"فيلق الشام".. أداء هزيل وفساد مالي وأعداد مقاتلين وهمية

تساؤلات عديدة تُثار عن دور فيلق الشام (فيسبوك)

عام كامل مرّ على حملة النظام السوريّ وحليفته روسيا على منطقة خفض التصعيد الأخيرة شمال غرب سوريا، تمكّن عبرها نظام بشار الأسد وميليشياته من تحقيق مكاسب ميدانية بالجُملة، أبرزها السيطرة على طريق دمشق-حلب الدولي (M5)، وأجزاء من طريق حلب-اللاذقية المعروف بـ (M4)، والذي لا يزال مجهول المصير حتّى هذه اللحظة، يتأرجح بين خُطط إدارة روسية تركية مشتركة، وفقًا لما اتّفق عليه الرئيسان الروسيّ فلاديمير بوتين والتركيّ رجب طيب أردوغان في الخامس من آذار/مارس الجاري، وفرضيات استئناف الروس وميليشيات الأسد لحملتهما العسكرية على المنطقة من أجل السيطرة على الطريق ومحيطه بالقوّة.

استقالة الحجي والاضطّرابات الحاصلة داخل أروقة أكبر تجمعٍ لفصائل المعارضة في محافظة إدلب، جاء بعد توتّر العلاقة بين قيادة الجبهة وداعميها الأتراك على خلفية اكتشافهم فسادًا ماليًا ينخرُ الوطنية للتحرير

وبينما يُحاول الروس والأتراك إيجاد حلول لهذه المسألة المعقّدة، يبدو أنّ هناك جانبًا آخر في الصورة لم ينل نفس القدر من الاهتمام إعلاميًا، وهو ارتفاع حدّة انتقادات الحاضنة الشعبية لأداء فصائل المعارضة المسلّحة خلال المعارك الأخيرة، فضلًا عن الاضطّرابات الحاصلة داخل "الجبهة الوطنية للتحرير" والتي تمخّض عنها مؤخّرًا استقالة العقيد فضل الله الحجي من منصبه كقائدٍ عام للجبهة.

اقرأ/ي أيضًا: تركيا والتنظيمات الجهادية في إدلب.. نحو المواجهة؟

استقالة الحجي والاضطّرابات الحاصلة داخل أروقة أكبر تجمعٍ لفصائل المعارضة في محافظة إدلب، جاء بعد توتّر العلاقة بين قيادة الجبهة وداعميها الأتراك على خلفية اكتشافهم فسادًا ماليًا ينخرُ الوطنية للتحرير، وبمعيّة أكبر فصائلها، أي "فيلق الشام" المحسوب على أنقرة، والمتّهم بتقديم أرقام وأعداد وهمية لها تتناقض وبشكلٍ كبير مع العدد الحقيقي لمقاتليه على الأرض، من أجل تحصيل دعمٍ مالي يُنفق بعيدًا عن جبهات القتال، ممّا يُعزّز من فرضية أنّ فضل الله الحجي أُقيل ولم يستقل، في الوقت الذي يبدو فيه مصير الفيلق الذي لا يزال الحجي نفسه على رأس قيادته، مجهولًا حتّى هذه اللحظة.

الحكاية بدأت بعد الأداء الهزيل وغير المتوقّع لفيلق الشام، تحديدًا، على جبهات القتال مع ميليشيات الأسد، والتناقض الكبير بين أعداد المقاتلين المقدّمة إلى أنقرة، وتلك الموجودة على الأرض، بالإضافة إلى سرعة انسحاب مقاتلي الفيلق من جبهات القتال، لا سيما في ريف حلب الغربي، حيث قوّته الضاربة وثقله العسكري وانتشاره الأوسع، بمعدّل أكثر من 80 نقطة في المنطقة التي بدأت، وعلى عكس المتوقّع، تتساقط تباعًا وبسرعةٍ قياسية، ليصبح الفيلق وضعف مقاتليه وقلّة إمكانياتهم بالرغم من الدعم الذي تتحصّل القيادة عليه، والإمكانيات المتوافرة، حديث "الشمال المحرّر"، أو ما تبقّى منه.

التداول الكبير لاسم فيلق الشام في آخر معاقل المعارضة السورية المسلّحة، يطرحُ علامات استفهام عديدة، لا سيما عن الكيفية التي صعد بها الفيلق ليكون القوّة الوحيدة المُقابلة لقوّة "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقًا)، والمتزّعم غير الرسمي للجبهة الوطنية للتحرير، مُتجاوزًا فصائل عديدة كانت تتفوّق عليه بالقوّة والعتاد. ومن خلال تتبّع بسيط لمسار الفيلق، يُمكن رسم الخريطة التالية الكفيلة بشرح كيفية صعوده وتصدّره إلى جانب الهيئة، المشهد العسكريّ في الشمال السوريّ.

في العاشر من آذار/مارس 2014، أعلن 19 لواءً عاملًا في مختلف المحافظات السورية، تشكيل فصيل عسكري جديد يحمل اسم "فيلق الشام". الإعلان عن التشكيل الجديد جاء في وقتٍ حرج من عمر الثورة، حيث كانت فصائلها وعلى اختلاف مرجعياتها، تخوضُ حربًا ضروسًا على جبهتين؛ جبهة ميليشيات الأسد، وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش". وبينما كانت الفصائل تزجُّ بثقلها لمواجهة تمدّد الأخير، نأى الفيلق بنفسه عن قتاله، مُعتبرًا أنّ الأولوية وكما جاء في بيان تشكيله، هي استعادة كامل الأراضي من النظام المُجرم، فقط.

حتّى وقتٍ قريب، لم يكن فيلق الشام بارزًا في المشهد العسكري في الشمال السوريّ، ولكن دخول الأتراك على خطّ دعم المعارضة المسلّحة وبشكلٍ مباشر منذ عام 2015، كان نقطة التحوّل الأبرز في مسار الفيلق الذي لم يتردّد في المشاركة في محادثات أستانا بين المعارضة السورية والنظام مطلع عام 2017. ومع تثبيت تركيا أوّل نقطة مراقبة لها في منطقة خفض التصعيد في نيسان/أبريل 2018، بات من الواضح أنّ الفصيل الذي اختاره الأتراك دون غيره لمرافقة أرتالهم العسكرية وحمايتها، لن يبقى على ما هو عليه، باعتبار أنّ تعزيز أنقرة لوجودها العسكري في المنطقة، كان يعني وببساطة تعزيز حضور الفيلق.

ترسيخ فيلق الشام كرقمٍ صعب في خريطة السيطرة في الشمال السوري، تمّ دون الحاجة إلى شنّ أي حربٍ ضدّ أي طرفٍ فاعل في المشهد. فما كان على قيادته إلّا أن تنتظر انتهاء هيئة تحرير الشام من هجومها على فصائل "حركة أحرار الشام الإسلامية" و"حركة نور الدين الزنكي" وتمدّدها على حسابهما، وسحب سلاحهما الثقيل؛ لتبدأ بجني الثمار، لا سيما في ريف حلب الغربي، معقل نور الدين الزنكي سابقًا، والمعقل الجديد لفيلق الشام الذي ورث عنه المنطقة ومقاتليها بعد إعلان عدّة كتائب ومجموعات تابعة للزنكي وثوار الشام وبيارق الإسلام انضمامها إلى الفيلق في 15 كانون الثاني/يناير 2019، رغبةً منها في البقاء في المنطقة، بدلًا من الخروج باتّجاه مدينة عفرين.

سريعًا، بات للفيلق مناطق نفوذ جديدة، صعدت به من مجرّد فصيل عادي في المشهد، ليكون القوّة الثانية في المنطقة بعد هيئة تحرير الشام. وتدور علامات استفهام عديدة حيال العلاقة بين الطرفين والسبب خلف تجنّب الهيئة الصدام مع الفيلق الذي فضّل الوقوف على الحياد إزاء هجماتها على أغلب الفصائل المنضوية معه ضمن "الجبهة الوطنية للتحرير"، الأمر الذي اعتُبر آنذاك مؤامرة مشتركة بين الطرفين الذين حصدا معًا ثمار هزيمة أحرار الشام والزنكي.

اقرأ/ي أيضًا: وقف إطلاق النار في إدلب.. تسوية أم فرصة لالتقاط الأنفاس؟

على وقع التساؤلات العديدة حيال دور الفيلق في حملة هيئة تحرير الشام ضدّ فصائل الجيش السوريّ الحر، برّرت قيادة الفيلق انتشارها في مناطق ريف حلب الغربيّ بقولها إنّ الهدف منه هو "الحفاظ على المناطق من السقوط في حال فكّرت ميليشيات النظام بشنّ عملية عسكرية ضدّها".

سريعًا، بات لفيلق الشام مناطق نفوذ جديدة، صعدت به من مجرّد فصيل عادي في المشهد، ليكون القوّة الثانية في المنطقة بعد هيئة تحرير الشام

ولكنّ المفارقة أنّ مناطق نفوذ الفيلق كانت سريعة السقوط مقارنةً بغيرها من المناطق، كاشفةً عن أدائه الهزيل الذي كشف بدوره زيف أعداد مقاتليه مقارنةً بما هو مدوّن عند الأتراك، لتطفوا إلى السطح قضايا فساد مالي كبيرة، لا يبدو أنّ تبعاتها سوف تنتهي باستقالة فضل الله الحجي من قيادة الجبهة الوطنية للتحرير، أو إقالته بأوامر تركية مُباشرة.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

فيروس كورونا يهدد الشمال السوري.. احتمالات مفتوحة على الكارثة