فيلم

فيلم "أنا أولغا هيبناروڤا".. خيارات داعشية

لقطة من الفيلم

يعرِّف القائمون على الفيلم التشيكي "أنَا أولغا هيبناروڤا" عَملهم الأخير أنه يحكي قصة فتاة صغيرة ووحيدة من عائلة غير مبالية، لا تلعب الدور الذي يفرضه المجتمع عليها، وهي مهووسة بتفحّص ذاتها، وغير قادرة على التواصل مع الآخرين، ما يقودها في نهاية المطاف إلى حافة إنسانيتها وهي في الثانية والعشرين فقط من عمرها.

الفيلم المنتَج هذا العام، يعيد طرح قصة الشابة أولغا المولودة عام 1951 لأب يعمل كأمين صندوق في بنك، وطبيبة أسنان؛ ارتكبت عام 1973 جريمة دهس بشاحنة في العاصمة التشيكية براغ، حيث هاجمت آنذاك تجمّعًا لأناس كانوا بانتظار قطار نقل كهربائي، قتلت حينها ثمانية أشخاص، أعمارهم بين الـ60 والـ79، وأصابت العشرات بجروح.

تقول بطلة فيلم "أنا أولغا": أنا سيدة وحيدة دمرني المجتمع. كان لدي الخيار في قتل نفسي أو قتل الآخَرين، لكنني اخترت الانتقام

وإن كنا لسنا بصدد نقاش طبيعة علاقتها بأبويها أو الحديث عن مشاكلها النفسية، أو حتى عن الفيلم من الناحية التقنية والإنتاج والتمويل ومواقع التصوير والإخراج والأسلوب وما إلى ذلك، فإن غايتنا من هذا المقال تتمحوَر في المشكلة التي يخلقها هذا الفيلم السيئ للغاية.

منذ اللحظة الأولى حالَ إعدادك فنجان القهوة والجلوس إلى جانب منفضة السجائر، طيلة ساعة و40 دقيقة، وحتى الدقيقة الأخيرة واقتيادِها مكبّلة اليدين مصحوبًا بالصراخ، يحاول مخرجو الفيلم جاهدين بكافة الوسائل المتاحَة أمامهم، تقريب شخصية أولغا منك عبرَ استعراض وحدتها، والطريقة التي تم من خلالها تعاطي الشخصيات الأخرى مع هذه الأنثى ناعمة الملمس والمتوحّدة، مثلية الجنس والمكروهة من قبل النساء في الآن معًا، واستجداء شفقتك عليها قدر المستطاع بدعوى أنها "مظلومة" من قبل هذا العالَم بأسره.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم أماركورد (1973): هيّا نضحك على الفاشية

تقول أولغا: "أنا سيدة وحيدة، دمّرني المجتمع. كان لديَّ الخيار في أن أقتل نفسي أو أقتل الآخَرين، إلا أنني اخترت الانتقام من كل كارهيّ. سيكون من السهل علي جدًا أن أترك العالم باعتباري ضحيةَ عمليةِ انتحار مجهولة، فهو (العالَم) غير مبالٍ بي، لذا سأحكم على نفسي بالقول: أنا أولغا هيبناروفا. ضحية بهيميتكم حتى الموت".

وللإنصاف لا بد لنا أن نذكّر هنا أنه (ربما) أراد مخرجو الفيلم في لحظة من اللحظات إيصال فكرة تدعو إلى التضامن مع أولغا (أولغا كحالة مرضية واسعة الانتشار) من وجهة نظر الآخَر، والقول: إن تهميش هؤلاء يعني تحفيزهم على أن يكونوا مجرمين، وهذا مالم يكن لهم أن يُظهروه واضحًا لمشاهدي الفيلم، فقد برز في حوار دار على مدى دقيقتين فقط مع محاميها على الشكل:

- أنا ضحية المجتمع. لقد تعرضت للإساءة من قبلهم. (تقول أولغا).

- أنتِ ضعيفة، لقد أنكرتِ ببساطة قدرة الإنسان على الاختيار بين ما هو خير وشر. (المحامي).



- لدى الناس خيارات كثيرة، ولست أريد الحديث عن هذا، إنما أريد الحديث عن كونهم يختارون ما هو شرير دائمًا.

- مثلما فعلتِ حينما دهستهم بالشاحنة، أليسَ كذلك؟

أما بقية الفيلم كما أسلفنا فتدعوك مرغمًا إلى التضامن مع هذه الشخصية التي فشلت في تحقيق ذاتها وانتقمت بعد إلقاء اللوم على العالم لشره، وهنا قد يدعونا البعض إلى أخذ المجتمع وأثره على حياة الفرد وقراراته على محمل الجد، وهذا ما لسنا ننكره.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "شيطان النيون".. عن تماهي الجمال بالموت

نعم. للمجتمع تأثيره السلبي والإيجابي (نسبيًّا) على حياتنا، إلا أن سؤالًا يقول: إن بذلتَ أقصى ما تستطيع لتكون ناجحًا، سينمائيًا كنت أو شاعرًا أو كاتبًا.. إلخ، هل يمكننا القول من جانبنا إن المجتمع هو الذي صيّرك على هذي الحال؟ هل يمكن القول إن للمجتمع الفضل عليك في تحقيق كل ذلك؟ ثم إن كان الأمر كذلك، لماذا لا يستطيع (كل) من يعمل جاهدًا تحقيق نفسه؟ لماذا أنتَ فقط؟ هذا يعني أنك وحدك من تقرر في الوقت الذي تريد، وليس للمجتمع تأثيره الجذري على حياتك قطعًا.

فيلم "أنا أولغا" دعوة إلى إسقاط التهم على المجتمع، وتحميله مسؤولية كل مايجري، حتى مسؤولية عدم قدرتنا على التواصل مع الناس

هذا الفيلم (أنا أولغا هيبناروڤا) دعوة إلى إسقاط التهم على المجتمع، وتحميله مسؤولية كل ما يجري، حتى مسؤولية عدم قدرتنا على (التواصل مع الناس) حسبما عرّفَ القائمون على الفيلم عملهم، وهو مناسب إلى حد كبير لكل من يمنعهم الخجل من الانتحار، أو الذين لم يستطيعوا تبرير ذاك الانتحار.

ما سبق يعيد ذاكرتنا خمسة أشهر إلى الوراء، حين تقدم أحد مناصري تنظيم الدولة الإسلامية على متن شاحنة مسرعة ليقتل مئات المدنيين في نيس الفرنسية، لم يقل السائق إنه ضحية المجتمع الراغب بالانتقام لنفسه كأولغا، وإنما وظف نفسه في محمل المنتقم لضحايا (غارات التحالف الصليبي على أراضي الخلافة الإسلامية) حسب التنظيم، وذاك لتبرير انتحار أولغا بطريقة أُخرى.

"أنا أولغا هيبناروڤا" سينما قد تصل بكل الفاقدين لذواتهم في هذا العالم إلى إيجاد مسوغاتهم ذات النتائج الكارثية، لا على مستوى الأفراد عبر الانتحار في غرفة مغلقة، إنما على مستوى المجتمعَات، في الشوارع ومحطات القطار، وهو الدعوة: اخرجوا. اقتلوهم حيث ثقفتموهم.

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "الحالمون".. الثورية الحالمة وسذاجة المثالية

"20 سبتمبر".. وهم الحب الأول هو الأخير!