاملًا بين ثنايا كل تلك التفاصيل الموجودة بدير "أبو مشعل"، إبراهيم هو ذاكرة تلك الحكاية بالرغم من هذا الغياب، ومن لا يمتلك ذاكرة لا يهم هل عاش أو مات! وحدها الذاكرة من تروى الحكاية.

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "واجب".. طوفان من القصص الفلسطينية

تصوير القدس في الحرب.. صورٌ من سنة 1948