"فيلا توما".. الصراع في الفيلم وخارجه

من الفيلم

في فيلمها الأول "فيلا توما"، ترصد المخرجة الفلسطينية سهى عرّاف التحولات الاجتماعية التي أصابت حياة أبناء الطائفة المسيحية التي كانت تعيش في منطقة رام الله عقب الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967. 

يروي الفيلم حياة عائلة فلسطينية مسيحية مكونة من ثلاث نساء: جولييت، فوليت، أنطوانيت؛ عانسان وأرملة. تعيش الأخوات الثلاثة في حالة عزلة عن محيطهن الاجتماعي ويتصرفن تبعًا لطقوس حياة العائلات الأستقراطية في فترة الستينات، غير عابئات بانحدار المكانة الاجتماعية والاقتصادية لهذه الفئة التي لم يعد لها وجود فعلي. ممارسات الاحتلال الإسرائيلي المتمثّلة بالسياسة الممنهجة في مصادرة الأراضي وتقطيع أوصال الضفة بالمستوطنات، تسببت بموجة هجرة كبيرة للعائلات الأرستقراطية نحو الخارج، وحولت أبناء الطائفة إلى أقلية عددية بعد أن كانت تشكل 90% من نسيجها الاجتماعي قبل الاحتلال.

يكشف "فيلا توما" المناخات التي تشكل الأرضية المناسبة لظهور الديكتاتور

في العمق، يكشف الفيلم المناخات التي تشكل الأرضية المناسبة لظهور الديكتاتور، أو المتسلط ضمن الجماعة البشرية، كما يكشف العوامل النفسية وراء قبول ضحاياه به. جولييت الأخت الكبرى (نسرين فاعور) تعاني من عزلة اجتماعية مزدوجة، فإحساسها المرضيّ كأرستقراطية يدفعها إلى احتقار أفراد الطبقات الاجتماعية الدنيا والتعالي عليهم، كما يدفعها للتطير من أبناء الطائفة المسلمة التي تعيش بين ظهرانيهم. 

تلعب عزلة الفرد النفسية عن محيطه دورًا كبيرًا في نشوء العدوان ضد الآخر حتى لو كان أخًا، فيسعى إلى السيطرة على الآخرين وقولبتهم ضمن تصوراته الخاصة، ليخلق منهم أتباعًا يفتقدون المؤهلات المناسبة لتدبر حياتهم اليومية. يتوقف وجود الدكتاتور على تقبل الخاضعين لسلطته كنوع من الانبهار بقدراته ومن إحساسهم الدائم بالحاجة إلى رعايته.

ينجح المتسلط على نحو ما بنقل سلوكه العدواني إلى الآخرين، فالأخت الوسطى فولييت (علا طبري)، تتحول بدورها إلى متسلطة وعدوانية على غيرها متى تسنى ذلك، إنها أنانية وتفكر بالخروج من حالة العنوسة التي لحقت بها حتى ولو اقترنت برجل عجوز، ذلك العجوز الذي سرعان ما يخذلها بموته، تاركًا إياها سجينة رغباتها بالعيش على ذكرى زواج لم تعشه يومًا، فتتعلق بما تبقى من أثره على نحو مرضي. إنه فستان عرسها الذي ما فتأت ترتديه لتأكد لنفسها أن نجحت في تخطي عنوستها فيما فشلت أخواتها في ذلك.

يمتلك الدكتاتور على نحو ما يقين يشبه يقين الحمقى، حين يعتقد أن نجح بإخضاع الجميع لأوهامه وخيالاته

يمتلك الدكتاتور على نحو ما يقين يشبه يقين الحمقى، حين يعتقد أن نجح بإخضاع الجميع لأوهامه وخيالاته، وأنه نجح في قتل روح التمرد في أعماق ضحايا. فالأخت الصغرى أنطوانيت (شرين دعيبس) تنساق مع رغبات قلبها حين تقع في حب شخص لا ينتمي إلى الطبقة الأستقراطية التي تنحدر منها مطيحة بذلك بتعب كل السنين التي أمضتها جوليت في تلقينها لذلك ، بل إن تمردها يبلغ أوجه حين تدعو حبيبها للتقدم من خطبتها في عقر دار العائلة، الأمر الذي يتسبب بطرده على نحو مهين من الفيلا، وحرمانها من رؤيته أو الالتقاء به مجددًا، ما يضرها العيش على ذكرى هذا الحب بقية حياتها.

يطلق وصول بديعة ذات السبعة عشر ربيعًا (ماريا رزق) إلى الفيلا شرارة البدء بكسر طوق العزلة التي فرضتها الأخت الكبرى على العائلة. تجد جوليت في قدوم ابنة أخيها المنبوذ من العائلة لكونه تجرأ على الزواج من مسلمة، فرصة لتعويض هزيمتها النفسية السابقة في عدم الزواج من أرستقراطي، لكنها تصطدم بعقبة إعادة تأهيل بديعة للعيش كأرستقراطية بعد أن عاشت معظم حياتها في دار للأيتام. تفسد إرادة الحياة عند بديعة خطط العمة في تزويجها من أستقراطي، فتقع في حب المغني خالد (نيكولاس يعقوب) ابن مخيم قلدنيا، فتنشأ بينهما علاقات حب، تنتهي بحمل آثم، لا تنتهي فصوله سوى بموت الأب في أحداث الانتفاضة الأولى، وبموت الأم أثناء وضعهما لمولودها. 

ثيمة أخرى من ثيمات هذا الفيلم هو الحب، حب جولييت المجهض بفعل موت الأم. توق فولييت للعيش في حضن زوج دافئ ما أن يحضر حتى يموت. حب بديعة المتفجر الذي يتخطى بقوته كل الأعراف الاجتماعية والمعتقدات الدينية ليواصل صناعة الحياة. حب العمة الصغرى أنطوانيت لابن بديعة الذي ولد بين يديها في ساعات الفجرالأولى من يوم ميلاد السيد المسيح.

على المستوى الفني نجحت المخرجة سهى عراف القادمة من عالم كتابة السيناريو -صنفتها مجلة فرياتي الأمريكية ضمن أفضل عشرة كتاب سيناريو في العالم لعام 2014- بنقل أجواء العزلة التي يحفل بها النص الذي أعدته بنفسها، دون أن تقع في مطب السألم الذي تولده الأفلام التي تعالج الأزمات النفسية لأبطالها. يحفل الفيلم بعشرات المواقف ذات الطابع الكوميدي الساخر، كما يحفل بقوة مخيلة مخرجته التي حولت بعض مشاهده إلى مشاهد مسرحية تضج بالحياة، ساعدها في ذلك أن معظم أحداثه تجري في حيّز مكاني واحد، والخبرة التمثيلية العالية لممثلاتها، وحسن اختيار للممثلة الشابة ماريا رزق في دور بديعة التي تميز أداؤها بالعفوية والبساطة والحضور الآسر، مما أهلها للحصول على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان "Reggio Calabri" الإيطالي. 

رفضت سهى الخضوع للابتزاز الاسرائيلي ووجدت الحل في تقديم فيلمها باسمها الشخصي 

على هامش عرضه في المهرجانات الدولية التي شارك فيها الفيلم (47 مهرجانًا) آخرها "مهرجان فيسبادن الثامن والعشرين" في ألمانيا، خاضت سهى عراف معركة تحديد هوية فيلمها، حين أصرت على عرض الفيلم تحت اسم فلسطين، فيما أصر الإسرائيليون على مشاركته باسم دولتهم كونهم الممولين الرئيسين له. 

رفضت سهى الخضوع للابتزاز الاسرائيلي ووجدت الحل في تقديمه باسمها الشخصي في "مهرجان البندقية السينمائي" مبررة ذلك بالقول: "الفيلم يمثل هوية مخرجه، أنا فلسطينية فرض عليها العيش في إسرائيل. هذا الفيلم تطلب مني الدفاع عن ثلاث قضايا: قضية الدفاع عن هويتي كفلسطينية، وقضية حقوق فلسطينيي الداخل كدافعي ضرائب يشكلون عشرين بالمئة من سكان دولة الاحتلال، وثالثًا قضية حقنا في ميزانية وزارة الثقافة الإسرائيلية التي لا نحصل منها إلا على أقل من واحد في المئة من حصتنا. فيما ينجز المخرجون الإسرائيليون الأفلام على حسابنا".

في مهرجان الإسكندرية السينمائي 2014، منع الفيلم من المشاركة في المسابقة ومن العرض بحجة التمويل الإسرائيلي له، ولم يشفع له أن القصة والممثلين والنكهة فلسطينية الطابع. "فيلا توما" فيلم سينمائي بامتياز، تم إنجازه بلغة بصرية مرهفة الحس، يستحق كل التقدير كونه يسلط الضوء على المنسي والمتروك والهامشي للفلسطينيين المسيحيين الذين تعرضت حياتهم للتبديد والضياع بفعل الاحتلال لما تبقى من فلسطين عام 1967.

اقرأ/ي أيضًا:

أوديسا عراقية.. نشيد الشتات الأخير

مسلسل مستر روبوت والعبودية الناعمة